نبيل بهجت: أنتظر من "يونيسكو" اهتماماً متواصلاً بفن الأراجوز

نبيل بهجت. (الحياة)
القاهرة - عبدالكريم الحجراوي |

لم ينغلق نبيل بهجت، الأستاذ في كلية الآداب في جامعة حلوان، خلف أسوار الجامعة، كما يفعل الكثير من الأكاديميين؛ لكنه اشتبك مع المجتمع، فأسوار الجامعة في فلسفته تعيق وصول الثقافة إلى الناس. يصف بهجت الحياة الأكاديمية بالمرض الذي يحصرنا داخل مناهج توصل أصاحبها إلى نتائج معروفة سلفاً. ومن هنا كان اهتمامه بالأراجوز الذي أوصله من المحلية إلى العالمية حين ألحقه في قائمة "يونيسكو"، متخذاً له شعار "أن لدينا ما يستطيع أن يعبر عنا". كما ألَّف وجمع وأعدَّ أكثر من 20 كتاباً، إضافة إلى تأليفه وإخراجه عشرات العروض المسرحية.


"الحياة" التقت بهجت في القاهرة أخيراً، وكان هذا الحوار:

الأكثر تأثيراً

* هل لك أن تحدثنا بداية، عمَّن تعتبرهم الأكثر تأثيراً في حياتك؟

- أمي؛ إلهام شلبي، بتشجيعها الدائم لي، وجدي لوالدي؛ عبد الفتاح هدية. وبالطبع أستاذتي نجوى عانوس. هم مَن كوَّنوا وعيي في مراحل عمري الأولى، فجدي كان أول من لفتَ انتباهي إلى أن هناك تاريخاً لم يدونه المؤرخون. وهناك أيضاً الدكتور عبدالله التطاوي الذي لعب دوراً مهماً في حياتي ولكن يضيق المقام هنا للخوض في تفاصيله.

*إلى أي مدى أفادك السلك الأكاديمي في تحديد انحيازك الثقافي؟

- أنا أعتبر أن الحياة الأكاديمية تعيق وصول الثقافة إلى الناس، في حال التزام الأكاديميين مناهج تصل بنا إلى نتائج معروفة سلفاً. تلك المناهج صنعت في سياقات مغايرة، ومع ذلك نطبقها نحن على سياقاتنا. من المفترض أن نأخذ روح هذه المناهج لا آلياتها. الجامعات لدينا لها أسوار وهذه الأسوار تعزل الأكاديميين عن الناس، فالهدف من الثقافة أن تُنتَج من أجل العامة. هذه الأسوار تعزل الثقافة عن الناس. الجامعات تحولت إلى مكان مغلق، والأكاديمية تحولت إلى آلية روتنية غير مؤثرة في المحيط الإجتماعي. ما لا يؤثر في أمي وأبي، لا يعد ثقافة تعبر عنا. أنا هنا لست ضد الحداثة؛ لكننا نحتاج مَن يكمل مشروع طه حسين التنويري.

*لكن هناك تلامذة لطه حسين ويفترض أنهم مهتمون بهذا الأمر؟

- مَن جاءوا بعد طه حسين لم يتحلوا بشجاعته في مواجهة الجهل الذي يفرضه السلفيون على الشعب. العميد تحاور مع الأزهر وجعله يعدل آراءه، ولم يتمكن أي ممن يعتبرون أنفسهم تلاميذه من مواصلة هذا النهج.

*كيف يمكن إحياء هذا المشروع؟

- بتوجه النخب إلى الناس في مجتمعاتهم. علينا أن نعي أنه لا يجوز لنا إعادة النظر في المناهج الغربية وفقاً لسياقاتنا. ينبغي أن تكون لنا مدارسنا المتكئة على أفكار طه حسين وشوقي ضيف مثلاً. أنا مع حداثة تنبع من واقعنا لا من الواقع الغربي.

الأراجوز وخيال الظل

* هل لك أن تحدثنا عن تجربتك مع الأراجوز وخيال الظل؟

- أول مسرح رأيته في حياتي كان الأراجوز وخيال الظل. لن تجد في مجتمعاتنا القروية أحداً يقول لزوجته: سنذهب الليلة إلى المسرح. أزمة النخبة لدينا هي نفسها أزمة المسرح. ما آراه هو أننا بدأنا من المنطقة الخطأ في دراسة المسرح في الجامعة. فمسرحنا الحقيقي موجود في السرادقات والموالد، في الشوارع والأسواق والأجران. مسرحنا هو مسرح الفضاء المفتوح. أما المسارح الأوروبية المغلقة فهي مصممة في هذا الشكل لتتسق مع برودة الطقس. لذا لا تجد إقبالاً على المسارح المصممة لدينا وفق ذلك النسق الغربي، بينما عروض الأراجوز التي أنظمها تجد أنها دائماً كاملة العدد.

*ما كان شعورك بعد تسجيلك الأراجوز على قوائم "يوينسكو"؟

- لا، شعرتُ بإنتصار أفكاري. ولكن للأسف بيان وزارة الثقافة المصرية في هذا الصدد لم يتضمن طلب الدعم المادي من "يونيسكو" لإحياء فن الأراجوز. في الملف الذي أعددتُه بنفسي حددتُ الموازنة التي نستطيع العمل من خلالها على إنقاذ هذا الفن من الاندثار. لكن كان ينبغي على وزارة الثقافة المصرية أن تعضد ذلك، إلا أنها لم تفعل عمداً أو تقصيراً.

*هل يمكن القول إن في مصر مسرحاً للنخبة وآخر للشعب؟

- لا، المسرح شيء واحد، فالخطأ التراجيدي الذي وقعنا فيه أننا لم نأخذ ما لدينا ونطوره، وإنما استزرعنا المسرح الغربي في بيئتنا. لم نبدأ مما لدينا ولكن نقلنا من الغرب.

عندما بدأت العمل في إحياء فنون الأراجوز وخيال الظل، استهجن الناس ذلك وأخبروني أني أستاذ جامعي ولا يصح أن أعمل في هذا المجال، وبعد ذلك كان الأراجوز صاحب الفضل الأول في أن يكون لي مشروع يحظى بتقدير دولي.

لدينا ما يعبرّ عنا

*كيف بدأت فكرة الاهتمام بالأراجوز لديك؟

- بدأت عندي بوازع شخصي، فمن بين أزماتنا أن الكثير منا يتحرك بما يُعطى مِن مِنح، وليس مِن أجل مشروع شخصي يؤمن به. لسنا في حاجة إلى مِنحة كي نصنع فناً. الدافع الشخصي بالنسبة إلي هو أن لدينا ما يستطيع أن يعبر عنا، وكنتُ أود أن أقول إن لدينا فنَنا ومسرحنا وعالمنا. قدمتُ عروض الأراجوز في أكثر من 30 دولة خصوصاً في الغرب الذي يريد أن يرى ما لدينا لا ما استوردناه منه. هل يعقل أن لا يكون هناك كتاب عن الأراجوز قبل أن أكتب أنا عنه؟

*هل واجهتك صعوبات عند بداية عملك على إحياء فن الأراجوز؟

- نعم، عندما بدأتُ اهتمامي الميداني بالأراجوز، كان فناً مهملاً، ينظر إليه من جانب الأكاديميين باستعلاء. أنا انتزعتُ شرعية الاهتمام به محلياً ثم دولياً. تبنته وزارة الثقافة المصرية في عهد الوزير السابق فاروق حسني، وكرَّم فنانيه حاكم الشارقة الشيخ سلطان القاسمي، ثم اعتبرته الـ "يونيسكو" فناً جديراً بالعمل على منع اندثاره. أنا مدين للأراجوز أكثر مما هو مدين لي. عبره بنيتُ سيرتي المهنية، وحظيتُ بتكريمات عدة، وسافرت إلى الكثير من دول العالم، وجرى اختياري للعمل مستشاراً ثقافياً في سفارة مصر في الكويت. الأراجوز فن نابع من تراثنا، ومن ثم هو جدير بالعالمية.

*هل يمكن القول إنك أنقذتَ هذا الفن قبل أن يطويه النسيان؟

- نعم، فقبل أن أوثق الأراجوز لم يكن هناك مقطع واحد عنه على الإنترنت، وأهم ما فعلتُه هو أنني قدمت كنوزه للعالم مرة أخرى، بعدما كان قد مات. هكذا، فتحت الطريق لتكريم أصحاب هذا الفن الحقيقيين، وعلى رأسهم صابر المصري الذي كرمته الهيئة الهيئة العربية للمسرح.

*جمعتَ أعمال كثير من رواد المسرح المصري، ماذا عن مشاريعك القادمة؟

- أعمل الآن على نشر الأعمال الكاملة لبيرم التونسي، والتي جمعتها على مدى أكثر من 20 سنة من البحث في الدوريات. جمعت أكثر من 10 آلاف ورقة من أعماله؛ بعضها من مصر وبعضها مما نشره في تونس. هذه الأعمال متنوعة بين شعر ومقامات ومسرحيات لم تنشر من قبل. لديَّ كذلك مجموعة أعمال جاهزة للنشر عن شعراء العامية المصريين الرواد من أمثال سعيد عبدو وحسين شفيق المصري. وأعكف الآن على كتاب خاص بخيال الظل على غرار كتابي عن الأراجوز والذي كان الأول من نوعه باللغة العربية.

*ما الذي دفعك إلى دراسة بديع خيري في الماجستير ثم أبو السعود الإبياري في الدكتوراه؟

- كنت مشغولاً في هذه الفترة بالإجابة عن سؤال كيف يشكل المصريون استجاباتهم، وما آليات تفكيرهم في الحوادث التي يتعرضون لها؟ فكان من الضروري الذهاب إلى أكثر وسائل التلقي انتشاراً، وبالتأكيد هي ليست أدب النخبة، بل هي أدب الظل الذي لا تعيره النخبة انتباهاً، مثل الكتابات المسرحية لبديع خيري وأبو السعود الإبياري التي تحول معظمها إلى أفلام. اكتشفتُ أثناء الدراسة أن وسائل التلقي تلك قدمت لهم إجابات على واقعهم؛ سلمية وليست ثورية.