السياق التاريخي وأثره في بناء المفاهيم.. الولاية على المرأة أنموذجاً

مسفر بن علي القحطاني |

تعتبر قضايا المرأة في عالمنا العربي من أهم القضايا المثيرة للتغيير، وسجالاتها الفكرية الأكثر اصطفافا وتمييزا بين تيارات المجتمع، ومنذ الثلاثينات الميلادية وقضية تحرير المرأة وحجابها ومشاركاتها المجتمعية بوابة التغيير نحو ليبرالية اجتماعية تُهمّش -دائما وبشكل سريع- صورة المجتمع المحافظ في الوعي الجمعي، وفي هذه الآونة عادت قضايا المرأة لتحتل الأولوية في مجتمعات الخليج العربي، بالحديث عن ولاية الرجل على المرأة وعملها في كافة الميادين وسفرها بلا محرم وغيرها من مسائل، شكّلت هذه القضايا حالةً من الاستقطاب خصوصا في مواقع التواصل الاجتماعي، وبعيدا عن تلك السجالات الانتقامية والحماس الشعبوي، نحتاج إلى معرفة موقفنا من تلك الأحكام التي أصبحت جزء من الدين، و لا يخفى أن الدين بالنسبة للمجتمع محور رئيس تدور حوله تفاصيل حياتنا الخاصة والعامة، وأظن أن أهم مسألة في هذا الجدل المجتمعي هي مسألة: ولاية الرجل على المرأة، وأمام هذه المفهوم الديني المتداول عبر العصور؛ سأطرح بعض الأسئلة ومن خلالها نحاول فهم مقصد هذا المفهوم وسياقاته التي نشأ فيها والدور الذي لعبه في المجتمع حسب مسيرته التاريخية، ويمكن بيان ذلك حسب المسائل الآتية:

أولا: هناك مقدمة مهمة نحتاجها لمعرفة نشأة أي مفهوم ومسيرته عبر الزمان والمكان حتى تبلور وأصبح فكرة قائمة بذاتها يؤمن بها فريق من الناس، هذا النسق المنهجي هو ما يسمى بـ"تاريخ الأفكار" ولعلي أبني فهمي لهذا النسق وفق نظرة الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو الذي حاول وضع تصور منهجي يوضّح فيه المراد بتاريخ الأفكار، فمع تردده وخجله من نقل هذا النسق نحو المجال العلمي إلا أنه تعهد ببذل المزيد في توضيحه، وأظنه قد فعل، فتاريخ الأفكار ليس كتاريخ العلوم ولا يشابه حفريات المعرفة؛ بل هو يراوح بينها مع تركيز عالي في فهم الجوانب العمياء في مسيرة الأفكار المتعلقة بتحليل الآراء بدلا من المعارف، ومن تحليل الأخطاء بدلا من تحليل الحقائق، ومن فهم أنواع العقليات بدلا من الغرق في أشكال التفكير، حاول فوكو أن يؤكد على أهمية تتبع نشأة الأفكار وظروف ميلادها وكيف تنحلّ وتتفكك ثم تتصل في لحظة ما مع بعضها، وكيف تتحول إلى خطابات عامة وتنتشر في حقول معرفية متعددة، كل ذلك وغيره أراده فوكو أن يظهر معا ويُستوعب بجملته لرصد ومعرفة تاريخ نسق الخطابات والمنظومات المعرفية، كمحاولة لفهمها وفق منظور علمي متماسك. (انظر: كتابه حفريات المعرفة، نشر المركز الثقافي العربي، ترجمة سالم يفوت، الطبعة الرابعة 2015، ص 125-137)، هذا النسق الذي وضعه فوكو وقام غيره من المفكرين أمثال أدغار موران ودانييل مورنييه بتطبيقاته حول بعض المفاهيم كالحرية والقيم وإعادة تقييم الثورة الفرنسية؛ ساعد في فهم وتطوير تحليلنا للأفكار، وكيفية بناء المفاهيم، ومعرفة العوامل التي أدت إلى قيام نطاقات فكرية وتصورات اتخذت مع الزمن والانتشار طابع العلمية. هذا المنحى المنهجي في مجالنا الإسلامي يكاد يكون غائبا عن الحضور وبعيدا عن الاهتمام، مع العلم أن لدينا حزمة هائلة من المفاهيم التي تتناقل عبر الأجيال وتمنحها كتب الشروح والحواشي هالة من القدسية، ومع ذلك لا نقف في إعادة طرح السؤالات حولها؛ لأجل معرفة ما تلبّس بها من عادات وأعراف وصراعات وتشكّلات فرضتها البيئة المكانية أو السلطة السياسية، وكل تلك الجوانب مؤثرة في صحة فهمنا للأفكار الدينية خصوصا، ومعرفة أسس بناء المفهوم وبقاؤه أو اندثاره.

ثانيا: المصطلحات والمعاني الدينية ليست استثناءً من الحاجة المعرفية لرصد متغيراتها والبحث في سياقاتها التي ولدت ونشأت فيها ثم تطورت واكتسبت النضج والانتشار؛ بل إن هذه المعرفة لتاريخ المصطلح وسيرته في التداول يمنحنا قدرة أكبر في تطوير تحليلنا ونقدنا المعاصر لجملة واسعة من المفاهيم والمصطلحات، وتجدر الإشارة أن بعض علمائنا السابقين أشاروا في كتب الحدود والمصطلحات بعض المعايير التي يحتاجونها في درك المعاني، وضرورة معرفة أصله اللغوي واستعماله العرفي وتوظيفه الفقهي، لكن لم يظهر كمنهج يُعني بتاريخ المصطلح وتداولاته، وللجويني والآمدي إشارات في ذلك، وأما ابن تيمية فقد ناقض المناطقة في اعتبار الحدّ أو التعريف الاصطلاحي أساس التصوّر، محتجاً بأن هناك الكثير من الأمور يتم تصورها بدون معرفة حدّها كالبدهيات وأسماء الأعلام وغير ذلك، ما يعني أن المصطلح حتى ندرك معناه نحتاج إلى عدة مجالات متحركة تمنحنا القدرة التمييزية للمعنى، وقد تتغير المعاني مع الاستعمال تبعا للظروف التداولية واختلاف الأنساق الحضارية، ولنحاول هنا ممارسة شيء من الرصد والتنقيب عن مصطلح "الولاية على المرأة" ومعرفة تاريخه المفاهيمي وتنقلاته عبر الزمن.


ثالثا: مصطلح "الولاية على المرأة" مبني على مفهوم الولاية ومراد الشارع منها، وابتداءً نحتاج معرفة معنى الولاية عند أهل اللغة، فقد ذكر ابن فارس أنها: مأخوذة من الفعل الثلاثي (ولي) يقال: ولي الشيء وولي عليه وَلاية ووِلاية، والواو واللام والياء: أصل صحيح يدل على القرب والدنو، (انظر:معجم مقاييس اللغة لأبي الحسين أحمد بن فارس، تحقيق عبدالسلام هارون، نشر دار الجيل، 1411ه، 6/144) وأما من حيث المصدر فتعني الوَلاية: النصرة، والتولي، ومنه قوله تعالى: "مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ"، والوِلاية بالكسر: السلطان والخِطة والإمارة والملك والبلاد التي يتسلط عليها الوالي، والولي: فعيل بمعنى فاعل، من وَليَهُ: إذا قام به، وتولى أمره، وأعانه، ونصره وأحبه، ومنه قوله تعالى: "اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آَمَنُوا"، أي: نصيرهم وظهيرهم ويتولاهم بعونه وتوفيقه. فيفهم من إطلاقات الولاية في اللغة والتي هي أساس المراد القرآني؛ أنها في معنى النصرة والتولي والقيام بالشؤون على وجه المحبة والعون. وهنا تظهر المفارقة الشديدة مع الاستعمال الشعبوي للولاية كما تنضح به بعض المقالات ومواقع التواصل الاجتماعي.

أما الولاية من حيث الاصطلاح فلا يعنينا ابتداءً؛ مفهوم الولاية العامة للمرأة، وسنقتصر –لضيق المقام- على معاني الولاية الخاصة، حيث تُظهِر غالب النصوص حولها، أنها تدور على ثلاثة أنواع؛ الأول: النيابة الجبرية التي يفوّض فيها الشرع أو القضاء شخصا كبيرا راشدا بأن يتصرف لمصلحة القاصر في تدبير شؤونه الشخصية والمالية. والثانية: ولاية المتولي على الوقف، والثالثة: السلطة التي جعلها الشرع بيد أهل القتيل في استيفاء القصاص من قاتله أو العفو عنه.(انظر: الموسوعة الفقهية الكويتية، طبعة دار السلاسل 2007م، 45/135) وفي هذا التقسيم السابق لا يعنينا سوى النوع الأول، وهو المتعلق بالولاية الخاصة على المرأة، وغالبا ما تقع على أمرين: ولاية على النفس (التزويج والتربية) و ولاية على المال (إجراء العقود والتصرفات المالية)، وهذا النوع الأخير تُعتبر فيه أهلية المرأة أهلية كاملة في إجراء العقود والتصرفات، مالم تكن دون سن الرشد أو مريضة في عقلها، شأنها كالذكر، وهذا عند غالب الفقهاء.

بقي موضوع ولاية الرجل على نفس المرأة بالتربية والتزويج، وهذا ما سأفصله في المسألة التالية.

رابعا: وجدت بالتأمل في النصوص وأقوال الفقهاء، أن ولاية الرجل على نفس المرأة قد مرّت بثلاث مراحل على وجه التقريب، على النحو الآتي:

المرحلة الأولى: عصر التشريع وفقه الصحابة، وفيه كان المرجع للنصوص القرآنية وما يفسرها من نصوص نبوية، وكانت هذه النصوص تحترم حرية المرأة واستقلالها، ولم يوجد نص قرآني يفرض على المرأة الخضوع المطلق للرجل، سوى نصوص اشتراط الولي في التزويج، ولم يكن مصطلح "ولاية الرجل على المرأة" معروفا أو متداولا في هذه المرحلة، يدل عليه قول ابن رشد:" ولو كان في هذا كله شرع معروف-أي ولاية الرجل على المرأة- لنقل تواترا أو قريبا من التواتر؛ لأن هذا مما تعم به البلوى. ومعلوم أنه كان في المدينة من لا ولي له، ولم ينقل عنه - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يعقد أنكحتهم، ولا ينصب لذلك من يعقدها"(انظر: كتابه بداية المجتهد ونهاية المقتصد، نشر دار الحديث 2004، 3/38). وإذا أخذنا بشرط ولاية التزويج وهو شرط واضح المصلحة والرعاية، ففيه حديثان أو ثلاثة، ومع ذلك اختلف الفقهاء فيه، ورأى الأحناف في المشهور من مذهبهم وغيرهم أنه ليس بشرط في المرأة الثيب أو الكبيرة، ولم يختلفوا تقريبا في اشتراط أذنها في الموافقة على الزواج دون إجبار من أحد؛ إما بالنطق أو الصمت الدال على الموافقة. أما اشتراط الأذن في السفر ففيه نصوص صحيحة؛ اختار عدد من الفقهاء كابن تيمية تعليلها؛ فاشترطوا المحرم عند وجود الخوف وتحقق الضرر. ذكره عنه ابن مفلح (انظر: كتابه الفروع، طبعة عالم الكتب، 3/ 236-237).

المرحلة الثانية: عصر التدوين التشريعي والتحقيق الفقهي، وهذا العصر الذي جاء بعد القرن الخامس الهجري؛ حاول أن يفصّل في مسائل ولاية الرجل على المرأة بما يتعدى التزويج، ويتعمق في الشروط الموجبة للإجبار، وهنا ظهر مصطلح سلطة الرجل على المرأة، وتعدى نحو تصرفات المرأة المدنية، وأكثر من فصّل في تلك الأحكام الولائية هم الأحناف، ومدار تلك القيود الاحترازية والتفريعات الفقهية عند غالب الفقهاء؛ قائم على مصلحة حفظ المرأة من البروز الضار بأنوثتها، أو درء مفاسد الأشرار عنها، وذلك بعدما توسعت المجتمعات واختلطت الأعراف وضعفت الديانة في قلوب الناس.

المرحلة الثالثة: عصر التقنيين وحقوق المرأة، وهذا العصر الذي نعيشه قائم على مواكبة الاحتياج التوسعي لإشراك المرأة في مختلف الأعمال، وأثمر هذا التوسع في مجال المرأة تطور التشريعات القانونية الخاصة بها، بيد أن الساحة المجتمعية المعاصرة تخضع بشكل كبير لتيارين؛ ظاهرهما حقوقي وباطنهما أيديولوجي، ولهما اتجاهان متباينان، أحدهما: يتجه نحو تعطيل المرأة من طبيعتها وحرمانها من حريتها في العمل والتصرف المعتاد لمثيلاتها ذوات الخُلق والرفعة؛ تحت دعوى سد الذرائع والمبالغة المتوهمة في الاحتياط، والتيار الآخر يدفعها نحو التخلي عن انوثتها وطبيعتها؛ بالزج بها في أعمال لا تليق بأهل المروءات والقيم، أو بتسليعها في مجالات تجارية رخيصة، الهدف منها غواية الرجال لتحقيق مكاسب مادية تحت تأثير الغرائز وليس على أساس الجدوى والقيمة، ومن ثمّ تُنتهك حقوق المرأة الأصيلة تحت وطأة خداع المحاكاة بالمجتمعات الغربية، أو وهم التحرر من البيت والأسرة لأجل الوقوع في قيد أكثر فتكا بها؛ ولكنه أكثر نعومة من الحرير فلا تشعر بأنها أصبحت أسيرة لشهوات عابرة.

خامسا: بعد هذا العرض الموجز والمكثف؛ أحتاج إلى العودة إلى مغزى المقال، بالتأكيد بأن الولاية على المرأة ليست رقاً وعبودية كما يستسهل هذا الاطلاق بعض النسويات الفقيرات للمعرفة والدراية الواقعية، بل إن ولاية الرجل على المرأة جاءت في سياق العرف الاجتماعي الذي اقرّته الشريعة صيانة وحفظا لأنوثة المرأة من الطامعين بها خارج إطار الدين والقيم، وأن الأحكام الفقهية عبر المراحل التشريعية كان المقصد العام منها؛ تحقيق المصلحة ودرء المفسدة، من خلال النظر الواقعي ومدى الحاجة لمزيد من التشريعات التوثيقية للصيانة والحفظ، أما مسألة حرية المرأة واستقلالها فهو أصل لا يتنافى مع تلك الاحكام الاحترازية، إلا من يحاول أن يصادم بينها بغية اسقاط الاستدلال الكلي بالشريعة.

فهذا النظر المقاصدي والعرفي هو أساس الولاية على المرأة، والنصوص القولية والفعلية مؤكدة هذا المنحى من الحفظ القائم على الكرامة والرفعة، والستر والحفظ من الابتذال.

وأخيرا.. لابد أن نسأل أنفسنا لماذا إذاً هذه المعارك المفتعلة والخالية من المعرفة حول تلك الأحكام القيمية؟ ولماذا هذا الحماس بالدعوة الصريحة الخالية من المعقولية لإسقاط الولاية عن المرأة وبمشاركات مليونية في مواقع التواصل الاجتماعي؟ ولماذا الشغب على القيم العرفية المحترمة من المجتمع لقرون؟، نعم هناك رجال متوحشو الطبع يُذِّلون من تحتهم من نساء، وهناك من يعضل المرأة ويرفض تزويجها الكفؤ، وهناك من يحرم المرأة ميراثها ونفقتها وحضانتها لأولادها، كل ذلك وغيره موجود في مجتمعنا والمجتمعات السابقة وحتى اللاحقة، ولمثل هؤلاء قامت المحاكم ومارس الحكام سلطتهم العقابية عليهم، ولن يختفوا من المجتمع، أما أن نطالب كل النساء بالتمرد على كيان الأسرة وخلع روابط العودة للولي الناصح الأمين لأجل تلك الحالات الشاذة مهما بلغت، فاعتقد أنه اتجاه كارثي وآثاره ستعود على أهم كيان في استقرار ونماء وطمأنينة المجتمع وهو الأسرة. لذلك لا مناص أبدا من عودة العقلاء للساحة الفكرية والاجتماعية بعدما غادروها نتيجة صخب وغوغائية الاستقطابات المتوحشة بين بعض الإسلاميين والليبراليين، ولا بأس بعودة التقنيين الذي يمنح المرأة استقلالها ويحمي حريتها ولا يسمح باستغلال المتاجرين بحقوقها لخرق سفينة المجتمع في زواياها المعتمة.