مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي في فكر مالك بن نبي

(الحياة)
عمر مسقاوي * |

يطرح بن نبي المشكلة بالإنسان حين يفكر معتزلاً في فراغ كوني، فالطريقة التي ينهجها في التأمل تحدد إطار ثقافته، فهناك طريقتان لملء الفراغ، إما أن ينظر المرء حول قدميه أي نحو الأرض، وإما أن يرفع بصره نحو السماء. فالطريقة الأولى تملأ وحدته بالأشياء لامتلاكها. الطريقة الثانية تملأ وحدته بالأفكار، ليبحث عن الحقيقة بنظرة المتسائل. وهكذا ينشأ عبر الطريقتين نموذجان من الثقافة: الأول: ثقافة سيطرة ذات جذور تقنية. والثاني: ثقافة حضارة ذات جذور أخلاقية وغيبية.


هذا المدخل لطرح مشكلة الأفكار، يؤسس عمق المسار التاريخي لاتجاه الحضارة الغربية التي جاءت نقيض الحضارة الإسلامية. فالظاهرة الدينية تبدو حين يوجّه الإنسان نظره نحو السماء. هنا، يظهر الرسول الذي يملك أفكاراً يريد تبليغها للناس، لكن أوروبا، حيث وَجَّه الإنسان قدميه بقوة نحو الأرض، نمت خارج الظاهرة الدينية. إذ أن طبيعة الأوروبي الممتلئة بالإنسانية المادية لا تدع مجالاً للألوهية.

ركبت أوروبا في مضمون ثقافتها مزيجاً من الأشياء والأشكال والتقنية الجمالية كما لاحظ تولستوي في تأملاته العميقة نحو القوة. ويضيف بن نبي بأن هذا التأصيل لا يتوافق مع مرحلة معينة من التاريخ، فحسب بل سائر مراحله التي فيها يتداول كرقاص الساعة في دقاته المزدوجة صعود الحضارة العالمية إلى القمة وهبوطها إلى الحضيض. وبين صعود الحضارة العالمية وهبوطها، تُسَّجَّل فترات إخضاب متبادل وتبدو هذه الظاهرة بجلاء عندما يعبّر الفكر عن نفسه بحرية كاملة وتلقائية دون مواربة، ويضرب بن نبي كنموذج قصتين أحداهما من ثقافة أوروبا "روبنسون كروزو" التي تحكي عزلته في جزيرة نائية، فينصرف إلى تأمل ما حول قدميه من وسائل وتقنية، وحي بن يقظان من ثقافة الحضارة الإسلامية إذ تطلع إلى السماء يبحث عن الحقيقة.

فحي بن يقظان يجعلنا فيه ابن طفيل نتتبع صعود ذهنية لتكتشف شيئاً فشيئاً الروح وخلود الروح وفكرة الخالق لكن روبنسون كروزو امتلأ يومه بصنع "طاولة" حين وجد نفسه منخرطا في اطراد الإنتاج الصناعي. أن الزمن المتواصل لا يدع للإنسان المنعزل أن يواجه نفسه بينما الزمن غير المتواصل في بلاء العالم الإسلامي سمة المرحلة المتخلفة من مسيرة الحضارة الإسلامية بينما في مرحلة الازدهار، أعطت الحضارة الإسلامية للزمن بما يتفق مع حيوية إنتاجها. هنا المدخل الذي طرحه بنى عليه فصول تحديده لمشكلة الأفكار منذ ولادة الطفل حين تحيط به بيئة نموه. فالطفل في هذه المرحلة، يخضع في ضمان بقائه لتطورات نفسية بدنية في إشكال النشاط البشري انطلاقا من عنصرين أساسين الإنسان والإله: لكن العمل لا يتم فعلياً إلاَّ في ظروف تتوافق بالضرورة مع سؤال: كيف؟ لماذا؟ بمعنى أننا لا نعمل إلاَّ طبق خطة حتى لا يكون العمل مستحيلاً ولا عابثاً حين يفقد سببه.

لا بد من عنصر فكري يمثّل المسوغات والأنماط التنفيذية التي تلخّص كل تقدم تقني لمجتمع ما بما يميزه عن غيره من المجتمعات. فالفكرة السابقة على العمل هي عامل تمييز في المستوى البشري من هنا نستطيع أن نحدد عناصر العمل في نهاية التحليل في فئات ثلاث: فئة الأشياء، فئة الأشخاص، وفئة الأفكار. وبالتالي، فإن جميع الخصائص الاجتماعية والاقتصادية والسياسية لعمل ما تنطبع بالضرورة في مجموعتها الخاصة من تلك الفئات الثلاث على الشبكة العامة لكل عمل. والمنفتح يكتشف عالم الأشخاص بسرعة أكثر من النموذج المنغلق وهذا الأخير يكتشف ربما بسرعة أكبر عالم الأفكار، ولكن من دون أن يختصر المراحل. وهكذا، فإن اندماج الطفل في المجتمع هو اندماج بيولوجي ومنطقي في أن واحد إنه يشتمل على أعمار ثلاثة:

1- العمر الذي يكتشف فيه تلقائياً عالم الأشياء.

2- العمر الذي يكتشف فيه تدريجياً عالم الأشخاص.

3- العمر الذي يكتشف فيه أخيراً عالم الأفكار.

هذا الاندماج يأخذ مداه باطراد في سائر مراحل الحياة، النضج، الشيخوخة، وما بعد الشيخوخة وهذه العوالم الثلاثة تتعايش طيلة حياة الإنسان جنباً إلى جنب مع تفوق إحداهما تبعاً للفرد والنموذج الذي يندمج فيه، فالفرد يدفع جزية عن اندماجه الاجتماعي إلى الطبيعة والى المجتمع وكلما كان المجتمع مختلفاً في نموه ارتفعت قيمة الجزية.

هذه المرتكزات الأساسية لنشوء الأفكار لدى الفرد في بيئته الاجتماعية هي التي تحدد العلاقة بين الفرد والمجتمع.

ومن هنا ينطلق بن نبي في تأسيس مشكلة الأفكار في المجتمع ومدى انعكاسها على المرحلة التاريخية للمجتمع التي تتجلى في المراحل الثلاث للدورة الحضارية كما شرحها في كتابه شروط النهضة وهي التالية:

أ - مرحلة ما قبل التحضر

ب- مرحلة التحضر

ج- مرحلة ما بعد التحضّر

والحقيقة أن كل مجتمع له عالمه الثقافي المُعقَّد. ففي نشاطه المتناغم، هنالك تشابك بين العوالم الثلاثة: الأشياء، الأشخاص، الأفكار، إذ ينطوي على مسوّغات وأنماط تنفيذية ودوافع في المستوى الأخلاقي في إطار يظل هنالك رجحان لأحد هذه العوامل الثلاثة يظهر في سلوك المجتمع ويتميز كل مجتمع عن سواه من المجتمعات:

1- المجتمع النامي لا تنقصه الوسائل المادية وإنما يفتقر للأفكار وهذا يتجلى في طريقة استخدامه للوسائل المتوفرة لديه بقدر مُتفاوِتْ من الفاعلية وفي عجزه عن ايجاد غيرها وعلى الأخص في أسلوبه في طرح مشاكله أو عدم طرحها على الإطلاق. فهناك فاقة حقيقية تظهر في المجال السياسي والاقتصادي على شكل موانع كابحة تتوافق مع الخصائص النفسية والاجتماعية التي يتميز بها المجتمع الإسلامي في الوقت الحاضر.

هنا، يقدم بن نبي تفسيراً اجتماعياً ونفسياً بالرجوع إلى الأزمنة الثلاثة: قبل التحضر، المتحضر، ما بعد التحضر. ويتوقف بن نبي عند مجتمع ما بعد التحضر. أما المجتمع المتحضر، فيدلي بنفسه في مسيرة العصر ويرى أن المؤرخين يميزون جيداً بين المجتمع قبل التحضر والمجتمع المتحضر، أما المجتمع ما بعد التحضر فيرون أنه يواصل سيره بكل بساطة على طريق حضارته.

يتميز مجتمع ما قبل التحضر بخصائص تختلف عن مجتمع ما بعد التحضر وإذا تتبعنا مراحل تكون مسيرة المجتمع بالتقويم الهجري في دلالاتها النفسية الاجتماعية نقف عند المراحل التالية:

وتمثل البيئة الجاهلية أصدق تمثيل عالم الشيء وهو عالم يكون شديد الفقر وتكون الأشياء فيه بدائية، وقد انحصر في حجم القبيلة. أما أفكاره، فانحصرت في تلك القصائد الشهيرة بالمعلقات، فجأة أضاءت في هذه البيئة الفكرة الإسلامية بخطاب إلهي ("اقرأ").

وهكذا، بدأت عملية اندماج المجتمع الإسلامي في التاريخ حين تأسيس عالم الأشخاص من على نموذج أصلي ممثلا بالأنصار والمهاجرين المتآخين في المدينة. وبهذا، يتواصل الاطراد في المجتمع كما في الفرد حتى نقطة الارتداد والانكفاء. وهنا تجمد الفكرة وتصبح المسيرة نحو الوراء. وهنا لا يعود عالم الأشخاص في المجتمع على هيئة النموذج الأصلي الأول بل يصبح عالم المتصوفين ثم المخادعين و "الزعيم".

في هذه الحالة، عالم الأشياء لا يعود بسيطاً مستجيباً لضروراته كما كان في الجاهلية، بل يرث تكاثراً في الوسائل والأشياء يستعيد سلطتها على العقول والوعي وغالباً ما تكون تافهة تبهظ الجيوب. هكذا، فإن السيرورة منغلقة والمجتمع الإسلامي العائد أدراجه يجد نفسه ومنذ قرون في عصر ما بعد الحضارة.

2- هنا، يتدرج بن نبي من تحليله للعلاقة بين المجتمع والأفكار إلى العلاقة بين الحضارة والأفكار، ليبدأ في تحليل مفهوم الحضارة بأنها نتاج فكرة جوهرية تطبع على مجتمع في مرحلة ما قبل التحضر دفعة تدخل به التاريخ. ثم أن هذا المجتمع يبني نظامه الفكري طبقاً لنموذج حضارته الأصلي فيتجذر في محيط ثقافي يحدد سائر خصائصه التي تميزه عن الثقافات والحضارات الأخرى. ذلك أن الحضارة هي حمولة العوامل المعنوية والمادية التي تتيح لمجتمع ما أن يوفر لكل عضو فيه جميع الضمانات الاجتماعية اللازمة لتطوره. فالفرد يحقق ذاته بفضل إرادة وقدرة تنبعان من المجتمع الذي هو جزء منه. إذ أن إرادة المجتمع وقدرته تضيفان صفة الموضوعية على وظيفة الحضارة وهي جملة العوامل المعنوية والمادية اللازمة لتنمية الفرد وهي ذاتها تتموضع في شكل سياسة في صورة تشريع يمثلان إسقاطاً مباشراً على عالم الأفكار على الصعيد الاجتماعي والأخلاقي. وهي في الوقت ذاته تتغير بحسب الأطوار التي مرت بها الحضارة كما فسرها في الرسم البياني الذي شرحه أساساً في شروط النهضة. إذ تنشأ إرادة المجتمع التي تموضع العوامل المعنوية عند نقطة الصفر. وبذلك تكون في أعلى درجاتها في المرحلة الروحية الأولى، إذ أن المجتمع الوليد يواجه مشاكله بضغط حاجاته من جهة وباستخدام وسائله المتواضعة من جهة أخرى لتغطية أوسع قطاع ممكن فيها (ضرب أمثلة من السيرة النبوية في مكة المكرمة) باعتبارها توتراً للاندفاع نحو الفكرة فهذا التوتر يحدد خصائص مجتمع منطلق في حضارته ويتميز عن مجتمع آخر لا يزال في مرحلة ما قبل التحضر أو بما بعد التحضر أو حتى في المجتمع الذي لا يزال في مستوى حضاري يجتاز مرحلة "أ. ب" كما أوضحه في الرسم البياني الذي وصفه شرحاً لفكرته بغية الربط بين الطاقة الحيوية والأفكار.

ومن الوجهة المبدئية يتوجب على الفرد تلبية حاجاته الحيوية مهما كان نوع الحياة التي يحياها سواء أكان منفرداً أو ساكناً في مدينة كبرى. ومن هنا، فإن إطراد اندماج الفرد يتدرج مستجيباً لطبيعته من ناحية ومن ناحية أخرى مستجيباً لنسق من أصول وقواعد في الحياة من هنا يأخذ الاطراد معنى يحدد تكيفاً للطاقة الحيوية للفرد.

ومن هنا يحق لنا أن نتساءل ما الطاقة الحيوية لاحتوائها ضمن هذه الحدود؟ الجواب هو أن السلطة التي تضمن التكيف الذي يجب على الطاقة الحيوية أن تتحمله هي التي تضطلع بمهمات الاجتياز نحو الحضارة وتستجيب لضروراته، والسلطة التي تضمن هذا التكيف مرتبطة ارتباطا جوهرياً بالعوامل التي لها دور رئيسي في تحول مجتمع إنساني بدائي إلى مجتمع متحضر والمجتمع الجاهلي يقدم لنا صورة لمثل هذا التطور، لكن القدرة على التكيف تتغير من مرحلة إلى أخرى، فهي تصل إلى الذروة في المرحلة الأولى وهي تتناقص تدريجياً بمقدار ما تعطي الفكرة الأصلية مكاناً لأفكار مكتسبة ثم هي تتفاءل بمقدار ما تخلي هذه الأفكار مكانها للأشياء.

أما في المرحلة الثالثة، فإن الغرائز تتحرر وعندها تتوقف قدرة التكييف الأساسية وتختزل العالم الثقافي إلى مجرد عالم اشياء.

هنا، تقوم الطاقة الحيوية بعد أن تكون قد تحررت تماما بتفتيت المجتمع وذلك بإلغاء شبكة روابطه الاجتماعية حينما تنحل روابطها وعملها المنسق المنظم وتتحول إلى جمهرة من النشاطات المتناقضة الفردية أو التي تقوم بها زمر صغيرة وهذه هي الظاهرة التي يراها الماركسيون صراع الطبقات لكنها نهاية الحضارة حين لا يستطيع المجتمع أن يتابع مسيرته وهو مزود بعقول خاوية أو محشوة بأفكار ميتة وضمائر طائرة وشبكة من التناقضات لا تجمعها وحدة. ذلك هو عهد ما بعد الموحدين ذلك كله يقودنا إلى عالم الأفكار.

حتى نحدد عالم الأفكار في المجتمع، لا بد أن نحدد مرحلته التاريخية ففي المرحلة السابقة على التحضر يواجه المجتمع نشاطاته بحوافز وطرق عملية يحتوي أفكاراً تحتضن نشاطه في ومخزونه الأخلاقي وأفكاراً عملية هي وسائله التقنية. لكنه حينما ينتقل إلى المرحلة التالية ليستقل سيرورة حضارة ما فإن تحوله هذا يستجيب لثورة ثقافية تعدل بقليل أو كثير وسائله التقنية. فعلى عتبة حضارة ما ليس عالم الأشياء يتبدل، بل عالم الأشخاص وحتى الوسائل التقنية لا تتحول حول الأشياء، بل حول الانسانية باعتبارها تقنية اجتماعية تحدد العلاقات الجديدة داخل المجتمع على اساس ميثاق جديد منزل بالقرآن الكريم أو كدستور Jassa جنكيز خان أو الثورة الفرنسية وهنا توضع حدود الطاقة الاجتماعية داخل شبكة العلاقات الجديدة.

وهنا تعتمد الأفكار الأولى في درجة التحول ومدته على المصدر المقدس أو الزمني للعالم الثقافي الذي ولد في المجتمع الجديد وفي كل حال فإنه في الأصل لا يوجد عالم زمني محض لأن هذا العالم لا يستطيع أن يقدم حوافز تستطيع مساندة مجتمع ناشئ لا يزال في خطواته الأولى من دون بواعث غيبية. لكن عالما مبنياً في الأصل على القيم المقدسة، يميل دائما إلى نزع صفة القداسة عن مبادئه كلما أوغل المجتمع في المرحلة الثانية من دورة الحضارة أي حين امتلاك ناصية التقنية والتوسع مسارها التاريخي. وهذه الظاهرة تُفَسر بإحدى طريقتين: فهي تقدم في نظر الاقتصاديين لكنها من منظور المؤرخين الفلاسفة فهي نقصان طاقة في منعطف الشيخوخة.

فهاتان المتعارضتان بين المرحلة الأولى والمرحلة الثانية تتلاقيان في حتمية قانون تحول الطاقة الذي يحكم التاريخ كما يحكم الفيزياء الذي يقرر بأنه لا بد من سقوط طاقة لإنتاج العمل، وهي لدى علماء الميكانيكا لحظة قوة. ذلك أن الفكرة الدافعة لها لحظتها أي قوة تملك اللحظة التي تكون كافية لتمكين يد الرافعة من تحريك مقاومة ما لإتمام عمل ما.

إن الأفكار في لحظة أرخميدس تعتمد على روابطها مع النماذج في مسرتها الثقافية. وهذه الأخيرة تمثل في العالم الثقافي القوالب التي تصب فيها الأفكار التي تعبر عن نفسها مباشرة في نشاطاتنا. لكن الزمن يعمل في ذاتيتنا وفي عقلانيتنا فتمحو القسمات البارزة لتلك القوالب كما ينمحي بالزمن في مطبعة أو مسبك وقد نصل إلى أن نستخرج الأشكال من تلك القوالب ولا نرى فيها غير صورة باهتة للنماذج. فالأفكار الموضوعة خانت الأفكار المطبوعة في القوالب الأساسية، وهذه الخيانة تتردد أصداؤها في سائر نشاطاتنا لأن الأفكار التي تتعرض للخيانة تنتقم لنفسها اذا ما انفجرت مكاكينة سيئة التصميم أو ينهار جسر لسوء البناء.

من هنا، لا بد من احترام علاقات الأفكار بالمقاييس الثابتة للنشاط وإلا بات ذلك النشاط عابثاً ومستحيلا.

وتقع تلك العلاقات في ثلاث مراتب:

1- المرتبة الأخلاقية الأيديولوجية السياسية في عالم الأشخاص.

2- المرتبة المنطقية الفلسفية العلمية في عالم الأفكار.

3- المرتبة التقنية الاقتصادية الاجتماعية في عالم الأشياء.

وحينما يفسد واحد من هذه المفاصل الثلاثة للفكرة بتأثير اي عامل من العوامل فينبغي أن نتوقع رؤية نتائج هذا الفساد وهذه النتائج تظهر شاذة وأحياناً مصطنعة، إذ أن عدم التماسك تبدو علاقاته حينما تنعدم الأفكار حينئذ يأتي الصوت ليعلو ليحل محل حجة فقدت.

في الأفكار المطبوعة والأفكار الموضوعة

يعالج بن نبي العلاقة بين الأفكار المطبوعة والأفكار الموضوعة فيقول: أن الأفكار المطبوعة هي أسطوانة النماذج المثالية لكن هذه الأسطوانة حينما تنشد نشيدها، فإن لها توافقاتها الخاصة بالأفراد والأجيال وهي الأفكار الموضوعة ويقول علم الطبيعة أن العلاقة بين التذبذب الأساسي وتوافقه الموسيقي تكمن في أن هذا الأخير يختفي فور توقف الأول عن التذبذب، والأمر نفسه في العلاقية بين الأفكار المطبوعة والأفكار الموضوعة. فعندما تبدأ الأفكار المطبوعة تنمحي عن أسطوانة حضارة يخرج منها في البداية نشاز النغم ثم الصمت أخيراً ويضرب أمثلة كثيرة من السنة النبوية في بداية الدعوة ـ نموذج الثلاثة الذي خُلفوا ــ في سورة التوبة الآية 118.

في هذا الجو المتوتر، كانت الأفكار المطبوعة تضع بصماتها المقدسة في جميع الأفكار الموضوعة. إذ لم يعد هناك شيء دنيوي، والقداسة أضحت في كل شيء واضفت مسحتها على العالم كله. لذا يمكن لنا أن نفهم في هذا العالم ثقل الذنب لكن حين تخبو تلك الحساسية الأخلاقية والجمالية فإن مقدار فنائها يدل على مقدار عدم تماسك عالم الأفكار.

من خلال بناء عالم الأفكار طبق نموذجه الثقافي، تبرز جدلية العالم الثقافي في إطار ثوابته الأشياء والأشخاص والأفكار. إذ تستند خصائص العمل الفرد أو الجماعي على هذه الثوابت في العلاقات الداخلية. فهناك لحظات يزيد فيها ثقل أحد الثوابت على الثوابت الأخرى في تركيب العمل وذلك عندما يكون النشاط مركزاً على الأشياء أو على الأشخاص أو على الأفكار بصورة اكثر خصوصية وهنا يكون ثمة إخلال بالتوازن يميز هذه اللحظة الخاصة من التطور التاريخي لمجتمع ما إنها مرحلة غير طبيعية في جدلية عالمه الثقافي، وهذا الإخلال بالتوازن يفسر بأفراط ما، والمجتمع الإسلامي يكون حقل دراسة يقدم ملاحظات قيمة لعالم الاجتماع باعتباره يشير في تخلفه بالقياس نحو اليابان التي هي توأم بوادر النهضة منذ الاتصال بأروبا في القرن التاسع، وذلك بسبب عدم تماسك أفكاره وطغيان الشيء على اصعدة مختلفة. فعلى الصعيد النفسي، عندما يتمحور عالم الثقافة حول الأشياء، تحتل الأشياء سلم القيم وتتحول خلسة الأحكام النوعية إلى أحكام كمية وعلى الصعيد الاجتماعي فإننا نتصدى للمشكلات في جانبها الكمي والحلول تصاغ بعبارات كمية بحث يُقَّومُ الكتاب بعدد صفحاته وليس موضوعه. أما على الصعيد السياسي، عندما يواجه بلد ما مشكلة التنمية فإنه يستثمر برؤوس أموال أجنبية. لذا، لا بد من الحديث عن جدلية الفكرة والشيء.

* نائب رئيس المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى ووزير لبناني سابق