عدن.. المرآة الكاشفة

محمد المختار الفال |

ما يجري في اليمن مأساة محزنة: شعب يتعرّض للفناء على يد بعض أبنائه، يتقاتلون، لإفناء أهلهم وتدمير بلدهم، ودفعه إلى هاوية المجهول، قوى تتصارع لإحراق المحروق وتمزيق الممزق وتفتيت المفتت، من أجل السيطرة على الفناء والدمار، وتوريث الأحقاد والكراهية في نفوس أجيال ستتفتح عيونها على مقابر الآباء والأمهات، يغمر مشاعرها البغض لأولئك الذين أوصلوا وطنهم العزيز إلى حضيض التخلف والتشرذم، سيلعن أبناء اليمن الأبرياء، لأجيال متتالية، من باع بلدهم لأطماع خارجية، وجعل مصالحه الفئوية والقبلية مدخلاً يتسلل منه الذين يريدون لهذا البلد العريق أن يكون «أداة» لتهديد الجيران، وإشعال الحرائق في المنطقة، وتعريض مصالح شعوبها ودولها للأطماع والابتزاز العالمي.


سيطرة الحوثي، منذ أكثر من أربع سنوات، على صنعاء، وما تلاها من وقائع، ينذر بتمزيق اليمن، ويتهدد أمن واستقرار جيرانه، ويعرّض أمن الإقليم كله لمزيد من التوتر وإهدار الطاقات، لكن ما يحدث في عدن، «المرآة الكاشفة»، يزيد من تعقيد المسألة، ويضفي على مواقف بعض الأطراف ظلالاً من الشك لا تساعد على المضي في طريق الخلاص من الذين يريدون الانفراد بتحديد وجهة هذا البلد في حاضره ومستقبله، فهذا الجزء من البلد، المنكوب بأخطاء بعض فئاته، هو الذي يمثل حضور الشرعية العملي، والمحافظة على استقراره ووحدة الكلمة فيه وإزالة أسباب الفرقة، يبقي مشروع إنقاذ اليمن من الوقوع في قبضة الحوثي حياً، داعماً للجهود العسكرية والسياسية التي يخوضها التحالف، بقيادة المملكة العربية السعودية، وتعريضه للصراع وإضعاف سيطرة الشرعية، تحت أي ذريعة، ليس في صالح مشروع إعادة اليمن لأهله، وتمكينه من الحفاظ على كيانه واستعادة روح الاحتكام إلى القانون وحق جميع أطيافه في تقرير مصيره. قد يكون هناك من له مصلحة في فصل الجنوب عن الشمال لأسباب مختلفة: بعضها يهدف إلى توسيع رقعة تأثيره وتكثير «المستقلين» السائرين في فلكه، وربطهم بمصالح لها إغراءات آنية تحجب المخاطر البعيدة، وهناك من يريد الفصل ليكون «حسماً» من قوة مشروع دولة «العقائد والقبائل» في الشمال، ومحاصرتها وحرمانها من تأثير هذا الجزء في قوتها وهيمنتها وقدرتها على التمدد في المستقبل، وهناك من هدفه «تصغير» الجميع، حتى لا يبقى في المنطقة «كبير» يهاب أو تخشى سطوته. ومن غياب الحكمة والرشد أن تكون «الإغراءات» القريبة والأطماع والمنظورة «تشوش» على بصيرة البعض، فلا يرى ما تخفي وراءها من مخاطر تهدد سلامة الجميع. ليس من شك في أن استمرار الحرائق في اليمن مشكلة تهدد الجميع، حتى وإن رأى فيها البعض «فرصة» لإعلان وجوده ومشاركته في أحداث المنطقة، وإبراز قدرته على تحريكها وتوجيهها، بما يفرض هذا الحضور، ومن مصلحة الجميع، في هذا التوقيت، أن يبقى اليمن «مشروع دولة موحدة» حتى لا يتطوّر الواقع المرير، إلى حروب قبلية تقود إلى المزيد من التقسيم والتمزيق، الذي قد يفضي إلى أن يتحول هذا البلد «مشيخات» قبلية، يحكمها قانون السلاح و«معسكرات» ميليشياوية عقائدية، هدفها تغيير خريطة الموروث، تحاصر «حواضر» مدنية ضعيفة، ليشكل الجميع هيكلاً ممزقاً تتسرب من بين عظامه وعروقه المؤامرات والمغامرات إلى الجوار، هذا «اليمن» الممزق، يشكل حالاً بالغة الخطورة على الجيران، أمنياً واقتصادياً واجتماعياً، مما يدعو كل الأطراف إلى إعادة النظر في ترتيب «الأولويات» وتقديم الأهم على المهم، فالذين يرون في التقسيم مصالح منظورة عليهم أن يدركوا أن ما يخفيه من المخاطر أكبر تأثيراً على مصالحهم الجوهرية، بل حتى على وجودهم، فلن يأتيهم انفصال الجنوب على طبق من ذهب، بل سيفتح «شهيات» آخرين على مكاسب تتعارض مع تحقيق المصلحة المشتركة، وحينها ستكون الخسارة مضاعفة، لأنه سيعمّق مأساة اليمن، ويمنح الأطماع الخارجية (إيران من أوضحها) غطاء وتبريراً للتغلغل أكثر مما هو عليه اليوم، وسيجعل هذا البلد ساحة جاذبة للغرباء والمرتزقة وجسراً يمرون عليه إلى دول الجوار، بشعارات يمنية تخفي في ثناياها الأيدي الخارجية التي تحركها، وسيكون اليمن خطراً على الأمن الإقليمي إذا استمر الصراع وتأخر حسم سيطرة الشرعية، المفضي إلى جمع اليمنيين في إطار يبعد عن بلدهم الخطر، ويوقف استنزاف ثروات شعوب ودول المنطقة، وتعريض مصادر الطاقة للتهديد.

ويبقى السؤال: من المتضرر الأول من إضعاف «الشرعية» في عدن؟ دون مقدمات: اليمنيون ودول الجوار هم المتضررون الحقيقيون، ومن الغباء أن يتورّط البعض في «اللعب بالنار»، بعد أن أصبح «رهينة» لمواقف خارجية، بدافع مصالح ضيقة، أو بدافع الخوف من جار كبير، يتوهم خطره، أو بدافع الحقد على البعض والتنافس مع آخرين، ويخطئ البعض حين يقف «مسافة» من المشكلة، ظناً بأن الحياد سيحميه من نيرانها، فاليمن بتعقيداته وحرائقه أكبر من مساحته، ولهذا تعمل الدولة المركزية في المنطقة، السعودية ومن يقف معها، على مواجهة هذا الواقع، وتتحمل مسؤوليتها الكبرى في هذا الشأن، وعلى العقلاء من أهل المنطقة أن يدركوا أهمية تأجيل المصالح الخاصة، مهما كان تبريرها أو دوافعها، فالخطر إذا تفاقم سيهدد الجميع، ومواجهته تتطلب إعادة ترتيب الأولويات، وتأجيل ما يمكن تأجيله حتى تتم مواجهة الخطر الحقيقي، ليس خافياً، بل من الطبيعي أن تختلف وجهات نظر الشركاء في بعض المواقف، كل بحسب زاوية نظره وتماسه مع القضية، ونظرته لنهايتها وتقديره لمكاسبها وخسائرها، لكن الشراكة المبنية على المصالح الأساسية تقتضي تقريب وجهات النظر في المسائل الجوهرية. الكل يعرف أن علاقات الدول مبنية على المنافع المتبادلة، وأن السياسات تُبنى على أساس تلك المصالح العليا، وفي الكثير من المواقف يصعب تطابق تلك المصالح مع ما يراه الآخرون، لكن الحكمة تقتضي، في كثير من الأحيان، التخلي عن جزء من «الجائزة» للحفاظ على طاقة المشاركة في السباق.

* كاتب سعودي.