منهجية البحث التاريخي في العالم العربي

(الحياة)
د. علي عفيفي علي غازي |

قرأت مقال للباحث الكويتي الناقد المتميز الدكتور عبد الرحمن الإبراهيم بعنوان "هل نحتاج لمنهجية خاصة لدراسات الخليج؟". ويُبين المقال حالة تتكرر كثيرًا مع كثير من الباحثين الذين يتقدمون للنشر في المجلات العلمية المحكمة، إذ تصر كثير من المجلات على أن يحكم لها أساتذة كبار، وللأسف كثير منهم لا يزال بعيدًا عن التطورات، التي أصابت مناهج البحث في الدراسات التاريخية سواء في العالم العربي أو في أوروبا وأمريكا وروسيا وغيرها، ويقف الكثير منهم جامدًا وفق منهج الخمسينات من القرن الماضي، والذي لا يزال يتبع المدرسة السردية للأحداث التاريخية، ويُقدس الوثيقة الخطية الرسمية فقط؛ باعتبارها مصدر للمعلومة التاريخية، وطرح الإبراهيم إشكالية اعتماد الكتابة التاريخية على "المقابلات الشفهية"، والتي باتت كاللقاءات التليفزيونية والإذاعية مصدرًا مهمًا يحمل شهادة على العصر، بالإضافة للمدونات الإليكترونية على الشبكة العنكبوتية، والتي أكاد أحزم أن محكم البحث الذي أشار له في مقاله لا يعرف عنها شيئًا.


تعرضت لتجربة مماثلة في تحكيم بحث أشرت في خاتمته إلى أن وثائق محمد علي باشا، والي مصر (1805-1848) المحفوظة بأرشيف دار الوثائق القومية بالقاهرة، تكشف عن البواكير الأولى للشعور بالمواطنة لدى دول الخليج العربي، وإذا بالمحكم في تقريره يعترض على الجملة بطريقة تهكمية بأن مصطلح المواطنة مصطلح حديث، وكيف يتم تطبيقه على النصف الأول من القرن التاسع عشر، ولكنني عندما أوضحت في تعقيبي أنه يرتبط بالموطن، ومن ثم فإن النفير لأجل الدفاع عن الوطن، الذي ينتمي إليه الإنسان هو مواطنة، وأوضحت أن مثل هذا الشعور يبدو واضحًا في حالة الكويت والبحرين بصفة خاصة، الذين رحبوا بقوات محمد علي بدافع من الشعور بالمواطنة لأنها قوات مسلمة أمام الوجود البريطاني فوق مياه الخليج، كما تشير إلى ذلك وثائق محمد علي والوثائق البريطانية أيضًا، فإذا به يصمت ولا يعقب.

مثل هذه التعقيبات من المحكمين، والتي تقف جامدة أمام تيار العولمة الاجتياحية، والحداثة المنهجية، والتطورات الإليكترونية، تؤكد أننا أمام مأزق منهجي، فكيف يعقل أن تكون هناك عقول لا تزال جامدة أمام المصطلح، واسقاطاته على عصور سابقة، فإذا ما قلنا أن الإسلام كان دين عالمي، ومن ثم فإن مصطلح العولمة ليس بجديد، وإن ظهر بكلمة أخرى، نرى من يجادل بأنه مصطلح حديث مرتبط باختراع الكمبيوتر والإنترنت وشبكات البث الإذاعي والتليفزيوني والتليفون وغيرها من الاختراعات العلمية الحديثة، ومن ثم يجب ألا يتم الاسقاط على عصور ما قبل هذه الاختراعات، ومثل هذه العقول تقف جامدة أمام التطورات المنهجية، التي يجب على الباحثين في كافة مجالات العلوم الإنسانية عامة، والتاريخ خاصة، الاستفادة منها، وألا يقفوا جامدين أمام تيار ما بعد الحداثة، وإلا سيُتهمون بالتخلف، والتبعية للمدارس الغربية التقليدية القديمة، التي وجدت في عصر النهضة الأوروبية وما تلاه من عصر الأنوار، فمثلا مدرسة تاريخ "الزمن الراهن"، والتي ولدت في فرنسا تبيح للمؤرخ الكتابة عن الأحداث المعاصرة التي يُعايشها، مشيرة إلى أن جميع جوانب الحدث باتت أكثر وضوحًا عمّا مضى، لأن كافة المعلومات عنه باتت متوفرة بالصوت والصورة لحظة وقوع الحدث مباشرة، وإن كنت اختلف مع هذه النقطة لأن الحدث التاريخي يُقاس بنتائجه، ومن ثم يجب على المؤرخ أن يقف على مسافة زمنية تتيح له الوقوف على النتائج المترتبة عليه قبل أن يؤرخ له، فليس كل حدث يستحق التأريخ، فالتاريخ يميل إلى الاهتمام بالأحداث والشخصيات ذات الأثر الممتد.

ومن الخطأ التأكيد على أن المصادر التاريخية تنحصر في الوثيقة والمخطوط والسجلات والكتب فقط، خاصة في منطقة الخليج العربي، التي لم يهتم أهلها بالتدوين، فالعرب أهل قول وفصاحة وليسوا أهل كتابة وتدوين، ويؤكد ذلك أن أول كلمة من القرآن الكريم كانت "اقرأ"، ولم تكن "اكتب"، كما أن العرب كانوا يحفظون أنسابهم "عن ظهر قلب" إلى آخرها، ويحفظون المعلقات من الشعر التي تصل لآلاف الأبيات، وكانت لهم في عصر ما قبل الإسلام أسواق للشعر (القول)، وقد جاء ذلك من الصفاء الذهني، الذي كانوا يتمتعون به، إذ إنهم بعيدين عن المدينة والحداثة، التي تتيح تدفق المعلومات ومن ثم تؤثر على الذاكرة، بالإضافة إلى أن حياة الصحراء بفراغها الممتد تجعل لديهم ذاكرة قوية، وهذه ليست من بنات أفكاري، وإنما انتبه لها كثير من الرحالة الغربيين، الذين زاروا العراق والجزيرة العربية في الفترة من القرن السادس عشر وحتى منتصف القرن العشرين. ومن ثم من الممكن الاطمئنان لرواياتهم، وإذ أكتب لهذا المشكك في أهمية المصادر الشفاهية، فقط أريده أن يُخبرني من أين استقى ابن هشام سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، أو من أين استقى الطبري وابن كثير وابن خلدون وغيرهم من المؤرخين المسلمين تاريخهم، أليس نقلا عن الرواية الشفهية، وأليس اهتمامهم بتدوين الشفاهي كان هو السبب في ميلاد علم "الجرح والتعديل" لنقض الراوي والرواية ظاهريًا وباطنيًا، وأليسوا هم من قسموا الرواية إلى حسنة صحيحة، وحسنة ضعيفة، وضعيفة وغيرها.

سلط الدكتور الإبراهيم الأضواء على نقطة أخرى أكثر خطورة من النقطة السابقة، وهي احتفاظ الهواة في العالم العربي عامة، ومنطقة الخليج العربي خاصة، بالوثائق الأهلية والمخطوطات والسجلات والصحف وغيرها من مصادر المعلومات التاريخية بما يملكون من كنوز، ويرفضون إطلاع الباحثين عليها، رغم أن الرسول صلى الله عليه وسلم يقول "زكاة العلم نشره"، وهو المبدأ الذي يعمل به الغربيون، فلو أن رجلا أوروبيا أو أمريكيًا يملك مخطوط، وطلبت منه صورة بغرض استخدامها في بحث علمي أو بهدف تحقيقها ومقابلتها مع نسخ أخرى من المخطوط فإنه لا يتردد فورًا في تزويدك بمثل هذه الصورة، إلا أنه يحدث العكس تمامًا في العالم العربي، يُضاف إلى ذلك قدسية الوثيقة الرسمية، ورفض الجهات التي تحتفظ بها إطلاع الباحثين عليها، الأمر الذي يدفع الباحثين إلى اللجوء إلى المقابلات الشخصية، وهذه تتدخل فيها الأهواء، ويجعل الراوي من نفسه البطل الحقيقي والوحيد في الحدث، ويخفي ما لا يريد للمؤرخ معرفته، إما تقية أو خوفًا من المساءلة القانونية، وإما لحاجة في نفسه، وهو ما يجعل الكثير من جوانب الحدث التاريخي غامضة ومبهمة أمام المؤرخ، الذي يقف عاجزًا أمام تفسير الكثير من الأحداث التي يؤرخ لها.

في النهاية أؤيد الدكتور الإبراهيم في ما دعا إليه من ضرورة الخروج من عباءة المنهجية التاريخية القديمة، والمدارس التاريخية التقليدية، والتفسيرات القديمة للتاريخ المحلي، وتحليلها ونقدها وإعادة تفسيرها، بعد القراءة المعقة للحدث التاريخي، وفق ما يتوفر للباحثين من مصادر للمعلومات عنه، وأدعوهم إلى القراءة في منهجية البحث الحديثة في عصر ما بعد العدمية، والتي باتت تستخدم الكثير من المصادر بعيدًا عن الوثيقة الرسمية المكتوبة، كاللقاءات التليفزيونية والإذاعية، والمدونات الإليكترونية، واللقاءات الشفهية؛ بل وحتى البرامج الإذاعية والتليفزيونية، والمقاطع التي تصور الحدث على اليوتيوب، والشهادات التي يسجلها المشاركون في الحدث، أو الذين سمعوا عن الحدث سواء صوت أو صورة أو دونوها في كتب في ما يُعرف بالمذكرات الشخصية والسياسية وغيرها، ولكن مع تطبيق منهج النقد الظاهري والباطني للراوي والرواية، ومعرفة مدى مشاركته في الحدث، وقربه أو بعده عنه، ومقارنة روايته بما يتوفر لديهم من روايات أخرى مكتوبة أو مسموعة.

* صحافي وأكاديمي مصري