الشروط الاجتماعية للنهضة الحضارية

تراث
إبراهيم البيومي غانم |

لا يستوي التقدم بمفهومه الحديث مع النهضة بمفهومها الذي عرفته الحضارة الإسلامية في تجربتها التاريخية الطويلة. فالنهضة في تلك التجربة هي: حالة عامة تشمل الحياة الاجتماعية كما تشمل كل النواحي الأخرى المعنوية والمادية سواءً بسواء؛ أما التقدم فمركزه وأساسه هو تحسين شروط الحياة المادية بغض النظر عن الاعتبارات الاجتماعية والأخلاقية والروحية. التقدم عملية حسابية يمكن قياسها بمتوسط دخل الفرد والناتج القومي الإجمالي، أما النهضة فهي حالة روحية وأخلاقية وعقلية وسلوكية ينتج عنها ارتقاء في مجمل العلاقات الاجتماعية وتوافر شروط الحياة الطيبة، مثلما ينتج عنها ارتقاء مستوى المعيشة المادية ونوعية الحياة.


وعليه فإن من اليسير تفسير محدودية نتائج تجارب التنمية التي اعتمدت المقاييس المادية وحدها؛ لأن هناك شروط اجتماعية ربما تكون أكثر أهمية وأسبق في الأولوية من تلك الحسابات المادية. ولهذا فإن تجارب الأمم على مر التاريخ تكشف عن أن عوامل الانهيار الداخلي غالباً ما بدأت من المجال الاجتماعي والسلوكي لا من الميدان الاقتصادي أو المادي. وتلك الحقيقة تجسدت مرتين في حياة الأمة الإسلامية: كانت الأولى في القرن السادس الهجري، عندما تم تمزيق كيان الأمة، وقضي على الدولة الإسلامية المركزية بأيدي التتار، وكانت الثانية في القرن الرابع عشر الهجري عندما سقطت البلدان الإسلامية واحدة تلو الأخرى تحت هيمنة الاستعمار الأوروبي، وفي المرتين كانت عوامل التحلل والانحطاط الاجتماعي قد تسللت إلى كيان الأمة وتركت وراءها- في كلتا المرتين- أمماً مبعثرة ودويلات صغيرة، تتحارب وتتباعد أكثر مما تتعاون وتتقارب.

أول الشروط الاجتماعية للنهضة هو: أن يتقاسم المجتمع منظومة موحدة من القيم والأخلاقيات والمثل العليا، وأن يجري تنشئة الأجيال المتعاقبة وتدريبها على العيش في ظلال تلك القيم. ومن أهمها "المشاركة" والاهتمام بالشأن العام، وتقديمه عند التعارض على المصلحة الخاصة، وهذا هو المبدأ الذي تجلى في الحضارة الإسلامية تحت عنوان "الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، وما تولد عنه من التواصي بالحق والصبر والتناصح وحرية إبداء الرأي وصون العرف العام، حتى لا تضطرب موازين الحسن والقبح في الأمة، وهذا هو ما يضمن استقرار البناء الاجتماعي ويهيؤه للازدهار في أن واحد.

وفي تحليل عوامل الضعف في بنية المجتمع وأسس تكوينه؛ يمكننا الانطلاق من قول الله تعالى: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا} (الإسراء الآية 16). وابن خلدون يرى أن ظواهر الانغماس في "الترف" و"طغيان النساء" و"فسق الشباب" تلك الظواهر التي هي نتيجة لانتهاك قانون الاستواء الاجتماعي وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والابتعاد عن المبادئ والقيم التي حض عليها الإسلام، وحذّر من التهاون فيها.

وثمة علاقة بين شيوع عناصر التحلّل الاجتماعي وتداعيات نتائجها، وبين أن يصبح هذا المجتمع عرضة للوقوع تحت هيمنة قوى أجنبية متسلطة في شكل "الاستعمار"، وهذه العلاقة هي التي عناها مالك بن نبي بما سمّاه "القابلية للاستعمار"، بحيث يصير الاستعمار في تلك الحالة "ضرورة تاريخية" وليس مجرد نزوة من أجل السيطرة والتحكم في الآخرين.

ولكن من المسؤول عن بدء سريان عوامل التحلل والضعف الاجتماعي في كيان الأمة؟ يرى البعض أن "طغيان النساء" هو الشرارة الأولى التي تفسد الحياة الاجتماعية للأمة، ويحدد ما يعنيه بطغيانهن فيقول: "إذا جاوزت المرأة الحدود التي حددها لها الدين، وخرجت على قانون الطبيعة وخالفت وظيفتها في الحياة، وتناهت في التزين والتبرج (...) ودانت بالإباحية والتهتك، كان ذلك أول مؤذن بدبيب الفساد إلى صميم الأمة القوية".

والأقرب للدقة- من وجهة نظرنا- هو اعتبار ما سبق عن طغيان النساء وتجاوزهن وظيفتهن في الحياة مظهراً من مظاهر الانحطاط والتدهور في حياة الأمة أكثر من كونه سبباً من أسبابه، أو علة من علله، فضلاً عن أن يكون أول بداية للفساد في "صميم الأمة القوية"، وذلك لسببين على الأقل: الأول هو أن هذا لا ينطبق على ما حدث للأمة الإسلامية في الماضي وهي قوية، إذ الأرجح أن يكون الإخلال بقانون الاتزان الاجتماعي وعدم احترام مبادئه هو أول معول في هدم البناء الاجتماعي والأفول الحضاري. كما أن الأرجح هو أن تكون جرثومة الفساد السياسي واستبداد الحكام هي أصل كل فساد جرى بعد ذلك في المجتمع ، والثاني هو أن ذلك لا ينطبق أيضاً على واقع الأمة في العصور الحديثة، حيث كانت قد وصلت بالفعل إلى أدنى دركات الضعف والاستكانة، كما أن أوضاع المرأة كانت في غاية السوء هي الأخرى بإبعادها عن التعليم وعن العمل وعن المشاركة في الحياة العامة، وكانت حالتها أكثر سوءاً من حالة الرجل في ذلك؛ الأمر الذي دعا أنصار التغرُّب والاقتداء بأوروبا إلى المناداة بتحرير المرأة ومنحها حقوقها ومساواتها بالرجل دون إدراك أن المشكلة ليست مشكلة خاصة بالمرأة وحدها، وإنما هي مشكلة المرأة والرجل والأسرة التي هي أساس المجتمع وعماد نهضته.

والحق أنه لا يمكن فهم التركيز الجزئي على حقوق المرأة ودورها في النهضة، بعيداً عن سياق الجدل الفكري وخصائص المرحلة التي هيمن فيها الاستعمار الأوروبي على العالم الإسلامي خلال القرنين الماضيين؛ إذ كان الصراع دائراً على أشده خلال العشرينات والثلاثينيات من القرن العشرين حول ما كان يسمى "القديم" و"الجديد"، وإلحاح أنصار الجديد في الدعوة لخروج المرأة ومشاركتها للرجل في العمل مشاركة الند للند في كل الأعمال بلا تمييز، ونبذ الحجاب، والاقتداء بالمرأة الغربية في كل شيء كجزء من التوجه العام لدعاة "التغرب" أو الفرنجة. وكان لا بد في ظل هذا المناخ أن يلقي أنصار القديم باللائمة على دعاة تحرير المرأة الذين غالوا في المناداة بانسلاخها من منظومة القيم والأخلاقيات والمثاليات الاجتماعية الأصيلة، الأمر الذي جعلها عرضة لفقدان الهوية وسهولة الذوبان في نمط حياة المرأة الغربية.

ومن الشروط الاجتماعية للنهضة الحضارية أيضاً، أن تكون الجماعات الحاكمة قدوة لبقية فئات المجتمع في الامتثال لمنظومة القيم والقوانين التي تتقاسمها مع السواد الأعظم من أبناء الأمة؛ وإلا فإن انحرافات القائمين على السلطة في ممارساتهم المختلفة عن النسق القياسي لتلك القيم والقوانين، يعني فقدان واحد من أهم شروط النهضة، وهو وحدة الالتزام والمساواة أمام القوانين التي يتقاسمها الحاكم والمحكوم في النظرية وفي الممارسة. وإن فقدان هذه الوحدة يعني الدخول مباشرة في مسارات التدهور والانحطاط مع كثرة الخلافات السياسية، وعودة النزعة العصبية والشعوبية، والانغماس في ألوان الترف والتبذير، حتى أُثِر ذلك عن كثيرين من علية القوم أنهم ظلوا سادرين في رذائل البذخ والفساد والفسق، ومفصولين عن عموم الأمة، مع أنهم يقرأون قول الله تبارك وتعالى: {وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراً}. وثمة خطورة اجتماعية داهمة "لترف الحكام" وغرورهم بسلطانهم والانخداع بقوتهم؛ إذ غالباً ما يصحب الترف والإهمال والطغيان وغياب الشورى إهمال النظر في التطور الاجتماعي وإهمال مصالح الأمة بشكل عام، وينطبق هذا على القرون الأخيرة في تاريخ الدولة الإسلامية، وهي القرون نفسها التي كانت أوروبا تشهد فيها حركات النهضة والثورات الصناعية والاجتماعية والعلمية، ومن ثم يمكن القول أن إدانة سياسة العزلة التي فرضتها الدولة العثمانية على العالم الإسلامي في العهود الأخيرة لتلك الدولة، لا تقل أهمية عن إدانة الإعجاب بنمط حياة الغرب، والاندفاع في تقليدهم فيما يضر ولا ينفع، مع النهي الشديد عن التشبه بهم، والأمر الصريح بمخالفتهم والمحافظة على مقومات الأمة الإسلامية، والتحذير من مغبة هذا التقليد، قال تعالى: {يا أيها الذين آمنوا أن تطيعوا فريقاً من الذين أوتوا الكتاب يردوكم بعد إيمانكم كافرين} (سورة آل عمران: الآية 100).

ويرى بعض فلاسفة الحضارات أن النهضة مشروطة بنقاء العرق ووحدة الانتماء إلى جنس من الأجناس، ويعتبر بعض رواد الإصلاحية الإسلامية الحديثة، مثل الإمام محمد عبده؛ أن وصول عناصر غير عربية- من الفرس وغيرهم- إلى السلطة في أزمنة الدولة السلطانية القديمة، كان عاملاً من العوامل التي أسهمت في الانحطاط والتفكك الاجتماعي، والسبب- في رأيهم- أن أمثال هؤلاء من الفرس والديلم والمماليك والأتراك وغيرهم هم "ممن لم يتذوقوا طعم الإسلام الصحيح، ولم تشرق قلوبهم بأنوار القرآن لصعوبة إدراكهم لمعانيه، مع أنهم يقرأون- أي الخلفاء الذين استخدموا تلك العناصر في الحكم- قول الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا بطانة من دونكم لا يألونكم خبالاً ودّوا ما عنتّم قد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدورهم أكبر، قد بيّنا لكم الآيات أن كنتم تعقلون}. ويؤكد الإمام محمد عبده على هذا المعنى، يصور استبداد تلك العناصر بالسلطة دون الخلفاء فيقول: "هنالك استعجم الإسلام وصارت الدولة في قبضتهم، ولم يكن لهم ذلك العقل الذي راضه الإسلام والقلب الذي هذّبه الدين، بل جاؤوا إلى الإسلام بخشونة الجهل، يحمل ألوية الظلم، لبسوا الإسلام على أبدانهم، ولم ينفذ منه شيء إلى وجدانهم، وكثير منهم كان يجعل إلهه معه يعبده في خلوته، ويصلي مع الجماعات لتمكين سلطته، ثم عدّى على الإسلام آخرون، كالتتار وغيرهم، ومنهم من تولى أمره "كتاب: الإسلام والنصرانية مع العلم والمدنية، ص134، و135).

إن ما ذهب إليه الإمام محمد عبده لا ينطوي بالضرورة على أي اتجاه للغض من شأن المسلمين غير العرب- كما قد يتبادر إلى الذهن- فقط هو يقرر حقيقة تاريخية أظهرت أن تلك العناصر أسهمت في الإفساد للأسباب الاجتماعية السابق ذكرها، وليس من الممكن إنكار الجهود التي بذلها بعض المماليك والأتراك- على سبيل المثال- في مجال الدفاع عن ديار الإسلام وتحريرها من التتار والصليبيين، من أمثال صلاح الدين الأيوبي، والظاهر بيبرس، وسيف الدين قطز....الخ. بل أن هناك من يرى خلاف ما ذهب إليه الإمام محمد عبده وهو: أن من الشروط الاجتماعية الأولية للنهضة "اختلاف وتنوع الأعراق والأجناس" تحت مظلة واحدة من القيم والمبادئ المشتركة. وهذه وجهة نظر لها اعتبارها وجديرة بالتقدير في ضوء التجربة التاريخية لتنوع الأعراق والأجناس التي شاركت في صنع أمجاد الحضارة الإسلامية.