التصعيد الفلسطيني يبدد هواجس التهجير والتوطين

ماجد الشيخ |

بين تهجير الفلسطينيين وتوطينهم بعيداً من وطنهم التاريخي (فلسطين التاريخية) أكثر من وشيجة صلة واتصال. هكذا كان الأمر منذ بدايات النكبة الأولى، في مخططات كيان الاحتلال الاستيطاني الإسرائيلي المتواصلة منذ أكثر من 72 عاما وحتى اللحظة، كما في خطة ترامب – نتنياهو الحالية، الهادفة ولو على مراحل متقاربة للتخلص من عبء القضية الوطنية الفلسطينية، مرة عبر التهجير والتشريد، ومرات عبر محاولات التوطين الدؤوبة منذ خمسينات القرن الماضي، وحتى اليوم من خلال التركيز على وقف خدمات وكالة غوث اللاجئين وتشغيلهم "أونروا" في كل المناطق، وإنهاء حق العودة، في حين تجري اليوم العديد من محاولات تهجير سكان قطاع غزة والضفة الغربية، والتضييق على لاجئي لبنان وسورية لدفعهم للهجرة إلى بلاد بعيدة للتخلص من عبء اللجوء، وإن أمكن التخلص من عبء وجودهم على مقربة من وطنهم، ووأد حق عودتهم، مقدمة لتوطينهم عبر مغريات مالية يراد تقديمها للدول المضيفة.


ومع تسارع التنفيذ العملي لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، وتشجيع حكومة الاحتلال على التساوق معها، اضطرت وسائل الإعلام الإسرائيلية الناطقة بالعبرية، إلى نشر المزيد من التفاصيل المتعلقة بالدفع نحو تشجيع مخططات تهجير الشباب من غزة إلى الخارج ودعمها، في وقت أفاد أحد الوزراء الإسرائيليين بأن نقاشا مكثفاً يجري في خصوص المساعدة على عمليات التهجير، وأن حكومة نتنياهو تواصلت مع قادة أوروبيين وغيرهم لتسهيل مثل هذه العمليات عبر رحلات منظمة، إلى حد الإشارة إلى أنها تدرس فتح مطار في الجنوب في محاذاة قطاع غزة لتسهيل رحلات تهجير منظمة إلى دول مستعدة لاستقبال أفراد هذه الرحلات وتوطينهم فيها.

من ضمن الخطوات العملية التي تلاقي فيها إسرائيل الإعلان عن الخطوات التنفيذية لخطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب، قبل أو الانتخابات الإسرائيلية بعدها، ما كشفته صحيفة "يديعوت احرونوت" العبرية في التاسع عشر من شهر آب (أغسطس) الجاري، من أن إسرائيل تدرس موضوع تسهيل سفر سكان قطاع غزة إلى دول في الخارج. ونقلت عن مصدر سياسي قوله، إن إسرائيل مستعدة لتشجيع السكان الفلسطينيين على مغادرة قطاع غزة، بل إنها مستعدة لترتيب حركة مغادرتهم، وفتح أحد مطارات النقب، وترتيب سفرهم للخارج في حالة وجود دول لاستيعابهم. في وقت أفيد بأن هذا الموضوع سبق أن تم طرحه على الكابينت مرات كثيرة ، وتم مناقشته مع دول عربية عدة، ولكنه لم يلقَ موافقة حتى هذه اللحظة. كما نقلت القناة الثانية العبرية عن مصدر سياسي قوله: إن إسرائيل تعمل على تشجيع الهجرة من غزة، ومن أجل ذلك مستعدة لافتتاح مطار خاص في الجنوب، هدفه نقل السكان من غزة إلى أي دولة مستعدة لإستيعابهم.

على المقلب الآخر، وعلى صعيد ما يجري في الضفة الغربية في الوقت الحالي، أفادت صحيفة "يديعوت أحرونوت" بأنها حصلت على تقرير أمني داخلي للأجهزة التابعة للسلطة الفلسطينية، يحذر من تدهور الأوضاع في الضفة الغربية، وانفلات الأمن، وتصاعد العمليات ضد الاحتلال الإسرائيلي، لافتة إلى أن التقريرالفلسطيني يرسم صورة مغايرة لمساعي التهدئة بين "حماس" وإسرائيل. وكشفت الصحيفة أن التقرير الذي تم وضعه قبل عملية قتل مستوطن (يديى دفير سوريك) قبل نحو أسبوعين، يعكس القلق في شأن استمرار الجمود السياسي والأزمة المالية في السلطة الفلسطينية، ليس فقط عند المستويات السياسية الفلسطينية ودوائر السلطة، وإنما أيضا داخل الأجهزة الأمنية.

ووفقا للصحيفة، توقع التقرير التصعيد الأمني الأخير في الضفة الغربية، وحذر من تدهور إضافي خطير قادم، من شأنه أن يضرب الاستقرار السائد حالياً، في حال استمرت الأزمة السياسية والاقتصادية في الضفة الغربية. ورسم واضعو التقرير "بروفايل" للشباب الفلسطيني بين عمر 16و 2 عاماً، باعتبارهم الفئة والشريحة التي يسود الاحتقان والغضب والإحباط في صفوفها، إلى جانب الخوف من المستقبل، وبالتالي فهي الشريحة الأكثر خطراً لجهة كونها الفئة التي يمكن أن يخرج منها من يقود التصعيد القادم.

لكن أبرز ما في التقرير، هو ذاك التحذير من انتفاضة، أو هبة شعبية وانفجار غضب شعبي بسبب تدهور الوضع الاقتصادي، مع الخوف من تبني نمط المسيرات الشعبية على الحدود مع قطاع غزة، إلى مسيرات غضب شعبي في داخل الضفة الغربية. وهذا ما جعل التقرير يرسم صورة مغايرة لمساعي التهدئة بين "حماس" وإسرائيل، ويشير إلى أن هذه المساعي تعزز الدعوات في الضفة الغربية إلى تغيير نمط التعامل "الهادئ" مع دولة الاحتلال، والذي لم يحقق للسلطة الفلسطينية على مدار العقد الأخير أي مكسب أو إنجاز، ما يدفع الجمهور الفلسطيني إلى تأييد نمط تعامل أكثر خشونة مع دولة الاحتلال، بفعل نجاح نمط المواجهة الذي اتبعته حركة "حماس" في إلزامها دفع ثمن مقابل استعادة الهدوء. ومن أبرز ما يشير إليه التقرير رصد حالة تطرف في المواقف داخل تنظيم حركة "فتح" وارتفاع الدعوات للعودة إلى الكفاح المسلح ضد إسرائيل.

وعلى رغم هذه الأوضاع شبه الكارثية، وفي ظل الإحباطات والحضور الطاغي لمسلسل مخططات التهجير غير المنسقة أو المنظمة، وغياب قيادات كفاحية منظمة، لم نعد نجد من يعترف بالحقائق أو بالمسؤولية عما يجري، فكل طرف من أطراف الكارثة الوطنية يزيح عن كاهله المسؤولية، ويضعها على كاهل الطرف الآخر، وهي مسألة تعادل الهروب من المعركة، وتخلي قياداتها عن مهامها التحررية، وعن الشعب الفلسطيني الذي لم يعد يعرف خلاصه إلا بشكل فردي، وبعيداً من مسلكيات الروح والقيادة الجماعية التي وسمت منظمة التحرير منذ البدايات، الأمر الذي لم يعد له من أثر يذكر في سرديات الحركة الوطنية، الآخذة في التفكك والتشرذم، وتكريس انقسامات سياسية وجغرافية، وابتعادا من روح التحرر الوطني وأهدافه العليا. وفي انتظار التصعيد القادم، تبقى هواجس التهجير والتوطين، لعبة من يفتقدون أي مهمة كفاحية، ترد كيد القوى المعادية، وتضع حدا للاستسلام المخزي، لصفقة من أحط الصفقات التي تتعرض لها قضية الشعب الفلسطيني الوطنية.