الفساد السياسي والاقتصاد... تركيا نموذجاً

عزمي عاشور |

"التنمية حرية" وفق ما يقول عالم الاقتصاد الهندي امارتيا صن في عنوان كتابه الذي حاول أن يبرهن فيه أنه حتى تتحقق التنمية في شكل عادل، يجب أن تنال الجميع بالشكل الذى يتعاطون فيه الحرية، بمعنى ألا تكون هناك عوائق في طريق الإنسان ليحقق المكتسبات التنموية التي تتوافق مع قدراته وإمكاناته. فليس من العدالة أن تكون الظروف عائقاً أمام تحقيق التنمية لفقراء حالت ظروف الفقر دون أن يحصلوا على تعليم جيد ورعاية صحية مناسبة.


ومن أجل الاقتراب من العدالة، يجب أن تهيأ لهؤلاء الظروف ليعيشوا في بيئة تخرج أفضل ما لديهم. إذا كان هذا من منظور العدالة والتنمية التي يريد فلاسفتها أن يقتربوا بها من الحرية في تعاطي الإنسان معها، فماذا لو كان الفساد السياسي عائقاً اقتصادياً؟ وهو كذلك في الكثير من البلدان التي تشهد فساداً سياسياً؟ فالتخلف الاقتصادي قرين هذه المجتمعات والأمثلة هنا كثيرة يلحظها المتتبع لمسار الدول المتخلفة المرتبطة بالاستبداد في الحكم. ولكن ثمة نماذج تظهر أن من الممكن أن تكون للفساد السياسي وجوه جديدة، فهو قد لا يكون فساد نخبة بقدر ما هو فساد آيديولوجيات وأفكار عقيمة تؤدي إلى الفقر والتراجع الاقتصادي. وتبرز هنا حال تركيا خلال السنوات الأربع الأخيرة تحت حكم الرئيس رجب طيب أردوغان، والتي ارتكب خلالها من التصرفات والأفعال ما يمكن وصفه باعتباره فساداً سياسياً حتى لو غُلف بإطار ديموقراطي، انتهى إلى نظام رئاسي ينفرد فيه حزب "العدالة والتنمية" بالسلطة عقب تمثيلية الانقلاب التي حتى الآن تطول أضرارها فئات من الشعب التركي.

ما يفعله الرئيس التركي بارتكاب هذا النوع من الفساد السياسي المغلف بالديموقراطية، تبعه عقاب جاءه بطريقة لم تكن في حسبانه على الإطلاق، من الاقتصاد التركي الذي يحتل مكانة عالمية في ترتيب اقتصاديات الدول، والذي من خلاله صعد نجم اردوغان وبه أيضاً على ما يبدو سوف ينتهي. إذ فقد الاقتصاد بعد هذه التجاوزات والتدخلات السياسية من رأس السلطة، أهم حافز لنموه متمثلاً في "الثقة"، لتنهار العملة التركية بطريقة دراماتيكية وتهبط قيمتها بما يعادل أكثر من 300 في المئة، فالليرة التي كان يعادل الدولار منها 2.2 في عام 2014 وصلت هذا العام إلى 6.2. علماً أن ضعف العملة التركية وانهيارها يسجل مع فنزويلا أكبر تدهور في عملات الأسواق الناشئة. ذلك أن نجاح الاقتصاد التركي في السنوات العشرين الماضية، كان مبعثه الإدارة الناجحة في الاقتصاد واستغلال ذلك في ظل العولمة الاقتصادية في ظل استقرار سياسي ونمو قطاع السياحة والتصنيع والزراعة والعلاقات الجيدة مع الجيران، لدرجة جعلت رئيس الوزراء التركي السابق أحمد داوود أوغلو يطلق عبارته المشهورة "صفر مشاكل مع جيراننا". وهو المنطق والمنهج الذي عمل عكسه تماماً أردوغان بالمشاكل التي افتعلها مع دول الجوار وخصوصاً دول الخليج، متناسياً أن ازدهار اقتصاد بلاده في الفترات السابقة، كان نتيجة العلاقات الجيدة مع هذه الدول التي ضخت أموالاً كبيرة في شريان الاقتصاد التركي منذ ثمانينات القرن الماضي. فضلاً عن الاستفادة التي حققها من الحظر الذي كان مفروضاً على إيران، فأصبحت أنقرة بطريقة غير شرعية بوابة لطهران. وحتى الدولة العثمانية بتاريخها الممتد لأكثر من ثلاثمئة سنة، بنت مجدها على ما أخذته من خيرات الشعوب الأخرى ولم تقدم لهم غير الفقر والتخلف. وعندما جرت دماء العثمانيين في أردوغان، أراد أن يعيد هذا الماضي باستغلال الثورات في مصر وتونس وسورية وليبيا.

مثلما يرتبط الفساد السياسي بنهج الذين يحكمون في الداخل، فهو أيضا مرتبط بنهجهم وسلوكياتهم في الخارج. بل الأخيرة قد تكون أخطر كونها قد تجعلك مكروهاً محاصراً وتهرب رؤوس الأموال من بلدك خصوصاً إذا كان اقتصادك قائماً على هذه الأسس. وهذا ما فعله أردوغان الذي أعطى مثالاً جيداً حول كيف يمكن لتصرفات الحاكم السياسية أن تكون مدمرة لاقتصاده.

* كاتب مصري


الأكثر قراءة في الرأي