أميرُ الحج على مر العصور

تراث
مصطفى وجيه مصطفى |

لما كان فرض الحج إلى البيت العتيق أحد أركان الإسلام، ومن شعائره الظاهرة المتعلق فعله بالأبدان، توجهت نحوه النفوس والقلوب، وبذل السلاطين والملوك في القيام بإظهار شعائره كل محبوب ومرغوب، وأجلوا رتبة القائم بهذه المهمة نيابة عن السلطان، ومكن من التصرف في مهمات هذا المنصب السني بأعلى درجات الإمكان، واهتم ولاة الأمور بترتيب احتياجاته على كل هيئة فاخرة، وزينة شهيرة بهمم غير متوانية ولا قاصرة، على نظام ملوكي يقارب السلطنة في بيوتها. وقد كان وجود هذا القائم ضرورة حتمية؛ لأن المسلمين في العصور الوسطى كانوا يتجشمون جميع أنواع المصاعب في السفر من أقاصي الدنيا إلى بيت الله الحرام في كل عام، تحت ظلال الشراع في البحر وعلى ظهور الإبل في البر، أو السير على الأقدام.


والطبيعي أن السفر على تلك الحالة وما تعتريه من صعوبات ومشاق وما تكتنفه من أخطار، يستدعي أن تصحبه زعامة سياسية دينية تشرف على تنظيمه وتعمل على حل مشكلاته حتى يصبح ذلك السفر الشاق سهلاً وميسوراً على حجاج بيت الله الحرام، ومن هنا نشأ في التاريخ ما عرف بـ"أمرة الحج". وأمير الحج هو ممثل الدولة التي يترأس حجيجها ومسؤول علاقاتها ومؤيد سياساتها.

ويرجع بعض المؤرخين أصل تلك "الأمرة" إلى حديث النبي (صلى الله عليه وسلم): "لا يحل لثلاثة يكونون بفلاة من الأرض إلا أمروا عليهم أحدهم"، فإذا كان الشارع أوجب التأمير على هذا العدد القليل في الاجتماع العارض؛ فكيف بالسفر إلى الحج الذي يجتمع فيه الآلاف من الناس الذين يتعين عليهم النزول والسير والعودة في وقت واحد، كذلك فالتأمير على حجاج بيت الله توجبه الشريعة. وكان أول أمير نصب على الحج وسار مع ركب الحجيج من خارج مكة المكرمة هو أبو بكر الصديق في السنة التاسعة من الهجرة، حيث انتدبه النبي (صلى الله عليه وسلم) للحج بالناس نيابة عنه، فسار أميراً على ركب الحاج من المدينة المنورة العاصمة الإسلامية آنذاك إلى مكة. وفي العام التالي خرج النبي (صلى الله عليه وسلم) بنفسه على رأس الحجيج لمكة وذكر للناس مناسكهم في الحجة المعروفة بحجة الوداع سنة 10هـ. وتلى النبي (صلى الله عليه وسلم) في الاهتمام بأمر الحجيج خلفاؤه الراشدون، ومن تبعهم من أمراء المؤمنين، إما بأنفسهم أو بتعيينهم نواباً عنهم يرأسون الوفود الخارجية من بلادهم إلى مكة المكرمة. وكان هؤلاء النواب هم ما عرفوا بأمراء الحج، إلا أن أقوى الأمراء كان من يأتي من قبل أرض الخلافة؛ فعندما كانت الخلافة بالمدينة حرص الخلفاء الأربعة على أن يتولوا قيادة الحجيج بأنفسهم. وعندما انتقلت دار الخلافة إلى دمشق في العصر الأموي صار أمير الحج يخرج منها، وتجتمع جموع الحجيج تحت لواء الخلافة الأموية، ووصل من اهتمام الأمويين بالحج أن ترأس خمسة منهم الحجيج في عهد خلافتهم.

ولما انتقلت الخلافة الإسلامية إلى بغداد بزوال الدولة الأموية وقيام دولة بني العباس، تولت بغداد زعامة العالم الإسلامي، وانتقلت إمرة الحج إليها. وقد ازدهرت هذه الإمارة في العصر العباسي الأول، وأسندت إلى أكبر شخصيات البيت العباسي. أما خلفاء العصر العباسي الثاني، فلم يفكروا في الخروج على رأس موكب الحج، إلا أنهم قلدوا تلك الإمارة إلى أمراء أقوياء من البيت العباسي. وذلك راجع إلى شدة رغبتهم في الاحتفاظ بمكة حتى يظهروا أمام العالم الإسلامي بأنهم أصحاب الحق الشرعي في منصب الخلافة الروحي، وأنه يجب أن يبقى في البيت العباسي. ولما آل أمر الحرمين إلى فواطم مصر، لم يخرج أحد من خلفائهم للحج، إلا أنهم عنوا عناية كبيرة بقافلة الحج، وأنفقوا عليها بكرم وسخاء حتى قال المقريزي إنه لم يصل حجم الإنفاق في دولة من الدول على قافلة مثلما بلغ في عهد فواطم مصر.

ولم يحج أحد من ملوك بني أيوب أيضاً، ويذكر أحد الباحثين أن ذلك راجع لانشغالهم بالجهاد ضد الصليبيين. وعلى رغم ذلك فإن الدولة الأيوبية اهتمت بخروج الحجاج والإنفاق عليهم. وعندما سقطت الخلافة العباسية، تكفلت دولة المماليك بتأمين ديار الإسلام وإقامة الحج للمسلمين، لذلك درجت على إقامة أمير للحج يقود الحجيج من مصر كل عام تحت لوائهم. وكانت وظيفة أمير الحج في العصر المملوكي في المرتبة الثالثة من رواتب الدولة، وكان صاحبها مرشحاً لأن يكون حاكماً للقاهرة، وهو المنصب الذي يلي منصب السلطان المملوكي. بل وتولى أمير الحج السلطنة في بعض الأحيان، مثل الملك السعيد بن الظاهر بيبرس الذي تولى إمارة الحج سنة 667هـ وتولى السلطنة سنة 676هـ والمؤيد شيخ الذي تولى إمارة الحج سنة 801ه ـوتولى السلطنة سنة 815هـ. وانقسمت تلك الإمرة – أي إمارة الحج – زمن المماليك إلى أمير أول وأمير ثان، ويعرف الأول بأمير الركب الأول، ويرافقه السواد الأعظم من الحجاج، وأطلق هذا اللقب على أمير أول قافلة سافرت على مرحلتين في عام 790هـ / 1388م ثم تتابع بعد ذلك سفر هذا الأمير في الأعوام التالية بصفته هذه اعتباراً من عام 842هـ/ 1439م حيث أصبح ذلك عادة متبعة في مواسم الحج في عام حتى نهاية العصر المملوكي. أما الثاني فيعرف بأمير ركب المحمل ويتولى قيادة المحمل وحاج الدولة الرسميين، وهو أعلى مكانة من أمير الركب. وعادة ما كان أمير الركب الأول، أمير عشرة، بينما كان أمير المحمل أمير مئة. لذلك كان هو القائد الأعلى للقافلة، بل أن الوزير نفسه كان يتولى إمرة الحجيج في بعض الأحيان مثلما حدث سنة 884هـ التي تولى فيه الوزير خشقدم الأحمدي إمارة الحاج وساس أمور الحج خير سياسة، بيد أنه كانت هناك استثناءات في بعض السنوات التي تولى فيها إمرة الحج أمير عشره، أو أمير طبلخاناه. مثال ذلك 852هـ التي ولي فيها إمارة الركب الأول قانم التاجر، وإمارة المحمل سونجبغا اليونسي، وكلاهما أمير عشرة، وسنة 857هـ التي تولى فيها شخص يدعى خايربك إمرة الركب وهو من جملة الأجناد، وكان أمير الحاج جانبك الأشرفي من جملة أمراء الطبلخانات. أيضاً كان أمير الحاج بالمحمل 858هـ بردبك البجمقدار الظاهري أحد أمراء الطبلخانات وأمير الركب سنة 860هـ أحد أجناد الحلقة. ويجب أن نشير إلى أن أمير الحج كان يُعين طبقاً للأوضاع السياسية التي تفرض نفسها في الحجاز، وكذلك اتجاهات القبائل التي تسيطر على طريق الحج. وكان السلطان المملوكي يفوضه بجميع مهام الأمارة سواء ما يختص منها بتيسير الحج في الطريق أو إقامة شعائر الحج للمسلمين عامة في مكة.

وفي العصر العثماني كانا البلدين (مصر والحجاز) تحت السيادة العثمانية، ولكن خصت الدولة العثمانية مصر بتعيين أمراء مكة، واعتماد الدولة العثمانية عليها في حسم الصراع بين أشراف مكة، ودور مصر في حفظ الأمن والنظام في الحجاز. وكان يقوم بهذه المهام– غالبًا- أمير الحج.