الشاعرة مارينا مارا: إيقاعات الـ "راب" تنساب في ثنايا الشعر البرازيلي

الشاعرة البرازيلية مارينا مارا ("الحياة")
برازيليا - مختار سعد شحاته |

تعيش البرازيل حياة أدبية زاخرة، يعود معها الاهتمام الرسمي بالشعر إلى الواجهة، ضِمن دعم ملحوظ من جانب وزارة الثقافة البرازيلية، للأدباء والفنانين، باعتبارهم عناصر أساسية في القوة الناعمة التي تعد سلاحاً لا يُستهان به، في ظلّ عالمنا المعاصر شديد الاستقطاب.


وفي هذا الإطار التقت "الحياة"، في برازيليا، الشاعرة مارينا مارا، الناشطة في المجال "النسوي" ثقافياً وفنياً، علماً أنها دُعيت العام الماضي لتحل ضيفة على "مهرجان طنطا الدولي للشعر" في مصر، لكن حالت ظروفها الشخصية دون حضورها.

* بداية هل لك أن تحدثينا عن ظروف دعوتك للمشاركة في "مهرجان الشعر الدولي في مدينة طنط" في شمال مصر؟

- جاءت دعوتي للمشاركة في مهرجان الشعر الدولي في طنطا كهدية رائعة، ومن دون أدنى شك هي علامة فارقة في مسيرتي ككاتبة وشاعرة. بعد استلام الدعوة؛ بدأتُ في الاطلاع على تاريخ مصر والعالم العربي. شعرتُ بالفخر لأنني سأكون موجودة في هذا المكان المدهش. كنت سعيدة للغاية وفي غاية الحماسة لهذه الفرصة الاستثنائية، إذ أعتقد أن المؤتمرات واللقاءات الأدبية مهمة للغاية، لأنها توفر تبادلاً غنياً بين الجمهور والشعراء، لكن لظروف تتعلق بعملي لم أستطع تلبية الدعوة.

* إذا أردت أن تلخصي المشهد الثقافي البرازيلي وخصوصاً موقع الشِعر فيه، ماذا تقولين؟

- تعيش الساحة الأدبية والشعرية في البرازيل اليوم ظاهرة مثيرة للاهتمام، وتتمثل في تلك المشاركة النشطة من جانب المعنيين بالحركة الثقافية سواء في المعارض الأدبية وفي اللقاءات الفنية الثقافية المنتجة في مجتمعاتهم المحلية. والحقيقة أنه بعد ظهور الـ"RAP" وإيقاعاته المختلفة، تأثرت القصيدة البرازيلية به، ما ساعد الكثير من الفنانيين المهتمين بالشعر والموسيقى على كسب أرضية جديدة في الساحة الأدبية، إذ حوّلوا كلمات الأغاني إلى قصائد احتجاجية. وهذا جعل تلك اللقاءات الأدبية والمعارض الفنية التي كانت محصورة في منطقة وطبقة اجتماعية معينة (الطبقة الوسطى) والنخبة المحلية تفسح المجال الآن أمام الفنانين والنشطاء الذين من خلال كتاباتهم تمَّ تسليط الضوء على قضايا تشغل البرازيليين؛ مثل العنصرية والمثلية الجنسية والنسوية، من بين قضايا أخرى كانت من قبل جزءاً من المحرمات في هذه الأماكن.

*الجمهور المهتم بالشعر الفصيح في مصر قليل، لكن ينتشر شعر العامية، فهل الأمر كذلك في البرازيل؟

- يجب أن نشير عند الحديث عن الشعر الشعبي في البرازيل إلى أن الموسيقى البرازيلية تلقى شهرة كبيرة في مختلف أنحاء العالم بسبب جودتها وإمكاناتها الإيقاعية المتنوعة. ولكن في الأدب والشعر بالتحديد تختلف الأمور. فعلى رغم أن لدينا شعراء وكُتَّاباً لهم ثقل أدبي عظيم، إلا أنه للأسف ليس هُناك انتباه إلى ذلك خارج البلاد. يبدو أنها أزمة عالمية (تضحك). لقد ترجمت أعمال الكاتب جورجي أمادو إلى أكثر من 50 لغة وبعتباره رمزاً مهماً في الأدب البرازيلي، لكن ينبغي الانتبها إلى أنه من مواليد العام 1912. هناك فترة زمنية لاحقة أراها مظلمة في شكل ما. لدينا الآن جيل يقدم كتابة جيدة والإنترنت ساعد على انتشاره داخل البرازيل وخارجها.

*القصائد الشعبية البرازيلية متهمة بأنها مباشرة وغير عميقة، وفي الناحية الأخرى ينظر البعض إلى قصيدة النثر بشيء من التحفظ... ما رأيك في ذلك؟

-تتمتع البرازيل اليوم بمشهد أدبي غني ومتنوع، ما بين العمق والمباشرة. ينتشر الشعر أساساً في أطراف البرازيل، وباتت قصيدة النثر تحظى بتقدير ملحوظ. وهنا يجب أن أُشير إلى أنه غالباً ما تكون قوة الخطاب أكثر أهمية من جماليات القصيدة، أي على عكس ما يتوقعه النقد الأكاديمي.

*تقولين إن للموسيقى تأثيراً مهماً على شكل القصيدة الشعبية ومضمونها، كيف تفسرين ذلك؟

-الأغاني البرازيلية، التي تم إنتاجها قبل الغزو الأميركي للإذاعة ووسائل الإعلام الأخرى، انطوت على شعر نقي. عرفت الساحة البرازيلية ملحنين ومطربين مثل تشيكو بوارك، ميلتون ناسيمنتو، ماريا بيت عنيا، باولينيو دا فيولا، وهم أيضاً شعراء مبدعون. الإيقاعات والألحان أثرت بالتأكيد ولا يزال هذا التأثير موجوداً في الكتابات الشعرية.

*لماذا يلجأ الشعراء الذين يكتبون باللغة الفصيحة إلى الشعر الشعبي؟

- أظن أن الشعر الذي أكتبه أكثر شعبية من كونه شعراً فصيحاً. على رغم أنني أقدر قصائد كثيرة من ناحية اللغة وعمقها الجمالي، إلا أنني أقدر أيضًا الطلاقة والفهم السريع للكلمات. وفي كثير من الأحيان يكون إيقاع قصائدي أقوى من الكلمات المختارة. وفي ظنّي؛ الشعر هو شكل قوي من أشكال التعبير، ومع ظهور شبكة الإنترنت والتعرف إلى اللغات والثقافات المختلفة، شعرت بالدافع القوي إلى الكتابة في شكل جيد، ومن ثم تحررت من الشعر الأكاديمي الفصيح، وأصبحت أكثر ميلاً إلى أن يخرج شعري من القاعات إلى الشوارع، مع لغة أكثر يسراً وأساليب أقل تعقيداً، فهناك حاجة ملحة للكلام يجب أن تُلبى.

*هل يستطيع الشعراء تغيير العالم"؟

- (تبتسم) دعنا نتكلم بصراحة، لا يمكن للشعراء أن يغيروا العالم، لكنهم يستطيعون أن يحفزوا الناس ويساعدوهم على تغيير نظرتهم إلى العالم.

*غالباً ما تدور معارك أدبية حول قيمة النص المكتوب، لا سيما بين الشعر الفصيح والشعر الشعبي، فهل تعرف البرازيل هذه المعارك؟

- نعم، البرازيل اليوم لديها الكثير من المعارك الأدبية، تعرف باسم Slams وهي كانت لعبة البطولات الأكثر شعبية في البرازيل في أوائل الثمانينات عندما اكتسب الشعر الشفاهي مساحة معتبرة في الحانات والبارات. اليوم، ترتبط هذه المعارك ارتباطاً كبيراً بالراب في البرازيل، ما يجعلها أكثر شعبية بين الشباب، بخاصة في المناطق الشعبية.

*مَن ترينه الأشهر بين مَن يكتبون الشعر الشعبي في البرازيل؟

-يعتبر أساري باتاتيفا أهم شاعر شعبي في البرازيل. وعلى رغم أن باتاتيفا لم يدرس رسمياً، إلا أنه حقق إيقاعاً ومقياساً غنياً وغريباً في قصائده، إذ كانت التهجئة "الخاطئة" لبعض الكلمات تعتبر أسلوباً وليس خطأ. كان عبقرياً إيقاعياً.

*كيف يتم تقديم الشعراء في وسائل الإعلام البرازيلية؟

- يتم تقديمهم باعتبارهم مجانين، يستحقون التقديس. يعيش الشعر مرحلة جيدة في البرازيل الآن، وخصوصا شعر الاحتجاجات التي تعبر عن الأقليات.

*هل تسبق الموسيقى الشعر في البرازيل من حيث الاهتمام الرسمي والشعبي؟

- دعني أطلعك على شيء ما. أنا أكتب الشعر منذ أن كنت فتاة مراهقة. والحقيقة في تلك الأيام الخوالي لم يكن هناك مثل هذا الرابط بين الراب والشعر كما هو الآن، وكان مرتبطًا أكثر بوجود الشعراء الجائلين والحفلات الغنائية، والممثلين. وعندما بدأت أكتب الشعر، لم أكن أتخيل أنه في يوم من الأيام سوف أقرأ قصائدي علانية. وأما اليوم، فمن الشائع جداً أن يبدأ الشعراء حياتهم الأدبية المرتبطة بالفعل بالموسيقى الإيقاعية. في أي حال من الأحوال، لم يكن ذلك مخططي كشاعرة، إنما جاء ذلك بعد الوقوف على المسرح والإيقاعات المصاحبة للوقوف على خشبة المسرح كشاعر.

*من الشعراء الذين تنصحين بقراءة أعمالهم؟

- أظن هناك مجموعة مناسبة جداً للقراءة منهم، مانويل دي باروس، أنا كريستينا سيزار، هيلدا هيلست، يوكانا فيراز، سيرجيو فاز، مارسيلينو فريري. (تبتسم) ولا تنس مارينا مارا.

* ما أحدث مشاريعك الشعرية والأدبية؟

- في عام 2017 أصدرتُ كتابين؛ أحدهما بعنوان: "المهنة شاعر"؛ والثاني عنوانه "تجديف"، يضم نصوصاً تناقش قضايا النسوية منذ عقد وحتى اليوم. والعام الماضي ساهمت في إطلاق تطبيق "خريطة الشعر في البرازيل"، والذي أعتبره مشروعاً هائلاً بالنسبة لأولئك الذين يهتمون بالشعر. أتمنى أن تتاح لي قبل أن ينتهي العام الحالي فرصة جديدة لزيارة مصر.