العلل الفكرية والثقافية للتأخر الحضاري

تراث
إبراهيم البيومي غانم |

أصابت عالم أفكار المسلمين مجموعة من العلل الفكرية والثقافية التي أدت إلى ركود الحضارة الإسلامية. وهذه العلل نابعة في جملتها أو في أغلبها، من الجهل بالإسلام، شأنها شأن العلل الاجتماعية والسياسية. ويمكن القول أن" الخلافات الدينية والمذهبية" التي وقعت بين المسلمين هي في مقدمة تلك العلل التي أدت إلى انحطاطهم، فمثل تلك الخلافات صرفتهم عن الدين كعقائد وأعمال، وأوقعتهم في شراك الألفاظ والمصطلحات والأشكال الميتة التي لا روح فيها ولا حياة.


وكان "الجمود" أو "كابوس التقليد" من أهم الآثار التي أوجدها التعصب للرأي. وعلة الجمود في حد ذاتها كانت من أخطر العلل التي أصابت الحياة الفكرية لأمتنا. ويكفي أنها كرست حالة الفرقة وأدت إلى مزيد من تمزيق وحدة الأمة في سبيل الانتصار للرأي والتشبث به، وصرفت العقول عن الاجتهاد وفهم آراء الآخرين وإزالة نقاط الخلاف، وتوحيد قوى الأمة ولم شتاتها لتكون أقوى على مواجهة التحديات، ولتكون كلمة التوحيد، هي أساس "توحيد الكلمة".

ويضاف إلى ما سبق ما تشهده مجتمعات أمتنا أيضاً منذ قرنين تقريباً من انقسام يمزق النخب الثقافية والفكرية من أبنائها بين فريقين غير متجانسين هما: المتغربون والسلفيون.

أما الفريق الأول فهو فأنصاره يدعون إلى اقتفاء أثر الحضارة الغربية بحلوها ومرها، ما يُحب منها وما يُستكره، على حد تعبير طه حسين الذي تزعم هذا الاتجاه خلال النصف الأول من القرن الماضي.

وأما الفريق الثاني من المتمسكين بالأصول الكبرى التي قامت عليها الحضارة الإسلامية وازدهرت بسببها، فهم على النقيض من الفريق الأول؛ يقفون موقف الأصالة والمحافظة على الهوية الذاتية للأمة، ويدعون إلى تأسيس النهضة المرجوة على الأسس المستمدة من العقيدة الإسلامية التي تدين بها الأمة في أغلبيتها الساحقة، ويرون أن التفريط في هذه الأصول هو السبب الرئيسي لحالة الانحطاط والتخلف الذي تعاني منه الأمة على كافة المستويات السياسية والعسكرية والاقتصادية والاجتماعية والثقافية، وأن طريق النهضة يبدأ بالعودة إلى هذه الأصول.

وثمة مجموعة من العوامل الخارجية أسهمت في هذه الإشكالية، وهي تتمثل في محاولات السيطرة على أمتنا ومقدراتها من قبل أعدائها في العصور السابقة، ومن قبل القوى الاستعمارية في العصر الحديث، وقد تمكنت هذه القوى من إخضاع كافة البلدان الإسلامية ووضعها تحت سيطرتها منذ ما يقرب من قرنين.

ولا تنفصل محصلة العوامل الداخلية للانحطاط عن دور العامل الخارجي، فثمة علاقة ارتباطية وثيقة بين الجانبين ضمن الإطار الأشمل للصراع الحضاري بين الشرق والغرب؛ ذلك لأنه إذا كانت العوامل الداخلية قد مهّدت للغزو من الخارج وللاستعمار. وهو ما عبر عنه مالك بن نبي "بالقابلية للاستعمار"، و"الاستعمار". فإن التقاءهما تمخض عنه هذا الواقع المرير للعالم الإسلامي في تاريخه الحديث والمعاصر.

ورغم كل ما سبق، ورغم أن كل الأوضاع تدعو إلى اليأس من الإصلاح، فإن يقظة روح التحدي التي نشهدها على مستويات متعددة: فكرياً وحركياً، سياسياً واجتماعياً واقتصادياً، وعسكرياً في بعض الحالات، كلها ترجع إلى اشتداد الهيمنة الاستعمارية، كما ترجع أيضاً إلى الرغبة في التخلص من عناصر الضعف الداخلية. ونحن نختلف في رؤيتنا تلك للأثر الإيجابي للتحدي الاستعماري الغربي، عن رؤية فريق المتغربين الذين رأوا في الوجود الاستعماري عاملاً من عوامل التحديث والأخذ بأيدي البلدان المتخلفة نحو التقدم واللحاق بالغرب.

والسؤال الآن هو: ما هي الخلاصة العملية التي يمكن التوصل إليها من تفسيرنا لأسباب الانحطاط وما وصل إليه حال الأمة؟ إن هذه الخلاصة يمكن صياغتها بإيجاز في أن: سر تأخر المسلمين هو ابتعادهم عن دينهم، وأن هذا الابتعاد قد نتج عن الإغراق في الترف وتمثل في الركون إلى الدعة، والتحلل الأخلاقي، والفرقة والخلافات التي مزقت وحدة الأمة فكرياً وسياسياً واجتماعياً، وسيادة أنظمة الحكم الاستبدادي، وتعطيل كثير من أحكام وشرائع الإسلام الاجتماعية والاقتصادية والسياسية، وفي مقدمة ذلك تعطيل فريضة الشورى، فكان من نتيجة ذلك أن سهل على الاستعمار بسط سيطرته وتدمير مقومات النهضة الحضارية لأمتنا. وفي جملة واحدة فإن أعظم ما مني به المسلمون بعد ابتعادهم عن دينهم هو داء الفرقة وانفراط عقد الوحدة.

إن مفهوم النهضة يتضمن التقدم المادي (التكنولوجي) أو ما كان يسمى بمصطلحات بدايات القرن العشرين بـ "التمدن"، هذا بشرط أن يكون منضبطاً بالقيم الإسلامية، وخاصة ما كان من تلك القيم ذا طابع إنساني عام، بالإضافة إلى طابعها الخاص على المستوى الفردي والاجتماعي ـ كالعدل والمرحمة والتعاون والأخوة الإسلامية والسلام ونبذ العنف.

لكن كيف يمكن أن يتحقق هدف النهضة عملياً؟ ذلك لن يكون إلا بعودة المسلمين إلى الإسلام وإحياء تعاليمه ومبادئه في مختلف مجالات الحياة، ومن استقراء التاريخ نجد ما يؤكد ذلك فيوم كان المسلمون مسلمين كانوا سادة، ويوم نبذوا هذا الإسلام وشرعوا لأنفسهم وصلوا إلى ما هم فيه، وسيظلون كذلك حتى يعودوا إلى دينهم: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم}.

وتلخص العبارة السابقة ما يمكن أن نسميه "وجهة النهضة"؛ فالنهضة مرهونة بالعودة إلى الذات الحضارية، لا بالتوجه ناحية "الغرب". وهذا ما نادى به معظم رواد التجديد والإصلاح الإسلامي في العصر الحديث منذ محمد بن عبدالوهاب مروراً بالأفغاني ومحمد عبده ورشيد رضا وشكيب أرسلان، وغيرهم. فقد "انطلقوا من مبدأ التوحيد النظري بين الإسلام والمدنية" (أو النهضة) أما الأسس الجوهرية التي ينبغي التعويل عليها من أجل تحقيق تلك النهضة عملياً فقد شابها شيء من الغلط؛ إذ غالباً ما نظروا إليها نظرة أحادية تؤكد على أساس واحد جوهري باعتباره محور القضية وما عداه فروع مكملة له، فمثلاً "كان هذا الأساس عند بعضهم عقيدياً مشتقاً من عقيدة التوحيد وحسب، وكان عند بعضهم الآخر سياسياً مستلهماً من ضرورة السلطة الوازعة وحسب، وكان عند الآخرين أمراً قيمياً مؤسساً على القيم الاجتماعية والأخلاقية والاقتصادية وحسب.

وقد أدركت قلة من أولئك الرواد أن تعدد علل الانحطاط يستوجب تعدد الأسس التي تقوم عليها النهضة، ومن هنا تعتبر سمة الشمول في النظر والإحاطة بالجوانب المختلف للقضية، إحدى المحددات المنهجية في التفكير بصفة عامة، وفيما يخص قضية النهضة المنشودة بصفة خاصة.

وليس من المهم الآن الدخول في تفاصيل تفنيد الاتجاهات غير الإسلامية التي جعلت "الغرب" قبلة لها، فقد ثبت لمعظم أصحاب تلك الاتجاهات أنفسهم خطأ توجهاتهم نحو الغرب وتنكرهم للإسلام وتراثه الحضاري. إن المهم هنا هو بيان التصورات الفكرية الخاصة بالأسس والدعائم التي تشكل في مجموعها شروطاً لتحقيق النهضة. وهذا لا يمنع من الإشارة إلى بعض المجادلات الفكرية مع أنصار الاتجاهات المشار إليها. ويمكن تقسيم تلك الأسس إلى روحية ومادية، وتقسيم الدعائم إلى فكرية وسياسية.

علينا أن نولي اهتماماً كبيراً للجوانب الروحية والمادية معاً، كأسس لازمة للنهضة، وذلك في مواجهة الأفكار التي تروجها الاتجاهات العلمانية الداعية لاقتفاء أثر الغرب في كل شيء، حتى في الفصل بين الناحيتين المادية والروحية. إن الأمة تحتاج في نهضتها إلى الإيمان القوي.. المرتكز على قواعد ثابتة من روحها ونظريتها.. وإلى القوة المادية التي يظهر بها هذا الإيمان فيعرب للناس عن وجوده ويبرهن للخصوم على قوته وثباته.

ويشمل الجانب الروحي كأساس للنهضة مجموعة من الأخلاقيات والفضائل النفسية كلها ترتبط وتصدر عن "الإيمان بالله"؛ هذا الإيمان الذي يقتضي الإيمان بعظمة الرسالة الإسلامية، والاعتزاز باعتناقها والأمل في تأييد الله لأهلها.

ولهذا فإن من المهم تبديد مشاعر اليأس لدى أبناء مجتمعاتنا وترسيخ الأمل في نفوسهم. والسنن التي نبّه إليها القرآن، وكذلك عبر التاريخ وسنن الاجتماع، كلها تؤكد ما ذكرنا؛ فالقرآن يضع اليأس في مرتبة الكفر، وكذلك يقرن القنوط بالضلال.

ومن الأخلاق المرتبطة بالجانب الروحي والتي يجب أن يتحلى بها إنسان النهضة الإسلامية المنشودة "خُلق الصبر"، وهو أول اللبنات القوية في بناء الأمم الناهضة، وذلك هو السر في أن الله فرضه على المؤمنين وأمرهم به "فلا نهوض إلا بعزيمة ولا نصر إلا مع الصبر". إن تلك الأخلاق وغيرها من الفضائل لن تأتي من "الغرب" صاحب المدنية الحديثة؛ إذ أنه مفتقر إليها أصلاً، وإنما مصدرها الوحيد بالنسبة لشعوب الأمة العربية والإسلامية هو "الإسلام".

وإذا كنا نرى ضرورة قيام النهضة على أسس تجمع بين الروح والمادة، فإن أنصار "التغريب" مازالوا مصرين على آرائهم في ضرورة تقليد الغرب "وإلقاء قنبلة الاستسلام للأوروبي". حسب وصف علي شريعتي. هذا في الوقت نفسه الذي سبق أن انتقد فيه كبار مفكري الغرب حضارتهم وضجوا بالشكوى من المأساة الروحية التي تعيشها المجتمعات الغربية ومن هؤلاء على سبيل المثال: المؤرخ الإيطالي الشهير فريرو الذي عبر عن تلك المأساة في قوله: "اعتقد أن الشرق والغرب يلتقيان في ذهن كل فرد متحضر... إن الشرق اليوم في أمس الحاجة لأسباب حضارتنا (المادية) ونحن كذلك في أشد الحاجة لأصول حضارة الشرق (الروحية) ... لهذه الأسباب نتجه بقلوبنا صوب ماضي الشرق الذي توشك أن تهدم حضارتنا بقاياه".

علينا أيضاً ألا نغفل الجانب المادي كأساس للنهضة. وإذا كان كثير من الناس يظن أن الشرق تعوزه القوة المادية من المال والعتاد وآلات الحرب لينهض ويسابق الأمم التي سلبت حقه وهضمت أهله، فإن ذلك صحيح ومهم، ولكن الأهم منه هو القوة الروحية من الخلق الفاضل والنفس النبيلة، والإيمان بالحقوق ومعرفتها، والإرادة الماضية في سبيل الواجب، والوفاء الذي تنبني عليه الثقة والوحدة وعنهما تكون القوة. إن العالم الإسلامي لو آمن بحقه وغير من نفسه واعتنى بقوة الروح وعنى بتقويم الأخلاق لأتته وسائل القوة المادية من كل جانب وعند صحائف التاريخ الخبر اليقين.

إن التراث الروحي "لأمتنا" من شأنه. إذا قدمناه بشكل صحيح ـ أن يقيل حضارة الغرب الحديثة من عثراتها الروحية، بل إن الغرب نفسه مضطر إن عاجلاً أو آجلاً إلى الاقتباس من "روحانية الشرق"، وفي المستقبل الخبر اليقين.