لنتعلم من إسرائيل

محمد المزيني |

أكاد أجزم بأن شعوب العالم الغربي لا تعرفنا إلا بصفتنا الجمعية، فلسنا سوى عرب، وأعينهم على الشرق الأوسط فقط متجهة صوب إسرائيل، فلا تعنيهم تقسيماتنا الاثنية والعرقية، وقد تكون أفريقيا معروفة لديهم أكثر، الشيء الوحيد المتميز في نظرهم هو أننا بلاد النفط والغاز، أما السياسيون فيعرفون عنا كل تفصيلاتنا الدقيقة، حتى تلك التي ربما لا نعرفها نحن عن أنفسنا، فالدراسات والأبحاث التي تعدها مراكز الدوائر السياسية سنوياً تتجاوز كل الدراسات التي تعدها الدول العربية مجتمعة بكل تخصصاتها، وما يصرف عليها من أموال تفوق موازناتها بعض الدول العربية، إسرائيل وحدها لديها أكثر من 40 مركزاً بحثياً تهتم بعدد من القضايا الاستراتيجية، منها: الأمن القومي والاقتصادي والاجتماعي، وجميعها تسهم في صناعة القرار، حتى بلغ الإنفاق على البحث العلمي في إسرائيل - ما عدا العسكري - 9.8 بليون شيكل، ما يوازي 2.6 في المئة من حجم إجمالي الناتج الوطني، وتصل حصة القطاع الخاص في تمويل البحث العلمي إلى 52 في المئة، إسهام الدول النامية مجتمعة أقل من أربعة في المئة. برأيكم بهذه الحقائق الفالجة ماذا يريد أن يعرف عنا العالم غير طبعاً ثورات الخريف العربي، التي وصفت بأنها حروب داخلية ضد الاستبداد والجوع. بهذه المحصلة لن تحرص شعوب العالم المتقدم على أن تعرف عنا أي شيء.


السؤال الأول: كيف يمكننا حماية أنفسنا ونحن لم نكتشف بعد حتى أنفسنا ناهيك عن اكتشاف ما يحيق بنا ويخطط لنا؟ السؤال الثاني: هل نستطيع اليوم مع كل تجاربنا المرة، بداية من احتلال العراق للكويت مروراً بالإرهاب وانتهاء بـ «الخريف العربي» الذي أوصلنا إلى واقع مزرٍ من التلاسن والتراشق بأسوأ الألفاظ وتبادل الاتهامات والاحتراب المجاني، أن نعيد ترميم أنفسنا أو أن «السيف قد سبق العذل»؟

برأيي أن الفرصة مواتية اليوم لدول الخليج المتآلفة في ما بينها بأن تبدأ جدياً بتأسيس مراكز أبحاث علمية جادة، تحدد لها موازنات تليق بها، وإلزام القطاع الخاص بالإسهام في دعم الدراسات، وأن تتخذ الجامعات ابتداء مراكز انطلاق بحثي، شريطة الخلاص من ألاعيب باحثي المنافع الخاصة الذين يعتمدون القص واللصق مادة لشروحاتهم المطولة، والابتعاد عن الأبحاث التلفيقية التي لا تسمن ولا تغني من جوع، وأن تركز هذه الأبحاث المشاركة مع مراكز أبحاث عالمية لدراسة الظواهر الإرهابية التي تفشت في العالم العربي، وتداعيات «الخريف العربي»، ودراسة طبيعة العلاقة الجوهرية بين المواطن والسلطة وطرق تحسينها، من أجل الوصول إلى لغة مشتركة يتحدث فيها العالِم دون الجاهل، لذلك تخصص المراكز البحثية العلمية جهدها في دراسة منظومة التعليم الشاملة ومخرجاتها، من أجل بناء منظومة تعليمية مختلفة تركز على العلوم التطبيقية، وهذا يستدعي أيضاً إعادة تأهيل المعلمين بما يواكب خطط التعليم الجديد، حتى يتحقق الانتقال من مجتمعات نظرية كل رصيدها من التعليم وظائف خدماتية أو تعليمية إلى مجتمعات صناعية، لن نكون أقلّ من الكيان الصهيوني إدارة ودراية، الذي دشّن مراكز أبحاثه إبان الانتداب البريطاني 1948 ابتداء من تأسيس الجامعة العبرية بالقدس، وجامعات «بار إيلان» و«بن غوريون» و«حيفا» و«تل أبيب»، ومعهد العلوم التطبيقية «التخنيون»، ومحطة الأبحاث الزراعية في «رحوفوت»، ومعهد «وايزمان»، والمعهد الجيولوجي، ومختبر الفيزياء، ولجنة الطاقة النووية حيث أقيم أول حاسوب إلكتروني آنذاك، ومعهد أبحاث النقب، وإنشاء مركز الأبحاث الصناعية وشركة أبحاث البحار، وانتهاء بأربعين مركز أبحاث وضعت إسرائيل في مقدمة الدول الصناعية ذات الاعتماد الذاتي، وقد تحققت لها الريادة في عشر شركات اجتاحت العالم، منها شركات للطاقة وصناعة السلاح، وشركات لتأمين المعلومات وأخرى صحية وعالم الاتصال ووسائط النقل ومجال الري والتنقيط، الذي هو أحوج ما نحتاج إليه في صحرائنا الناشفة، وغيرها الكثير من المنتجات التي تفاخر بها العالم، يقابلها حالة تشظٍّ وركود علمي وتقني في عالمنا العربي، الذي يغص اليوم بأصوات قميئة ومزعجة خرجت عن نطاق العقل والمنطق، تديرها سياسات ديماغوجية مفلسة.

نعم، ثمة متآمرون على عالمنا العربي لإضعافنا، وحقيقة الأمر أننا نحن المتآمرون الحقيقيون على أنفسنا من دون وعي وإدراك، لقد بلغت الهشاشة منا حتى أفسدنا كل القيم التي ندّعي تماهينا بها، وهي قيم الإسلام الموسومة بالسلام، بدونا أمام العالم بلغتنا الفظة عبر كل وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي أضحوكة للعالم.. هل من حكمة يا عرب لا تزال حية بينكم أم أنها وئدت؟!

أملنا اليوم - كما ذكرت - في دول الخليج كي تعيد ترتيب البيت العربي، من خلال مراكز بحثية وعلمية، يستقطب فيها كل القادرين على الإنجاز من كل دول العالم، ولتكن الأولوية للعالم العربي، وستصب مستقبلاً في صالحنا، وتعيد ترميم هويتنا العربية المفقودة.

أكرر.. العالم من حولنا ليست بأفضل ولا أقدر منا، والعدو الإسرائيلي تحديدا آمن بمزاعم كاذبة وحققها على أرض الواقع، فكيف بنا ونحن نمتلك الحقيقة السيادية الكاملة على أرضنا لا نحتاج إلى أحلام ومزاعم كاذبة، كل ما نحتاجه هو الإيمان بقدرتنا على تجاوز خلافاتنا، والإيمان بقدراتنا والعمل عليها من خلال رؤية استراتيجية عميقة تدعم بموازنات تليق بها، فالأشياء التي تصلنا ولم نصنعها بأيدينا هي كالأبناء بالتبني لا تحمل صفاتنا ولا حتى أسماءنا.

Almoz2012@hotmail.com

almoziani@

* كاتب وروائي سعودي.