نعم.. هو إنجاز كبير للسعودية والعرب والمسلمين

جاسر الحربش |

توجد ثلاث قواعد أساسية للرأي المكتوب والمسموع: امتداح أداء يعتبر من أولويات واجبات الحكومة والدولة ما هو إلا نفاق و تطبيل، وانتقاد ما لا يليق بوطن أو حكومة أو دولة بموضوعية هادئة ذلك هو الدور المطلوب من صاحب الرأي الحر، ويبقى الثناء على الإنجازات الضخمة بما يستحقه المسؤول عنها، لكن ما هو مكان ذلك في الحوارات الوطنية والخارجية؟

من هذا المنطلق أكتب مقالتي اليوم للثناء على الأداء السعودي دولة وحكومة وشعباً في إدارة وتأمين سلامة الحج لهذا العام بالذات. يهمني أن تصل هذه المقالة للإخوة القراء من غير السعوديين، والحكم على موضوعيته أو تحيزه متروك لهم، باعتبار أن أي إنجاز ضخم ومشرف في أي بلد عربي يصب في النهاية لصالح كل المنتمين لحضارة وتاريخ وجغرافيا هذا البلد صاحب الإنجاز.

يجتمع في كل عام خلال أيام معدودات ملايين من الحجاج (2.5 مليون هذا العام) في بقعة صغيرة محصورة بين الجبال، شديدة الحرارة شحيحة المياه في وادٍ غير ذي زرع، مكتظة طيلة العام بسكانها الأصليين والمقيمين فيها، لأداء الركن الخامس. الغالبية العظمى من هؤلاء القادمين أتوا من مجتمعات لا يتوافر لهم في بلدانهم الأصلية من التسهيلات المعيشية مثل الذي سيجدونه في الأماكن المقدسة، والكثيرون منهم يعانون من مضاعفات وأمراض الشيخوخة، يأتون آملين في ملاقاة ربهم في تلك الأماكن، وبين الحجاج من يحضر معه أطفاله أو أحد أو كلا والديه مقعداً على كرسي مدولب. أداة التواصل مع وبين هذه الملايين ليست موجودة كلغة موحدة، لا بالعربية ولا الإنكليزية، فتختلط كل لغات العالم ويستحيل التواصل، وذلك يجهد الدولة المنظمة للحج في إيجاد المترجمين والمترجمات ميدانياً بكثافة كافية للإرشاد المكاني والزمني والشعائري والخدماتي. نسبة عالية من هؤلاء الحجاج أميون لا يعرفون سوى نتف قليلة مما قد لقنوه في ديارهم عن تراتبية المناسك واستلام الحجر الأسود ورمي الجمرات وغير ذلك.


والوضع هكذا جغرافياً ومناخياً وديموغرافياً يصبح من المهم المقارنة بين قدرات الدول على تنظيم التجمعات الضخمة وإدارة سلامتها، بتأمين الأمن والتموين والمياه والكهرباء والمواصلات والعناية الصحية.

تأمين هذه المتطلبات لـ100 أو 200 ألف زائر مفاجئ، ولنقل في مباراة كرة قدم مثلاً يعتبر إنجازاً كبيراً للدولة المضيفة تفاخر به إعلامياً، بسبب ما يتكرر سنوياً في مثل هذه التجمعات في دول محسوبة على العالم الأول من أحداث فوضوية عارمة وضياع أمن وقتلى وجرحى في ساعات قليلة.

إذن، ما هو التقدير المناسب بالمقارنة عندما تدير السعودية مهمات تأمين الحج وسلامته بمواصفاته المذكورة في السياق أعلاه؟ إن من ينكر كونه إنجازاً ضخماً بكل المقاييس لا يكون إلا حاسداً أو جاحداً لا يعترف بفضل لأحد ولا يشكر الله. بعد كل موسم حج يتكرر من بعض الحكومات والمنظمات الموتورة ضد السعودية وكل العرب محاولات مستميتة غير منطقية للتشكيك في قدرة السعودية والسعوديين على تنظيم وضمان أمن الحج. حصل مراراً افتعال أحداث فوضوية بالإيعاز لبعثات حج دول بعينها للإخلال بالأمن والتدافع الفوضوي والخروج عن السياق الشعائري المتفق عليه إسلامياً، ولكن القدرات الوطنية في الدولة المسؤولة تتغلب دائماً على التخريب المتعمد، ولكن لتبدأ أسطوانة التشكيك تدور مرة أخرى بالموسم القادم.

المطالبات بتدويل الإشراف على الأماكن الإسلامية المقدسة ونزع السيادة الوطنية عنها تحولت إلى أجندات سياسية لبعض الحكومات والمنظمات (ومنها عربية للأسف) الموتورة، والأهداف واضحة للمنصفين. إنها ببساطة أهداف التقويض السياسي والمعنوي للمملكة وليس حب الديار المقدسة ولا الإشفاق على حجاج وزوار بيوت الله. ذلك هو ما يجعل البعض لا يستطيع الاعتراف بالإنجاز الكبير المجحود المحسود، ناهيك عن شكر القائمين عليه دولة وحكومة وشعباً، ولكن في النهاية لا يصح إلا الصحيح، لأن الأعمال بالنيات المسنودة بعزائم الرجال.

* استشاري باطنة وكاتب سعودي.