في التراث ودوره النهضوي

تراث
أحمد حلواني |

من خلال دراستنا لتراث الأمة نستطيع أن نستخلص الصورة الصادقة لخصائص الشعب وطبائعه وطريقة تكوين اتجاهاته ومواقفه تجاه الأحداث التي يواجهها.


لذلك حرصت الشعوب على دراسة تاريخها في السياق الحضاري كما حرص الكبار على تدريس تاريخ الأمة قديمها وحديثها للأجيال الناشئة، وفي ذلك اعتداد بالأمّة وتأكيد بالانتماء لها وتشديد على تحقيق التواصل الدائم غير المنقطع بين الماضي والحاضر وبين الكبير والصغير. إنها طريقة في التعليم والتربية أكثر منها معلومات ومعارف فقط، لذلك كان التركيز دائماً على تدريس التاريخ الوطني للأمة قبل غيره من تاريخ الشعوب الأخرى، بينما كان العكس يجري في حال استلاب إرادة الأمة بالاحتلال، أو الانتداب، أو الحماية، أو الاستعمار، أو بالمنح الدراسية إلخ.......

فقد كانت أنظمة المستعمر تفرض مناهج لدراسة التاريخ تستند أساساً على تدريس تاريخها وإنجازاتها في محاولة لربط الشعوب المستضعفة بها، وتأكيد استلابها لهويتها الثقافية والقومية وهو ما نجحت به لدى بعض المجتمعات وأخفقت فيه لدى مجتمعات أخرى.

وفي أمتنا العربية نجحت وأخفقت في آن واحد، نجحت حين استطاعت تغريب ثقافة الكثير من كبار المتعلمين وربطهم بالثقافة الغربية ووضع منتوجات الثقافة العربية في سلّة التخلف والاحتقار، الأمر الذي اختطّته دول الغرب وشعوبها بجميع المناحي السياسية والاقتصادية والاجتماعية وهو ما يؤدّي بالضرورة إلى تبعية مطلقة للغرب، وبالتالي إلى نجاح الهدف الأساسي الذي هدف إليه الاستعمار الثقافي أو الاختراق الثقافي لأمتنا.

وإذا أردنا أن نستطرد في هذا المجال فإننا نستطيع القول إن هذا النمط من الثقافة هو الذي أعطى المشروعية للقطرية العربية بالمفهوم السياسي، إذ نُظر إلى الدول الأوروبية (التي تأسّست في أعقاب انهيار الامبراطوريات الأوروبية). على أنها المثال الذي يجب أن يُتبّع في الوطن العربي عقب انهيار الامبراطورية العثمانية فتم إفشال الثورة العربية، كما تمت المناورة على المفهوم الوحدوي العربي الذي كان يتركز على قيام دولة عربية وحدوية (فيديرالية أو كونفديرالية) حيث تم إنشاء جامعةٍ للدول العربية في إطار ضعيف لم يستطع أن يحقّق الطموحات الجماهيرية منذ إنشائه حتى الآن، كما تم إفشال مشاريع الاتحادات العربية الإقليمية التي تأسّست في أواخر القرن العشرين.

أما الجانب الآخر الذي أخفقت فيه مخططات الغزو الثقافي فهو الجانب المتعلّق بالتراث العربي والإسلامي، فالدراسات العربية الإسلامية كلٌّ لا يتجزأ من قرآن وسنة وتفسير وفقه وعلوم قراءات ولغة وقواعد وتاريخ حضاري بصفحاته الواسعة.

وهذا الجانب بالرغم من كل محاولات التحريف والتخفيف من أهميته بأساليب متنوعة بقي مُصاناً مُستقلاً له قواعده وأصوله ومنهجية دراسته وتدريسه، الأمر الذي كان يحقّق بالتالي تواصلاً دائماً يؤكّد هويّة هذه الأمة في ثقافتها العربية وأصالتها وحيويتها وقدرتها الدائمة على المقاومة والتجدّد من منطلق حقيقة أن الثقافة تبقى مُنشدّة إلى نشأتها الأولى حيث تستمد ّبعضاً من نسغها وحيويّتها، وهو ما ينفي انقطاع العلاقة بين التراث والحداثة، فكما الفكر الحداثي الغربي وصل بينه وبين الفلسفة اليونانية والفكر الديني عند أوغسطين أو لوثر وغيرهما لتأكيد مشروعية الحداثة، كذلك الفكر الحداثي العربي ببداياته الأولى مع ما سمي بعصر النهضة وفق الكواكبي وقاسم أمين والآخرين الكُثر أو المنشود والمأمول.

وعليه فإن دراسة التراث هي مجال هام لكل مواطن عربي حين تصيبه نائبةٌ وتحول بينه وبين أهدافه ومقاصده.

ومن هذا المنطلق فإن وحدة المشاعر بين أقطار العروبة التي يشدُّها التراث العربي بثقافته الواسعة تُؤكّد على أهمية فتح المجال أمام عمل وحدوي كبير يسترجع القوة والسيادة الكاملة ويقف سداً منيعاً أمام محاولات التدخل الخارجي، ويحقّق الطموح في مواكبة المعاصرة بثقة تحقّق لشعوب الأمة كلّ متطلبات التقدم والسيادة والبناء الحضاري المنشود.