إسرائيل: حكومة وحدة أم انتخابات للمرة الثالثة؟

ماجد الشيخ |

يتوقع أن يستجد على المشهد الإسرائيلي في قادم الأيام، المزيد من أشكال التباري والتنافس على العنصرية والتفنن في ارتكاب الجرائم الوحشية وسرقة الأراضي وبناء المزيد من المستوطنات الهادفة إلى تهويد أوسع مساحة ممكنة من الأرض الفلسطينية، وتشجيع المستوطنين على اقتحام باحات المسجد الأقصى والاعتداء على المصلين والمرابطين وزوار القدس من الداخل ومن الخارج، في مشهد يستبق حمى التنافس الانتخابي للكنيست في السابع عشر من أيلول (سبتمبر) المقبل.


وفي حمأة هجمة استيطانية غير مسبوقة، تسعى قوى اليمين المتطرف بأطيافها كافة، لفرض أجندات استيطانية مستجدة، عبر الطلب من الحكومة الإسراع بالمصادقة على خطط لبناء المزيد من بناء البيوت الاستيطانية على كامل أراضي المدن الفلسطينية، لم تسلم منها رام الله، التي تحوي مراكز وتجمعات السلطة الفلسطينية، وبالقرب من منزل الرئيس محمود عباس.

وفي وقت تتجاهل حكومة نتنياهو كل الأصوات المنددة، وتتجاهل مواقف الشجب والاستنكار الدولية، في تحد واضح للمجتمع الدولي والرأي العام العالمي، مضت مخططات الاحتلال للمصادقة على خطط لبناء نحو 2304 وحدات استيطانية جديدة في الضفة الغربية، تمر في مراحل مختلفة من إجراءات الموافقة، هي الأحدث في سلسلة خطط تمت الموافقة عليها منذ تولي الرئيس الأميركي دونالد ترامب السلطة، والتي تأتي بعد أسبوع فقط من تصديق الحكومة الإسرائيلية على دفعة من المخططات لبناء 6000 وحدة استيطانية في الضفة الغربية.

وفي الوقت ذاته صادق "مجلس التخطيط الأعلى" التابع لـما يسمى "الإدارة المدنية" للاحتلال في الضفة، على إيداع مخطط لبناء 200 وحدة استيطانية جديدة في مستوطنة "ميتساد"، وعلى سريان مخطط لبناء 100 وحدة في مستوطنة "إيبي هناحال"، وتقع المستوطنتان شرقي الكتلة الاستيطانية "غوش عتصيون" في بيت لحم. كما صادق على تشريع بناء لمؤسسة عامة في مستوطنة "غفاعوت"، وعلى شق شارع لمبان تخطط سلطات الاحتلال لبنائها في هذه المستوطنة.

وكان مجلس الأمن أصدر في 23 ديسمبر (كانون الأول) 2016، القرار رقم 2334، الذي يطالب بـ "وقف فوري للأنشطة الاستيطانية كافة في الأراضي الفلسطينية المحتلة".

وتعقيباً على مصادقة سلطات الاحتلال على بناء آلاف الوحدات الاستيطانية على أراضي مصادرة ومسروقة، جرى سلبها من مواطني الضفة الغربية المحتلة، أكد الاتحاد الأوروبي موقفه الرافض للأنشطة الاستيطانية. وذلك على العكس من موقف الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي أباح الأراضي الفلسطينية وجعلها رهينة للاستيطان، في تباين واضح مع المواقف الأميركية السابقة. وذهب الاتحاد الأوروبي إلى أن موقفه من الاستيطان لم يتغير، مؤكدا ضرورة وقف الأنشطة الإستيطانية غير الشرعية بموجب القانون الدولي، والتي تقوض إمكان حل الدولتين وتحقيق السلام الدائم. وأفاد الإتحاد بأنه يتطلع الى قيام السلطات الإسرائيلية بالتطبيق الكامل للإلتزامات المترتبة عليها كقوة احتلال بموجب القانون الانساني الدولي، والى وقف سياسة بناء وتوسيع المستوطنات، وتخصيص أراضي للاستخدام الإسرائيلي الحصري، وحرمان الفلسطينيين من حقهم في التطور.

وبالتزامن مع موسم السباق الانتخابي الثاني هذا العام، وفي محاولة جديدة للفوز في سباق معركة انتخابات الكنيست، وضع رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو حجر الأساس لـ 650 وحدة استيطانية جديدة لبناء حي استيطاني جديد في مستوطنة "بيت إيل" المقامة على أراض خاصة لفلسطينيين عند مدخل رام الله الشمالي. وفي أجواء تفتقر الى احترام قواعد ومبادىء القانون الدولي والشرعية الدولية، تعهد نتنياهو وبدعم أميركي واضح وصريح، خلال تدشين الحي الاستيطاني الجديد، ضمان فرض السيادة الإسرائيلية على أنحاء الضفة الغربية كافة، وقال إن "هدفنا ترسيخ تواجد الشعب اليهودي في بلاده، وضمان سيادتنا في وطننا التاريخي". وشارك في تدشين الحي الاستيطاني الجديد، رئيس المجلس الإقليمي الاستيطاني "بيت إيل"، شاي ألون، ووزير الهجرة والاستيعاب، يوآف غالانت، إذ أتى وضع الحجر الأساس للمشروع ضمن الخطة التي أعدها غالانت، لتوسيع مستوطنة "بيت إيل" وتعزيز المشروع الاستيطاني في منطقة ما يسمى "بنيامين". وقال غالانت: "ردنا على العمليات (عمليات المقاومة) هو البناء والتوسع الاستيطاني"، لافتا إلى أن مستوطنة "بيت إيل" ذات مكانة مهمة جدا في تاريخ "الشعب اليهودي". الجدير ذكره ان هذه المستوطنة تحديداً، تعتبر نموذجاً للشراكة الإسرائيلية – الأميركية السياسية والأيديولوجية المتمادية ونتاجاً لها، في عدائها لحقوق الشعب الفلسطيني في وطنه؛ إذ تلقت ملايين الشواكل من قبل السفير الأميركي في اسرائيل دافيد فريدمان الذي كان يرأس منظمة "أصدقاء بيت إيل الأمريكية". وجمعت هذه المنظمة نحو 2.5 مليون شيكل من أجل نظيرتها الإسرائيلية "منظمة ليشيفا سكوت عوفاديا في بيت إيل". ويظهر اسم فريدمان على مباني عدة في حي جديد انشىء في مستوطنة بيت إيل التي تم بناؤها بتمويل المنظمة الأميركية التي يرأسها. وقال احد مؤسسي المستوطنة في شهر كانون الأول (ديسمبر) الماضي، أن ترامب سبق أن قدم تبرعاً بقيمة 10,000 دولار الى بيت إيل في عام 2003 بسبب صديقه فريدمان. كما تبرعت عائلة زوج ابنة ترامب، جاريد كوشنير، بعشرات آلاف الدولارات خلال سنوات لمستوطنات الضفة الغربية.

وفي حمى الاستعدادات لانتخابات الكنيست المقبلة، أعدت الأحزاب اليمينية الإسرائيلية التي تخوض الانتخابات ضمن قائمة "تحالف اليمين الجديد"، وثيقة للاتفاق على أسس واضحة للمرحلة السياسية المقبلة، وأطلق على تلك القائمة اسم "ميثاق شرف"، على أن تكون بمثابة ورقة سياسية، تستخدمها في حال أصبحت جزءاً من الحكومة المقبلة ومن بين الأحزاب التي وقعت على الوثيقة: "اليمين الجديد" برئاسة إيليت شاكيد وشريكها نفتالي بينيت، إلى جانب حزب "البيت اليهودي"، وأحزاب يمينية متطرفة.

وينص "الميثاق" المذكور على أن تكون "إسرائيل" "الدولة القومية للشعب اليهودي"، إضافة إلى معارضة إقامة دولة فلسطينية والعمل على فرض السيادة على الضفة الغربية. بدورها، دعت رئيسة حزب "اليمين الموحد" الإسرائيلي وزيرة العدل في حكومة نتنياهو سابقاً، ايليت شاكيد الى مواصلة الإجراءات لتنظيم الوضع القانوني للتجمّعات السكنية اليهودية في الضفة الغربية، فيما أكد بتسالئيل سموتريتش من "اليمين الموحد" "ضرورة فرض السيادة الإسرائيلية على جميع التجمعات السكنية اليهودية في الضفة الغربية".

وخلال جولة تفقدية مصورة في مستوطنة " إفرات" جنوب الضفة الغربية المحتلة الأسبوع الفائت، وعد نتنياهو بفرض سيادة إسرائيل على مستوطنات الضفة وبدء بناء 1000 وحدة استيطانية في محافظة بيت لحم، وأكد في حديث إلى المستوطنين أن البناء الموجود سيبقى إلى الأبد وسيتم تطويره.

وفي تطور لافت يعطي مؤشرات خطيرة على تفشي العنصرية، الذي بلغته التربية اليمينية المتطرفة في الأوساط الاسرائيلية في شكل عام وفي أوساط المستوطنين خصوصاً، تعتزم وزارة المعارف والتعليم الإسرائيلية تكريم حاخام متطرف، أباح قتل غير اليهود، وخاصة الفلسطينيين، إذ ستمنح جائزة "التوراة والحكمة" للحاخام يتسحاق غنيزبورغ، الذي يعد من أشد المؤيدين للإرهابي الإسرائيلي باروخ غولدشتاين، منفذ مجزرة الحرم الإبراهيمي في مدينة الخليل في عام 1994. والحاخام المذكور هو رئيس المدرسة الدينية المتطرفة ("ما زال يوسف حياً") في البؤرة الاستيطانية الارهابية يتسهار، التي تشكل إحدى قواعد الانطلاق لجماعات التخريب والارهاب المعروفة باسم "تدفيع الثمن". ويعتبر من الحاخامات الروحيين لميليشيات "شبيبة التلال" الارهابية، كما أنه مشهور بأفكاره ومواقفه وفتاويه الدينية التي تبيح قتل غير اليهود، مهما كان عمرهم وجنسهم. وسوف يشارك وزيرا التعليم رافي بيرتز والمواصلات بتسليل سموتريتش في تكريم غنيزبورغ الداعي إلى استبدال "الديموقراطية" في إسرائيل، بالشريعة اليهودية التي يرأسها ملك. وفق مخطط حركته المسماة "نهج حياة". وتعتبر مشاركة الوزيرين المتطرفين، في تلك الاحتفالية، بمثابة رعاية رسمية للإرهاب.

وفي السياق العنصري ذاته، ألقت منظمة "حاخامات من أجل حقوق الإنسان"، الضوء على تفشي العنصرية أكثر فأكثر في أوساط اليمين واليمين المتطرف في إسرائيل، من خلال نقدها الحاخام اليهودي إليعيزر كشتيئيل وإدانتها له، علماً أن الأخير دأب على إلقاء محاضرات دينية أمام الطلاب اليهود، ملأى بمفردات عنصرية وتمييزية ضد العرب، وتحط من قدرهم. ويردد الحاخام كشتيئيل في محاضراته التي يلقيها في مستوطنة "عيلي" في الضفة الغربية مواقف تجاهر بالعنصرية وتفاخر فيها، إذ يقول: "نحن عنصريون، لأن هناك أعراقاً في العالم، وخرائط جينية، وشعوباً بها خلل جيني، ندعوهم لأن يكونوا عبيداً لدينا، العرب يحبون الاسترقاق والعيش تحت الاحتلال". الجدير بالذكر أن كشتيئيل الذي يلقي محاضراته العنصرية في مدرسة دينية تحصل على دعم حكومي إسرائيلي بقيمة 10 ملايين شيكل سنويا، وهو دأب على تثقيف طلابه المتدينين بنظريات عن تفوق العرق اليهودي، زاعما أن مصدر هذا التفوق هو الجينات.

فعن أي جينات يتحدث حاخام الظلام هذا، ويهود العالم لا يشكلون شعبا أو أمة ولا ينتمون إلى عرق أو عنصر واحد، بل هم أشتات شتى، لا تجمعهم حتى التوراة العبرية، كما لا يجمع الشرقيون منهم أو الغربيون لا مواقفهم الدينية ولا السياسية ولا الأيديولوجية؟ علماً أن نموذج الانتخابات الحالية، أسطع مثال على انقساماتهم وتشتت صفوفهم، لدرجة أن قيل أن انتخابات ثالثة هذا العام لن تستطيع أن ترمم وحدتهم الحكومية.

وفي السياق، ذهب الكاتب الإسرائيلي شموئيل روزنر ("معاريف" 8/8/2019) إلى القول إن حكومة الوحدة، في معظم الحالات، هي حكومة أحلام صغيرة وأزمات كبيرة. هدفها التغلب على مشكلة موضعية، لا التقدم في أيديولوجيا موضعية، إذ كانت ضرورية لتوقف التضخم المالي في الثمانينات. وهي ضرورية في فترات انفجارات العنف، كما عشية حرب الأيام الستة، وفي بداية الانتفاضة الثانية. كما كانت ضرورية حين لم يكن ممكناً تحقيق حسم سياسي حقيقي. هذا أيضاً نوع من الأزمة، مثلما تثبت الانتخابات المعادة. يمكن لنتنياهو وغانتس أن يقولا "لا" من اليوم حتى الغد، ولكن لا مفر. يمكن للناخبين أن يعارضوا من أول أمس حتى بعد غد. السؤال: ما الذي سيقولونه، إذا تبين أن الخيار هو إما الوحدة أو الانتخابات للمرة الثالثة؟...

* كاتب فلسطيني