ترامب يقفز فوق حاجز الـ "بريكزيت"

إبراهيم الصياد |

كشفت زيارة الدولة التي قام بها الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى بريطانيا أخيراً، أنه يعوض ضعف خبرته السياسية، بممارسة عقلية رجل الأعمال الباحث عن مصالحه الخاصة، ويترجم مفهومه للعلاقات الدولية وفق هذه العقلية. ولو كان لديه القليل من دهاء رجال السياسة، لما ساعد في تكوين محاور ضده في بريطانيا التي شهدت خلال الزيارة الكثير من التظاهرات المناهضة لسياساته الأوروبية وحتى الداخلية، أو ساهم في خلق حالة من الاحتقان في العلاقات الأميركية - الأوروبية عموماً، عندما وقف إلى جانب انسلاخ بريطانيا عن الكيان الأوروبي الكبير. الأكثر من هذا، أن ترامب استبق الأحداث وتخطى حاجز خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي المعروف باسم "بريكزيت" (BREXIT) قبل الانفصال رسمياً، وحرَّض لندن على التمرد على شركائها، إلى درجة أنه طلب منها أن ترفض دفع فاتورة الـ "بريكزيت"، والتي تقدر بنحو 50 بليون دولار.


وكان الرجل صريحاً مع تريزا ماي رئيسة وزراء بريطانيا المستقيلة عندما واجهها بالفشل في سرعة تمكين بلادها من الانعتاق من التعهدات الأوروبية، وانتقد طريقتها في إدارة ملف خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وقال إنه قدم لها نصائح أثناء التفاوض مع الأوروبيين لكنها "لم تلتفت إليها"، على حد قوله. ثم يكشف ترامب أيضاً النقاب عن عقدة لديه، وهي أنه دائماً يقف معارضاً للاندماجات والتجمعات الدولية. وهو أمر ليس بجديد، ذلك أننا لو تتبعنا المواقف الأميركية منذ دخوله البيت الأبيض نجده يميل إلى الأفكار الانعزالية، ويرفض الاتجاهات القومية؛ لأنها من وجهة نظره تمثل نوعاً من الخطورة على المصالح الأميركية.

من هنا، تعتبر أي تحالفات إقليمية أو دولية، مشكلة تقلق الرئيس الأميركي إلى حد كبير، فهو يعتبر مثلاً أن مشروع "الحزام والطريق" الصيني مع أوروبا، يمثّل تحديداً تحدياً للنفوذ الأميركي من ناحية وجزء من الحرب التجارية بين واشنطن وبكين من ناحية أخرى. وعليه، يرى ترامب أن تحييد الجانب الأوروبي اقتصادياً، سيصب في صالح الأهداف الأميركية. وينظر إلى الاتحاد الأوروبي على أنه تكتل يضر بنفوذ بلاده السياسي والاقتصادي، وهو توجه لم يكن موجوداً بهذه الحدة في الإدارات السابقة. ووفق هذا، نلاحظ أن ترامب غضَّ الطرف عما يريده المواطن الأوروبي، بل وتجاهل الإرادة السياسية لدول الاتحاد الأوروبي، متناسياً استقلال القرار الجماعي الأوروبي في هذا الشأن أو في غيره، لاسيما أن أي قرار لا بد أن ينطلق من رغبة الشعوب الأوروبية ذاتها.

ونرى أن ترامب أخطأ، عندما تصور أن الـ "بريكزيت" البريطاني يمكن أن يتكرر في دول أخرى. وفي اعتقادي أنه بهذا، لم يفهم جيداً أن ظروف بريطانيا ورغبات الشعب البريطاني وثقافته وميراثه التاريخي، تختلف عن باقي الدول الأوروبية. وإن كنا - نحن العرب - ننظر إلى الاتحاد الأوروبي على أنه تغلَّب على عوامل اختلاف الثقافات واللغات والشعوبية، وجمع بين الأضداد في اتحاد قاري لا يعترف بالحدود السياسية ويتغلب على العقبات الاقتصادية، وهو ما لم يستطع العرب تحقيقه على رغم عوامل اتحادهم.

ومع هذا، يمكن القول إن الدول الأوروبية ليست سواسية، ومعظمها يعاني، خصوصاً من الناحية الاقتصادية. إذ أن التجارة البينية بين الدول الأوروبية أقل من نظيراتها مع الاقتصادات الدولية العملاقة مثل الصين وروسيا واليابان. ويعتمد الاقتصاد الأوروبي داخلياً على العلاقة التكافلية – إذا جاز التعبير - بين اقتصادات غنية واقتصادات فقيرة؛ الأمر الذي يجعل الميزات النسبية تبدو فقط لدى الدول التي لا تعاني مشاكل اقتصادية - نسبياً - مثل فرنسا وإسبانيا وألمانيا.

وبمنطق عقلية رجال الأعمال التي يتبناها ترامب، ترى بريطانيا أنها لا تستفيد من الاتحاد الأوروبي بقدر ما تستفيد الدول الأوروبية منها. واستغل الرئيس الأميركي هذه الجزئية لدعم عملية الـ "بريكزيت".

غير أن هناك عوامل أخرى غير الاقتصاد والوفرة المالية يجب أن تؤخذ في الحسبان عند النظر إلى تمسك الأوروبيين باتحاد دولهم تحت مظلة واحدة؛ أهمها أن عالم اليوم يعتمد على قوة العمل الجماعي، وكلما ظهرت تكتلات جديدة، كانت بمثابة صمام الأمن والسلم الدوليين في مواجهة غطرسة القوة التي تعتمدها الولايات المتحدة في سياستها الخارجية.

وأعتقد أن العقلية البريطانية "التقليدية" ترى أنها ما زالت "قوة عظمى" لا تغيب عنها الشمس وهي عقلية أراها تتفق والطبيعة العنترية - نسبة إلى عنترة بن شداد - لشخصية الرئيس الأميركي دونالد ترامب!

• كاتب مصري