العقوق والمُقامرون على طاولة قطر

عبدالملك المالكي |

قد يستغرب من لم يخض تجارب هذه الحياة حتى غزا «الشيب» مفرق رأسه، أن يكون ذنب «العقوق» الذي ارتكبه حمد بن خليفة في دوحة قطر قبل 24 عاماً تجاه والده الشيخ خليفة بن حمد آل ثاني، الشيخ الثمانيني الوقور الذي فارق الحياة الدنيا يوم الـ23 من تشرين الأول (أكتوبر) 2016م وهو يكابد غيظه وحسرته وألمه من فعل ابنه العاق، ما زال يدفع ضريبته إلى هذه اللحظة! لذا، فلا غرابة إن قلنا أو ذكرنا مجرد تذكير يعرف حدوده الصغير من المسلمين قبل الكبير، بل وحتى من لا يدين بالكتب السماوية أجمع في العالم المتخلف قبل المتحضر، عقوبة «عقوق الوالدين» وما تورثه من تعاسة وشقاء لفاعل جرمها العظيم في الدنيا ومآله المخزي في الآخرة! فقد وعد الله بعذاب «العاقّين» بنار جهنم، وتوعدهم بسكرات موت شديدة نتيجة معاناة الوالدين، حيث قال الله عز وجل: «وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا* إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أو كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا*وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ وَقُل رَّبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيرًا». [الإسراء: 23-24]، وهذا دليل واضح على حرص الإسلام على بر الوالدين ورحمتهما، والتحذير من عقوبة العقوق والتي توعد الله -جل وعلا - بأن يرى العاق أثرها في الدنيا حتماً قبل مماته وله في الآخرة خزي وعذاب أليم.


ومن آثار عقوق الوالدين على حياة الابن العاق «الشقاء» والتخبط في الدنيا قبل الآخرة وقلة البركة في الرزق وكثرة الهم، كما أن «العاق» بوالديه سيعقه أبناؤه عند كبره؛ لأنه لم يكن نموذجاً إيجابياً أمام أطفاله، ومن لم يكن نموذجاً طيباً أمام أهل بيته فهو كذلك أمام مجتمعه وشعبه المكلوم في الرضوخ لحكمه القائم أساساً على «كبيرة» لا تُغتفر في الإسلام وكافة الأديان.

قد يقول قائل: «ما دخل عقوبة فرد بعقوبة شعب ومن خلفه أمة بأكملها؟!»، إجابة ذلكم القول كما أشرت في مقتبل هذه المقالة، تصح كتساؤل منطقي فقط عند من لم يرَ في الحياة من التجارب التي تُثبت أن غضب المولى يورث الهمّ والحزن وسوء المنقلب لمقترف عقوبة «العقوق»، وتجر على من ارتضاها من أتباعه الويلات إلى يوم القيامة.

24 عاماً والعاق حمد بن خليفة يتقلب في ذنب عظيم ورثّه لأهل بيته، ومن ثم لشعبه، والمنطقة.. فالشيطان الذي زيّن له سوء عمله قبل ربع قرن هو ذاته الذي دلّه بغرور على أن يحول نظام حكمه إلى نظام إرهابي فاشي، يسعى إلى تدمير جيرانه ويحيك المؤامرات ضدهم ويتحالف مع «الشيطان» ضد الأقربين من حوله أنظمة وشعوباً، فقد بدأ حكمه بالاستمرار في التآمر على أبيه الذي لم يكتفِ فيه آنذاك بأذى العقوق وذله، بل أتبعه بطلب إحضاره للدوحة بمذكرة «عقوق دولية»، فكان طلب إحضاره بـ «الانتربول» ثم اتبعها بسفك دماء وسجن كل من كان يتعاطف مع الأب المكلوم في ابنه من أهل قطر الشرفاء، ليمتد خبثه بأن يتآمر على كل من قدم «العون» لهذا الأب الذي أضحى حديث العالم في قبح فعل ابنه «العاق».

استمر حمد في تتبع خطى الشيطان على مدى عشرين عاماً ونيّف وهو يفتح علاقات لم يسبقه لها أحد في محيطه الخليجي أو العربي بدعوة شيمون بيريز عام 95 م إلى الدوحة، ويرغم بنات شعبه المغلوبات على أمرهن بمصافحة المحتل أمام شاشات التلفزة التي توجها عقوق يتجند قناة الموساد (الجزيرة) لتبدأ في شق اللُحمة العربية والإسلامية، فأقام العلاقات التجارية والسياسية مع الكيان الصهيوني، وجعل صوتها الإعلامي يدار من الدوحة جهاراً نهاراً عبر تردد الفضاء العربي المُسالم الذي «سممه» بفعله الشنيع لتبدأ المؤامرات في العلن والخفاء على حدٍ سواء.

فقد آذى جارته الصغرى «مملكة البحرين» عبر مؤامرات طائفية تخدم العنصر الفارسي الدخيل في المنطقة، ثم أخذ يزرع الفتن والقلاقل في إمارات الشهامة دولة الإمارات العربية المتحدة ليضرب العلاقات الإماراتية – العمانية، بغمد التحريض تارة ومحاولة إثارة وافتعال المشاكل الداخلية بدعم «الإخوان» في محيط الإمارات منذ القدم، «الإخوان» الذين استخدمهم كرأس حربة في تدمير بُنية جمهورية مصر الآمنة المطمئنة.

ولا يُنسى دور «العاق» المخزي الذي أخذ يروّج لعصيان أهل الكويت الكرماء وضرب وحدتهم بإحداث القلاقل، والتي تشهد عليها حتى اليوم تسجيلات شاشة قناة الموساد (الجزيرة) التي كانت تحرض ليل نهار عبر دعم «الإخوان» ضد الكويت وأميرها منذ العام ٢٠١١، العام الذي تلقى حمد فيه «الوعود» من الصهاينة قبل غيرهم بتغيير أنظمة الحكم في المنطقة العربية من المحيط إلى الخليج.

أما الشقيقة الكُبرى المملكة العربية السعودية، قبلة الإسلام والمسلمين ومهبط الوحي، فقد نالها نصيب «التآمر» حقداً وغيظاً ما الله به عليم، فقد سخر «الريال القطري» لهز أركان وحدة بلد التوحيد.. بلد التوحيد الذي غاظه أن قادتها قادة العالمين العربي والإسلامي أنموذج للشرف والعفو والعفة والبعد عن العقوق، فأخذ يدعم ما يُسمى بـ «المعارضة» ويسخر ماله لكل ما من شأنه النيل من قيادة وشعب السعودية الأبي، فجند أمواله الفاسدة لإحداث القلاقل والتفجيرات في المملكة التي لم يكن لها وجود في أرض الحرمين عملياً قبل عام ١٩٩٦، العام الذي أعقب تولي الابن العاق زمام الأمور في دوحة «غدر».

صبر قادة هذه البلاد الطيبة على عبث هذا العاق، وحاولوا جاهدين إصلاح ما يمكن إصلاحه من سياسة «جار السوء»، ولكن هيهات أن يرعوي العاق الذي دعم مادياً ولوجستياً ومنذ أوائل دخول الشبكة العنكبوتية للمنطقة عام 97-98 أصحاب الفكر المتطرف في السعودية، واستغل جهل الكثيرين بنشر فكر «الإخوان» عبر تجنيد مشايخ «الحقائب القطرية»، وامتد دعمه للحركات «المتأسلمة» حول العالم وصولاً لإلحاق الأذى بالسعودية عبر أبنائها الذين يشبهونه في العقوق، الذين أقدموا على جُرم أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001 بدعم مادي ولوجستي «كشفته الأيام» من القطري خالد شيخ محمد.

ولأن ليس كل ما يعرف في السياسة وأروقتها يقال، فقد واجهت المملكة كل تلك الأعمال القطرية الخبيثة بحكمة وبعد نظر لا يعرف حقيقته إلا القليلون من المعاصرين اليوم، حتى جاءت طامة التآمرات القطرية والتي أثبتتها التسجيلات الشهيرة عام 2014م بين العاق حمد وحمد بن جاسم وزير خارجيته المتصهين والقذافي، والتي كان هدفها آنذاك «رأس الهرم» في المملكة العربية السعودية الملك عبدالله بن عبدالعزيز عبر مؤامرة الاغتيال الشهيرة.

ولما استمرت خدع العاق حمد في نكث العهود والمواثيق التي أخذها عليه رجال الحكمة في المملكة، والتي غاب بأثرها عن «المشهد السياسي» ظاهرياً عبر ثلاثة أعوام شهدت استمرار ابنه على نهج أبيه في نقض المواثيق وجلب الويلات للمنطقة والخيانة في اليمن إبان التحالف العربي في حرب وكيل إيران في المنطقة عبدالملك الحوثي، وبعد التسريبات التي لم يخفها التلفزيون القطري ووكالة الأنباء القطرية الغادرة يوم الخامس من حزيران (يونيو) 2017 م، ولم تخفِ حجتها الواهية بكذبة «الاختراق»، كانت المقاطعة المباركة حاضرة لتضع حداً فاصلاً لصبر دام 24 عاماً من تآمر العاق حمد وزمرته في دوحة الغدر والخيانة.

منذ ذالكم اليوم و«المقامرون» على طاولة «الابن العاق» يسيل لعابهم على رياله، يزيدونه غرقاً هو وزمرته، المقامرون الذين وجدوا في وضع النظام الفاسد ينبوعاً يدر عليهم الأموال ويزيد أطماعهم بزيادة «الفجوة» التي جلبت المقامر التركي والإيراني، ومن ثم فتح الباب على مصراعيه لكل مقامر يجد تحقيق مآربه من المال القطري ويضع المنطقة على كف عفريت اسمه «حمد بن خليفة».

لكن أقولها وكلي ثقة أنه ومهما طال الزمن بهذا العاق وبكل المقامرين على طاولته، فإن الحق سينتصر لا محالة، وسيغرق ابن خليفة ويولي المقامرون الأدبار، بعد أن تشهد المنطقة عدالة المنتقم الجبار في كل من يحيط الشرور بقبلة الإسلام والمسلمين.. وهو وعد الحق - جَلّ في علاه - القائل في سورة فاطر: «اسْتِكْبَارًا فِي الْأَرْضِ وَمَكْرَ السَّيِّئِ* وَلَا يَحِيقُ الْمَكْرُ السَّيِّئُ إِلَّا بِأَهْلِهِ* فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ الْأَوَّلِينَ* فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا* وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَحْوِيلًا». صدق الله العظيم.