القوميون العرب و"السلام الإيراني"

المثنى حمزة حجي |

لم أكن أهتم كثيراً بالاختلافات الفكرية مع بعض القوميين العرب ولم أعتبرها خارجة عن المعتاد، كون الآراء السياسية مجرد اختلاف في تفسير الحالة السياسية، بل أراها دليلاً على تعددية لا بد أن نحافظ عليها، على رغم أني في الوقت ذاته لست من مؤيدي الإفراط في إرضاء قومية عربية مضلَلَة، وأرى أن احترام الفرد لذاته جزء لا ينفصل عن احترامه لأمته وإحساسه بالانتماء لأمة معينة واحترامه لها حتمي، على رغم الظروف الحالية التي تمر بها من اضطراب وتخبط خطر في المسار وغياب الرؤية.


خرج علينا القوميون بتحفة جديدة بالدفاع عن جمهورية إيران بالقول أنها لم تشن حربا على أحد منذ 150 عاماً للاستدلال على أنها دولة "مسالمة"، وما يثير الشفقة محاولتهم الاستخفاف بعقول الناس وتزييفهم الخطِر للحقائق، فكلامهم يدل على جهل خطر أو تحريف أخطر للأحداث التاريخية والسياسية والعسكرية في المنطقة، واستفزاز متعمد لملايين الناس في سورية والعراق ولبنان والخليج واليمن من ضحايا وأيتام وأرامل وجماجم وأنقاض ورماد، هذه الدول التي عاشت "السلام الإيراني" الذي يتحدث عنه القومي المبدع القابع في هواء أوروبا الجميل البارد.

في البداية تجاوز القوميون احتلال إيران للأهواز العربية في عام 1925 عند اجتياح نادر شاه أرض الأهواز وأسر أميرها العربي الشيخ خزعل الكعبي واقتياده إلى طهران ثم قتله غدراً داخل قصره في عام 1937، وعلى رغم محاولات الحكومة العراقية تحرير الأهواز وشط العرب عبر اتفاق 1937 لم يتمكن العراق من استعادتها، بل اضطر إلى التنازل عن مزيد من الأراضي في "اتفاق الجزائر" (عام 1975) بعد دعم شاه إيران محمد رضا بهلوي الانفصاليين الأكراد في شمال العراق، وهو الدعم الذي تسبب في خسائر كبيرة للعراق اضطرت الرئيس الراحل صدام حسين على إثرها إلى توقيع "اتفاق الجزائر" والتنازل عن جزء من شط العرب لإيران.

لسنا على خلاف في أن البداية "الرسمية" للحرب العراقية - الإيرانية كانت بزحف الجيش العراقي على الحدود الإيرانية، لكن هذا فقط إذا نظرنا إلى هذا الهجوم كبداية للحرب وتجاهلنا حقيقة الخلفية الفكرية والأهداف العليا للثورة الإيرانية، والكلام الواضح للخميني أن العالم الاسلامي سيخضع للحكم الإيراني. ومنذ نهاية الحرب إلى وقتنا الحالي، كان واضحا أن المزاج الثوري الإيراني لم يكن ليتوقف عند حدود إيران الدولية، فالإعلان عن تصدير الثورة خاصة للعراق والخليج لإسقاط أنظمته واستبدالها بأنظمة ثورية على الطريقة الإيرانية ولنظام طائفي صفوي في العراق كان حديث المدينة، وهو الخطوة التالية التي يعتزم النظام الجديد القيام بها وترجم ذلك بآلاف التجاوزات الإيرانية العسكرية الحدودية التي تابعناها بقلق في وقتها، والتي سجلها العراق وقدم شكاوى بخصوصها إلى الامم المتحدة، ما دفع الحكومة العراقية إلى خطوة استباقية لإبعاد الغزوات عن أرضها. وبعد عامين من بداية الحرب رجع الجيش العراقي إلى الحدود الدولية ووافق على قرارات وقف الحرب ودفع تعويضات لإيران، لكن إيران ظلت ست سنوات أخرى في محاولات اجتياح مستمرة لحدود العراق بدعوى إسقاط النظام وتنصيب نظام موالٍ لها طائفياً، وهو ما تحقق لها بعد عام 2003 عند الاحتلال الأميركي.

ولعل القوميين العرب لم ينتبهوا إلى عشرات الميليشيات الطائفية العراقية والباكستانية والأفغانية والأفريقية واللبنانية واليمنية التي تقاتل في سورية، والتي تسببت في إطالة الحرب السورية وتدمير ثورة الشعب الذي أراد حريته بثورة سلمية حوّلها النظام الطائفي الموالي لإيران إلى مسلخ مفتوح انتهى بتدمير البلد بأكمله وقتل نصف مليون مواطن وتشريد ثلثي الشعب، هذه الميليشيات كلها تقاتل بتمويل وتسليح وانتماء طائفي وآيديولوجي وعقائدي إيراني، وتعمل كلها لمصلحة تحقيق الدولة الصفوية المهدوية الطائفية الكبرى التي تسعى الآن لتطويق جزيرة العرب من الأطراف.

وتعتبر الكارثة الديموغرافية التي أحدثتها ميليشيات إيران الشيعية في العراق وسورية أكبر كارثة أصابت الدولتان منذ الغزوات المغولية/التترية في القرون الوسطى.

وكذلك، لم ينتبه القوميون إلى قيادات الأحزاب الشيعية العراقية وصورهم القديمة كمقاتلين في "الحرس الثوري الإيراني" ضد بلادهم خلال الحرب مع العراق، ولا الحاكمية الولائية الطائفية لهذا الحزب بعد السيطرة على العراق وتحويله إلى مستعمرة إيرانية أخرجته عملياً من الأمة العربية ودمرت نسيجه الاجتماعي عبر طائفية سياسية كفلت تدمير نسيج الشعب العراقي لأجيال قادمة.

كذلك فاتهم "حزب الله" الإرهابي اللبناني الذي تحول أولاً إلى دولة داخل الدولة، ثم دولة ما فوق الدولة في لبنان وجره تحت شعار ولاية الفقيه ذاتها، التي يفتخر الإرهابي حسن نصرالله بالانتماء إليها، وفرضه على لبنان عبر السلاح الإيراني والاغتيالات لخيرة قيادات البلد.

لسنا في حاجة إلى ذكر المؤامرات في الخليج وما تقوم به جماعات ولائية من تهريب سلاح إيراني إلى بلادها، ومن خلايا مسلحة ومخابئ سلاح تعثر عليها حكومات دول الخليج بين الحين والآخر وكلها تتبع "حزب الله" بشكل مباشر أو عصابات الشيرازية الأكثر تطرفاً، ومحاولات بعضها خطف دول خليجية كاملة كالبحرين، وصور قيادات هذه الجماعات مع قادة إيران و"حزب الله" وما يرفعوه من صور الخامنئي ما يشير إلى انتمائها الإيراني لا تدع مجالا لا شك في أهدافها.

أما في اليمن، فقامت جماعة الحوثيين التي لا تمثل أكثر من ثلاثة في المئة من الشعب اليمني باحتلال البلد، وأسقطت حكماً منتخباً لفرض إعادة النظام الإمامي المتخلف الخارج من كهوف التاريخ والذي قذف به الشعب اليمني خارج السلطة عبر ثورة وطنية في الستينات. وهذه المحاولة ما زالت قائمة وسببت حربا مستعرة دمرت البلد، وما زالت العصابة الحوثية ترفض قرارات الأمم المتحدة لتحقيق السلام في اليمن وتحالفت مع نظام الرئيس الراحل علي عبدالله صالح الذي انقلب عليه الشعب بعد ثلاثة عقود من تجريفه للبلاد سياسياً واقتصادياً، فقط لأنه يتبع الطائفة ذاتها التي تسعى للاستحواذ على البلاد على رغم أن 70 في المئة من أهلها من السنّة، ثم انقلبوا عليه وقتلوه لضمان استمرار حكم يعيش أوهام الحق السلالي الإلهي في الحاكمية والسلطة المطلقة وتحت الإشراف الإيراني من قيادة آيديولوجية وتمويل وتسليح ولتحقيق الأهداف الصفوية ذاتها.

ما دفعته شعوب المنطقة من دم ودموع في الدفاع عن بلادها وكياناتها ضد الدولة الولائية المهدوية، تجعلها تستحق من القوميين الذين تستخدمهم كرأس حربه أكثر من مجرد اعتذار، فبعضهم ليسوا جهله يمكن إيجاد أعذار لهم، بل رجال يملكون ثقافة لا يمكن أن تُقبل منه عبارات تهين عقول الناس بهذه الطريقة الفجة في سبيلهم للبحث عن حاله استعراضية من الاعتدال الطائفي الصوري المثير للاشمئزاز، فقبل كل شيء يجب على القوميين أن يشكروا الله في كل صلاة أنهم لم يعيشوا هم وعائلاتهم هذا "السلام الإيراني" حتى الآن!