كشمير من جديد

محمد سيد رصاص |

في الخامس من شهر آب (أغسطس) الجاري، أعلن البرلمان الهندي إلغاء المادة 370 من الدستور التي تعطي الحكم الذاتي (من دون الدفاع والشؤون الخارجية والاتصالات والمالية) في ولاية جامو وكشمير، مع إلغاء المادة 35 (الفقرة أ) التي تعطي الملكية والتوظيف والتعليم حصراً، للقاطنين في الولاية الذين ينحدرون من آباء كانوا يعيشون هناك قبل العام 1911، واضعاً الولاية في وضع يطبق فيه عليها الدستور الهندي بكل مواده، مع تقسيمها إلى قسمين يوضعان تحت إدارة نيودلهي المباشرة بوصفهما أرضين اتحاديتين: جامو وكشمير، ولاداك، التي تقع على الحدود مع الصين شرقا، فيما يشكل جنوب شرقي القسم الباكستاني من كشمير الحدود الباكستانية- الصينية.


نتج الوضع الخاص لجامو وكشمير عن تسوية تم بموجبها انضمام الولاية إلى الاتحاد الهندي بعد سبعين يوماً من ولادة الهند في الخامس عشر من آب (أغسطس) 1947، لتكون الولاية الهندية الوحيدة ذات الغالبية المسلمة، وهو ما أنتج مباشرة الحرب الباكستانية - الهندية الأولى (1947-1948)، ثم كانت كشمير أيضاً سبباً في حربي 1965 و1999، فيما اندلعت الحرب الهندية - الباكستانية في عام 1971 بسبب الاضطراب البنغالي في باكستان الشرقية وما أدى إليه ذلك من ولادة دولة بنغلادش بعد الهزيمة الباكستانية.

ثمة تفسيرات عدة للخطوة الهندية الأخيرة في خصوص إقليم جامو كشمير، أحدها يتعلق بالمفاوضات الأميركية مع "حركة طالبان" الأفغانية التي ستؤدي على مايبدو إلى انسحاب عسكري أميركي من أفغانستان قبل انتخابات العام 2020 الرئاسية الأميركية، لتصبح "طالبان"، ربيبة باكستان، اللاعب الأقوى أفغانياً، بعد عقدين تقريباً من الغزو الأميركي الذي حصل بعد أسابيع من أحداث 11 أيلول (سبتمبر) 2001، الذي أطاح سلطة "طالبان"في كابول.

في الذاكرة الهندية، قاد الانسحاب السوفياتي من أفغانستان في عام 1989 إلى جعل باكستان تتفرغ أكثر للصراع الكشميري، كما أن بعض قوى"المجاهدين الأفغان"، مثل "الحزب الإسلامي" بقيادة قلب الدين حكمتيار، كانت من الداعمين الرئيسين للأحزاب الإسلامية المقاومة للسيطرة الهندية على جامو وكشمير، والتي عادت وألهبت الأرض هناك تحت قدمي نيودلهي بدءاً من العام 1989، في مواجهة مسلحة أسقطت أربعين ألف قتيل.

ثاني التفسيرات يتعلق بالصين، وعلاقتها المتوترة مع الهند منذ حرب العام 1962، علماً أن بكين نسجت تحالفاً استراتيجياً مع باكستان وصل حد تأجير الصين مرفأ غوادار الباكستاني المطل على بحر العرب، علماً أن ولاية جامو وكشمير تقع على الحدود مع الصين، ومع التقسيم الذي أعلن في الخامس من الشهر الجاري، لم تعد الحدود الهندية – الصينية مع جامو وكشمير، بل مع لاداك، ذات الأغلبية البوذية التي تتبع بوذية إقليم التيبت المتخاصم مع الصين منذ تمرد الدالاي لاما في عام 1959 ولجوئه إلى الهند إثر فشل التمرد الذي قاده مع مئة ألف من أتباع. منذ ذلك الحين، غدت لاداك أرضاً اتحادية تتبع نيودلهي بحكم مباشر، باتت بمثابة الحاجز الجغرافي بين الصين وجامو وكشمير ذات الغالبية المسلمة وأرض التمرد المتفجر ضد الهند. كما أن لاداك لن تكون بعد الإجراء الهندي الأخير، ممراً للأسلحة والعتاد والرجال عبر الجزء الكشميري - الباكستاني كما كانت منذ عام 1989، وهو ما أدى مع أسباب أخرى في عام 1999 إلى حرب مرتفعات كارجيل التي تقع شمال لاداك مع باكستان.

ويمكن إضافة سبب ثالث للقرار الهندي الأخير، يتمثل في استغلال الهند للحرب الأميركية - الأوروبية ضد الإسلاميين، التي بدأت منذ أحداث سبتمبر 2011، لتغطي خطوتها الكشميرية بوصفها جزءاً من هذه الحرب، بعد أن تسيّد الإسلاميون ساحة المقاومة الكشميرية التي تحولت إلى الأطر المسلحة في مرحلة ما بعد العام 1989.

إلى ذلك، ثمة أسباب قومية هندية داخلية وراء خطوة الهند في خصوص جامو وكشمير، إذ يمثّل "حزب بهاراتيا جاناتا" القومي غالبية برلمانية في نيودلهي حالياً، بثلاثمئة وثلاثة مقاعد من أصل خمسمئة وخمس وأربعون مقعداً. ولد هذا الحزب في عام 1980 من رحم "منظمة المتطوع القومي"، التي تعد بأعضائها الخمسة ملايين أكبر منظمة ثقافية - اجتماعية في العالم، والتي ظهرت في عام 1925 على أساس نص كتب في عام 1923 يسمى "هندوتفا: من هو الهندوستاني؟" كتبه الداعية الهندوسي الوطني فيناياك سافاركار.

في نص لايتجاوز العشرة آلاف كلمة يبحث سافاركار عن تعريف للقومية الهندية، ليقوم بربطها بنطاق جغرافي يمتد من سقف نهر الإندوس (السند) النابع من جبال هيمالايا حتى مصبه في بحر العرب عند مرفأ كراتشي في باكستان، نزولاً حتى المحيط الهندي جنوباً. وهو يعتبر أن المجتمع في النطاق الجغرافي المذكور، عقب عبور القبائل الآرية التي تتكلم السنسكريتية بعد عام 1500 قبل الميلاد لنهر الإندوس وامتزاجها بالقاطنين المحليين، أنتج ثقافة مشتركة ودم مشترك وبلد مشترك ومجتمع يشكل وحدة سياسية. وهو يفرق بين الهندوسية والهندوتفا، ليعتبر الأخيرة تمثّل الثقافة الهندية والطريقة الهندية في الحياة، التي وإن كانت تعتمد أساساً على قيم الديانة الهندوسية، لكنها تشمل السيخي والبوذي الهنديين، ولاتشمل المسلم الهندي. هو يقول برباعية "الأمة – العرق – الحضارة - الأرض المقدسة)، لتبنى فيها الأمة على العناصر الثلاث المذكورة بالتتالي، إذ يرى أن الأره المقدسة للمسلم هي مكة، ويعتبر أن مسلمي الهند هم من "الأجلاب"، جيء بهم مع سيطرة محمود الغزنوي على الهند في القرن الحادي عشر التي وصلت حتى البنجاب وماتبعها من حكم المغول المسلمين لعموم تلك الأرض بين الأعوام 1526 و1707.

كان سافاركار ملحداً، مثل تيودور هرتزل مؤسس الصهيونية، لا بل يشبهه من حيث ربطه علاقة الصهيونية باليهودية، ليمتح من الأخيرة فكرة "القومية" معتمداً على "الثقافة" و"العرق" و"الأرض". هكذا، تبدو الهندوتفا قريبة من الصهيونية. وفي نص سافاركار، نجد إعجاباً بالحركة الصهيونية. وليس صدفة وجود ذاك الانسجام الحميم بين رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي ونظيره الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، وهو ما بدا جلياً خلال الزيارة التي قام بها مودي إلى إسرائيل في عام 2017، في أول زيارة لرئيس وزراء هندي إلى هناك.


الأكثر قراءة في الرأي