خطف القضية الفلسطينية.. من الإرهابيين إلى الفاسدين

فارس بن حزام |

تعيش القضية الفلسطينية أبهت سنواتها؛ أهلها في انقسام حاد، والعرب منهكون بتفسخ دولهم، وغاصوا أكثر في حروبهم الأهلية. مشروع فقد بريقه، ولولا استعجال الرئيس ترامب غير المبرر، لما عاد قليلاً إلى الضوء، وبقي في فتراته الزمنية المحصورة ضمن حروب غزة، البعيدة عن القدس والضفة.


ومن غزة تلك، خرج الرئيس ياسر عرفات، وإن ولد في القاهرة، وأمس السبت كان عيد ميلاده التسعين- رواية أخرى أنه مضى مطلع الشهر الحالي- وطوال عقود من السياسة، سيطر أبو عمار على القضية، صبغها بشخصه، وربط مصيرها بحياته وخياراته. في حياته تقدمت قضيته خطوات معدودة، وبعد مماته لم تبرح مكانها.

عاش أبو عمار عبر شخصيات كثيرة في آن واحد؛ القائد العسكري المناضل، الزعيم العربي شاري الولاءات السياسية والإعلامية، الديبلوماسي المراوغ، أمير الحرب الأهلية، سائس عصابات الابتزاز السياسي والمالي، وكل تلك التناقضات جمعها في شخصية واحدة، ولا تنفي عنه سعيه لنصرة قضيته الفلسطينية، وحفاظه على وصايتها.

وفي بداياته السياسية ارتبط أبو عمار بمصر، حيث مولده وطفولته والنفوذ العربي الأعلى، وراهن عليها وكسب. فقد نجح الرئيس عبد الناصر في تحييد أحمد الشقيري، أول رئيس لمنظمة التحرير الفلسطينية، وفرض عرفات زعيماً على الفلسطينيين. لكن القائد الجديد للقضية عبث بعواصم العرب، واستدرجهم إلى معاركه الشخصية والسياسية خارج حدود أرضه المحتلة، وفقدت السلطة لفترات عدة قرارها، من القاهرة إلى عمّان، ودمشق وبغداد، وعندما تراجع نفوذ العواصم الساخنة، نقل القضية إلى الخليج، مستحضراً أن الكويت مهد انطلاقته السياسية بتأسيس حركة "فتح" مع رفيقيه أبي إياد وأبي جهاد، وآخرين. لقد حول الزعيم قضيته الصادقة إلى ورقة للعبث السياسي والتجاذب الإقليمي في الماضي والحاضر، فمن يسيطر على قرارها، يقبض بيديه على المزاج العربي. واليوم أصبحت القضية وسيلة لنشر الكراهية بين الدول والشعوب.

وتلك حقيقة لا يجب التغاضي عنها، أن القضية الصادقة وقعت في الماضي ضحية عصابات مارست إرهاباً، وفِي الحاضر فريسة سياسيين فسدوا مالياً. وشوه هؤلاء جميعاً نضال الصادقين، واسترخصوا دماء ضحاياها. ارتكب فلسطينيون تحت شعار النضال أعمالاً إرهابية بحق أهلهم والعرب، وجعلوا من بندقيتهم سلاحاً لتصفية الخلافات العربية. جماعة واحدة قادها أبو نضال ارتكبت 150 عملية إرهابية دموية ضد الخليجيين والعرب حول العالم، وجماعات أخرى تحت راية القضية خاضت حروب العصابات وتصفية قادتها، وكان دائماً أبو عمار أقل المستهدفين من مؤامراتها، وفي كثير منها مستفيداً سياسياً.

ولا شك أن للرئيس عرفات رمزية كبيرة لدى مواطنيه الفلسطينيين، لكن لا يعفي أنه عبث بمصائرهم ومصير القضية، وخاض في سنوات سلطته معارك داخلية كثيرة، وطالته الشبهات حول نهاية قادة نافسوه على الزعامة. في الثمانينات، شكل نائبه أبو إياد خطراً عليه بعد سنوات مديدة من المغامرات، وفي عام 1990 أخذ الرجلان موقفين مختلفين تجاه غزو الكويت، مهد حركتهم "فتح"، هادن أبو عمار الاحتلال، وعارضه أبو إياد، وقبل ليلتين من بدء عملية تحرير الكويت (كانون الثاني / يناير 1991)، اغتيل الأخير في تونس على يد حارس فلسطيني.

في حياته حكي كثيراً عن أموال الرئيس ياسر عرفات، والآن، مع عبور ذكرى ميلاده بصمت، وبعد مضي نحو 15 عاماً على رحيله الغامض، لا شيء ظهر منها، إذ تعيش أرملته في بيت صغير في مالطا، وانتقلت ابنتهما إلى حياة متوسطة في باريس. لقد صرف الزعيم الأموال على من حوله، وتزوج في الستين، وأبقى القليل لأرملة في نصف عمره، وبعض الذكريات عن قضية صادقه، لم تحاسب خائنيها، ولم تحاكم أخطاء تجاربها المديدة.