جدلية الفكرة والشيء في فكر مالك بن نبي

عمر مسقاوي * |

في بلد نامٍ، يفرض الشيء طغيانه بسبب ندرته. وهنا، تنشأ عقد الكبت والميل نحو التكديس الذي يصبح في الإطار الاقتصاد إسرافا محضاً. أما في البلد المتقدم، وطبقاً لدرجة تقدمه، فإن الشي يسيطر بسبب وفرته وينتج نوعا من الإشباع وهو لذلك يفرض حينئذٍ شعوراً لا يحتمل بما يرى كثيراً هنا وهناك من الأشياء فيعمد إلى هروب.


المجتمع المتقدم يتفاعل مع الكلف بعالم الأشياء الذي لا يملكه، أما المجتمع المليء، فإنه يتفاعل مع وساوس هذا العالم. ولكن مع هذين الإنفعالين فإنهما يواجهان الداء ذاته فالشيء يطرد الفكرة من موطنها حين يطرجها من وعي الشبعان والجائع معاً.

هنا ينتقل بن نبي للحديث عن صراع الفكرة الوثن. فالمجتمع يمر أحياناً بعمر معين أو إثر حادث ثقافي حين يشرع في تهيئة أفكاره وتحديد أحكامه طبقاً لمعايير تنمو بها العلاقة بين الفكر والشخص، فيميل نحو هذا الأخير أضراراً بالفكرة وفي هذه الحالة يصبح لدينا خلل في التوازن الثقافي تولد فيه المغالاة.

الجاهلية قبل الإسلامية نُسب إليها الجاهلية على رغم تقدم بيانها الشعري لأن علاقاتها المقدسة لم تكن مع أفكار مجردة بل متلبسة بالأوثان.

ننتقل إلى الحديث عن أصالة الفكرة وفعاليتها، فكل فكرة أصيلة لا تعني فاعليتها كما أن الفكرة الفعالة ليست بالضرورة صحيحة، فالأصالة ذاتية وعينية وهي مستقلة عن التاريخ وهي تحتفظ بأصالتها حتى حين تفقد فاعليتها إذ أن لفعالية الفكرة تاريخها الذي يبدأ مع لحظة أرخميدس حين يأتي دفقها لتهز العالم وليس بالضرورة ان تكون هذه الأفكار اصيلة إذ تاريخها لا يعتمد على خاصيتها الذاتية. ومن هنا فإن الفعالية تقودنا إلى علاقة الأفكار وديناميكا المجتمع أي اختيار الفاعلية اولاً في تحقيق أفكارنا.

في عصر الإنتاجية، لا يكفي ان نقول الصدق لنكون على حق. وليس من الحكمة اليوم ان نقول 2+2 = 4 ثم نموت جوعاً وبحوارنا من يقول تساوي 3 ومع ذلك يضمن لنفسه لقمة العيش. والمجتمع الإسلامي مدعو لأن يستعيد تقاليده العليا ومعها حِسُ الفاعلية. فمن أجل أن يثبت العالم الإسلامي بأن أفكاره صحيحة بمنطق العصر، لا توجد غير طريقة واحدة هي إثبات قدرته على تأمين الخير اليومي لكل فرد وهذا المسار يتطلب في النهاية ارتباط الأفكار بالاطراد الثوري.

الأخطاء الملازمة والأخطاء المولدة

بعد أن استعرض بن نبي الاطراد الثوري وتجاربه في المجتمع الإسلامي والمجتمعات الأخرى يشير إلى نوعين من الأخطاء تختص باطرادنا الثوري. الأخطاء الملازمة ــ الأخطاء المولدة لكن أسبابهما واحدة. إنها تكمن في نفسيتنا. إذ أن فكرنا خاضع لطغيان الشيء والشخص. وهنا، سيختفيان عندما تستعيد الأفكار سلطانها في عالمنا الثقافي حينئذٍ فإن محاكمتنا للأمور بصفة عامة تأخذ أو تسترد طابعها المنهجي المٌعَمَّم والذي يستطيع أن يصهر بدفعة واحدة عديداً من التفاصيل في كٌلِّ مُوَحِّد وان يصبها في تركيب متآلف. فالنزعة الذرية هي قفزة البرغوت من تفصيل إلى تفصيل بحيث لا تسمح أن ترى في مجموعة من التفاصيل المعطاة وضعاً يبرز بالتحديد مشكلة مرحلة من الاطراد الثوري.

الأفكار والسياسة

انتقل بن نبي من الاطراد الثوري إلى الحديث عن الأفكار والسياسة باعتبارها المظهر الفعلي لمعنى الاطراد الثوري. وينقل عن كلوزفتر مقولته الشهيرة: "الحرب هي استمرار للسياسة بوسائل اخرى ويقول بأن تعريف كلوزفتر يعني أنه يدخل السياسة في نظام تمثل فيه الأفكار التي تُسَيِّر الحرب بنية فوقية في مقابل بنية تحتية مؤلفة من الأفكار التي تشكل هيكلية المذهب السياسي. ويشير بهذا الخصوص إلى قيام ابو بكر الصديق رضي الله عنه بإرسال ثلاث جيوش للحرب: في الجزيرة العربية واثنين في معركة على الحدود. لكن قوة الجيش كانت تتمثل بالثقة في هذه القاعدة السياسية التي كانت تؤمن ما توفره للجيش وهم الصحابة الذين بقوا في المدينة.

ويورد المؤلف في هذا الخصوص هذا المثل المشهور من التاريخ القديم وهو جواب كونفتشيه حين سأله تلميذه عن السياسة؟ فأجابه: على السياسة أن تؤمن أشياء ثلاث:

• لقمة العيش الكافية لكل فرد.

• القدر الكافي من التجهيزات العسكرية.

• القدر الكافي من ثقة الناس بحكامهم.

سأل تسي تونغ: إذا كان لا بد من الاستغناء عن أحد هذه الأشياء الثلاثة فبأيهما نضحي؟ وأجاب الفيلسوف "بالتجهيزات العسكرية".

وإذا كان لا بد أن تستغني من أحد هذين الشيئين؟ فقال: "نستغني عن القوت لأن الموت كان دائما هو مصير الناس ولكنهم إذا فقدوا الثقة لم يبق أي أساس للدولة". فالمدينة المسلمة ليست حشداً مزيجاً من طوائف اجتماعية مختلفة، بل هي بوتقة جماعية وحدتها الثقة المتبادلة بين سائر أفرادها محكومين وحاكمين. ولكي تسير بالتاريخ فإن مشكلة المتغير عن المسار تتصل بازدواج اللغة، فالسياسة لا بد لها أن تكون أخلاقية ـ جمالية ــ علمية من أجل ان تسير باتجاه التاريخ .

ازدواج اللغة

أرسى الاستعمار ظاهرة من الظواهر المتصلة بالهياكل الاقتصادية والاجتماعية والإدارية في البلاد المستعمرة وهي ظاهرة "ازدواج اللغة" التي تتعلق بالبنى الثقافية والعقلية في الأفكار وحتى البلاد التي لم تعرف الحضور الإداري والعسكري للغرب فإنها لم تسلم بقليل أو كثير من ازدواج اللغة. ففي مصر، حيث اللغة الأجنبية المنافسة هي اللغة الإنكليزية وهي تؤثر في زاوية معينة من العمل الفكري يمكن أن نضعها في جانب كنموذج لبلد لدية مشكلة ازدواج لغوي جامعي. لكن، في الجانب المقابل، يمكننا أن نعرض الجزائر كنموذج آخر يعرض اللغة المنافسة فيه الفرنسية وهي هنا لا تستوعب فحسب حاجات العمل الفكري بل الحاجات العادية للحياة اليومية وإذن فلدينا هنا مشكلة ازدواج لغوي شعبي.

هنا، إن النتائج الاجتماعية ليست أبداً واحدة، إذ أن ازدواج اللغة مُفَجِّر يعيق الحركة الثقافية للعالم الثقافي حيث المعاني الواردة من ثقافة أخرى مترجمة بقليل أو كثير من الأمانة فالأفكار المطبوعة التي ليس لها أي صدى ولا حوار مع الحياة ولا تأثير على مجراها سوف تسْدُر في إنتاج افكار يكتنف مقاصدها بشيء من الغموض يعود لأصلها المزدوج.

حينما كتب الشيخ محمد عبده "رسالة التوحيد" مستلهماً تلك الكلاسيكية القديمة، افتتح بالطريقة التي كتب بها الرسالة كلاسيكية جديدة، لكنه عبر ازدواج اللغة. ويلاحظ أن الأزهري القديم علي عبد الرزاق، الذي أصبح خريج "أكسفورد"، لم يصل تحرره من الكلاسيكية لمجرد تجديد نمط جديد بل تجاوز ذلك إلى التخلص من منهج الأصل الإسلامي. من هنا، فإن الانشقاق الذي أدخله ازدواج اللغة في العالم الثقافي للبلد الإسلامي ليس فقط ذا طابع جمالي بل إنه ذو طابع أخلاقي وفلسفي. ذلك أن افتقاد الأفكار الأصيلة من ناحية وافتقاد الأفكار الفَعَّالة من ناحية أخرى جعل الشعب الجزائري يراوح مكانه ولا يتقدم. إذ أن البلاد لم تعد تحوي نخبتين وإنما مجتمعين متراكمين أحدهما يمثل البلاد التي وُجُهها تقليدي وتاريخي والثاني يريد صنع تاريخها من الصفر. وهكذا، انقسمت البلاد إلى عمودين يحمل كل منهما أفكار ما بعد الموحدين أي المجتمع الذي أصبحت أفكاره المطبوعة في عامود في حالة تشوش كفيلم اسطوانة مسحت مع الزمن حتى لا تجد عليها بواعث الحياة. وفي العمود الآخر، تجد الأفكار الموضوعة لا تعبر عن شيء كإسطوانة لم تحتفظ بأثر سوى أنغام انفصلت عن أفكارها الأساسية التي بقيت على إسطوانة عالم ثقافي وبالتالي فإن الأفكار الموضوعة تمثل مادة ثقافية عاجزة عن توفير طريق عملية فَعَّالة.

فيما يختص بالتعبير عن فكرنا باللغة الأخرى، فإنه يكتسي مظهر الجهل الكامل بالثقافية الوطنية إذا لم يكن مجرد خيانة لها. على سبيل المثال، نرى قراءة هذه الخيانة في أول جملة من كتاب بعنوان: "فن العمارة بالجزائر" حيث دون مايلي: "في الماضي كان يطلق على المهندس المعماري اسم: معلم البناء، وكان يُدعى لبناء القصور والمعابد والكنائس والأبنية الدفاعية" فقائمة المصطلحات المعمارية التي وردت في هذا الكتاب أغفلت عمارة المسجد بينما المسجد مصطلح عيني في فن العمارة الإسلامية.

أقل ما يمكن قوله هنا إن ازدواج اللغة يمكن أن يتولد عنه نتائج تتعارض كلياً مع الثقافة الوطنية.

إن ازدواجية اللغة حملت وفي وطابها نتيجة الأفكار المَيّتة من ناحية والأفكار المُميتة من ناحية أخرى. فقد أشار بن نبي إلى حادثة أورثت حواراً اعتبره نموذجاً للأفكار الميتة والأفكار المميتة، إذ مر الشاعر شوقي في باريس ونظم قصيدة في مدحها أثارت نقاشاً حولها فأراد أحد خريجي "جامع الزيتون" أن ينتقد القصيدة لأنها مَجَّدت تفسيراً لتلك الثقافة الغربية التي أفسدت 90 في المئة من النخبة المسلمة بإدراك منهم أو بغير إدراك.

لم يكن في هذا التوتر رأيهُ الشخصي بل الرأي الذي تكون في عالم ثقافي تجاوزت في داخله أفكار منسلخة عن جذورها. وهي بالتالي ميتة مع أفكار أخرى استوردت بصورة سيئة من الخارج من عالم ثقافي آخر تركت جذورها فيه فأضحت مُميتة.

ذلك أن الميزانية التاريخية للأفكار التي قتلت مجتمع ما بعد الموحدين، تشكل أيضا الديون التي تخلفت عن نهضة المجتمع الإسلامي. وهو لم يتخلص منها بعد وهذه الأفكار لم تر النور في باريس ولندن ولكن في فاس والجزائر وتونس والقاهرة... إلخ.

في الواقع، هناك رابط مستقر بين الأفكار الميتة التي انتهى زمانها والأفكار المميتة التي تمتص بالأفكار المميتة من جهة أخرى. ذلك أن ما يحدد خيار النخبة ليس مضمون الثقافة الغربية، بل مضمون الوعي في عالم ما بعد الموحدين الذين حدد خياراً بإرادة أو بغير إرادة لهذه النخبة فهناك خيار في الواقع لأن العالم الثقافي الغربي ليس كله مميتاً أذ أنه ما يزال يبعث الحياة في حضارة تنظم حتى الآن مصير العالم، فالعنصر المميت في الحضارة الغربية هو الذي يمثل نفايات الجزء الميت من تلك الحضارة. ومن هنا، انتقد الشيخ خريج الزيتون قصيدة شوقي بأنه "مدح باريس التي أرسلت إلينا المفاسد" لأنه يعبر في ذلك عن الترابط بين الأفكار المَيّتة التي استجلت مفاسد باريس ونفاياتها لأنها منذ البداية حددت خياراً هو نتيجة خروج الأفكار الموضوعة عن مدار الأفكار المطبوعة بحيث لم يعد لها مرجعية اتجاه. وهذا يتجلى بذلك الزائر لباريس الذي يبحث عن نفايات الحضارة الغربية، أو الطالب المجد الذي يحفظ نتاجها العلمي من دون إدراك أسرارها وروح البحث. فحين يتم توليف ذلك كله في العصارة الثقافية للمجتمع التي يمتصها، فإن هذا التعفن في ثقافة المجتمع هو الذي يخلط بينه وبين الثقافة الغربية. ويستشهد بن نبي هنا دائما بنموذج اليابان الذي استطاع ان يقتبس من أوروبا بما حفظ التناغم بين أفكاره المطبوعة وأفكاره الموضوعة الجديدة.

إن هذا التأصيل بين الأفكار المطبوعة والأفكار الموضوعة يوجب إدراك مساحتها في انهيار سائر مبادرات النهضة في عالم ما بعد الموحدين لذا عمد بن نبي في فصل أخير من كتابه "مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي" أن يتحدث عن انتقام الأفكار المخذولة وهنا يبدأ في تعريف الفكرة الميتة من المميتة.

أ - الفكرة الميتة هي التي بها خذلت الأصول حين انحرفت عن مثالها الأعلى ولذا ليس لها جذور في العصارة الثقافية الأصيلة.

ب - الفكرة المميتة هي الفكرة التي فقدت هويتها وقيمتها الثقافية بعدما فقدت جذورها التي بقيت في مكانها في عالمها الثقافي الأصلي.

والترابط بينهما يتلخص في ان الفكرة الميتة هي التي تستدعي الفكرة المميتة.

هذه العملية تنتجها حركة المجتمع حين يفقد توازنه الأساسي وارتباطه بمرجعية نموذجه. ومع استمرار فقدان معايير انتظام حركة المجتمع فإن الأفكار المخذولة تنتقم في النهاية إذا لم يبادرها الوعي والوقاية من الأفكار المميتة. ذلك أن المؤسسات التي لا تجد سندها في الأفكار تبدو محكوما عليها بالفناء وهذا ينحصر في العالم الثقافي.

فالتحولات في الإطار النفسي تعود إلى أديم الحياة في تحولات اقتصادية وسياسية. ذلك أن العامل النفسي يسبق العامل الاجتماعي. وهذا معنى قوله تعالى: "إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم". وقد ضرب بن نبي أمثلة في مسيرة التاريخ وهي المعيار في صعود الحضارة وحركة مسيرتها ثم انهيارها.

* نائب رئيس المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى ووزير لبناني سابق