قناة جزيرة الشيطان

سلطان الأصقه |

صدفة، هبط عليّ أحد الطيبين من روّاد ديواننا، ممن يتابع نشرات الأخبار وهو يحتسي الشاي، ويقرأ الصحف والمجلات فقط لا غير وهو يحتسي الشاي أيضاً، فيعتقد أنه «لا خلّا وبَقَّا»، إلى درجة أنه تأخذه أحياناً حالات من اللطف، ليعتقد أنه غدا محللاً سياسياً، فيكتب أحياناً كتابات أشبه بالمقالات المتواضعة ذات التحليل الذي يمتد إلى العصر «الحلمنتيشي».


مشكلة صاحبنا المحلل السياسي أنه ممن أدمنوا متابعة أخبار قناة الجزيرة، وتحليلاته كلها اجترارٌ لما يلوكه ضيوفها على شاشاتها.

فلما جاءت الحوادث الأخيرة، وكثر الحديث عن التحالف العربي وما يخوضه من حرب إعادة الأمل في اليمن، قفز بلا استئذان، وكوب الشاي في يده، ليقول: «لقد تفركش التحالف».

وسألته: من شاهدك يا أبا الحصين؟

فأجاب: قناة الجزيرة، بنشرات أخبارها الموثّقة المدعمة بالصوت والصورة، وبشهادة من يداوم على الظهور في شاشاتها من أهل اليمن أنفسهم.

قلت له: عندنا مثل يقول «يفوتك من الكذاب صدقٍ واجد»، وهذا منطبق إلى حدٍ بعيد على قناة الجزيرة.

وإذا به يهبدني برأيه في العبد المسكين، ليقول: طبعاً أنت لا تحب قناة الجزيرة، ولا تثق بأخبارها...

قلت: لا أحبها ولا أكرهها، على أنني أرى أنها ورم مزروع في جسمنا العربي المريض؛ هم مجموعة من العاملين في قناة الــBBC العربية التي كانت وما زالت تبث من لندن، واستيقظنا ذات صباح فوجدناهم بعجرهم وبجرهم رحلوا إلى قناة تسمى الجزيرة، تبث من بلد عربي شقيق.

يا أخي؛ هم ذاتهم الذين تربوا وتعلموا وتدربوا في الـــBBC البريطانية، كانوا يبثون سمومهم خارج حدودنا بلادنا العربية، فإذا بهم يبثونها داخل حدود بلادنا مع الأسف. لم يتسللوا أو يتخفوا، بل جاؤوا بطريقة مشروعة، قناة مصرّح لها بقانون.

وقد جاؤوا، يا حبيبي، بنمطٍ غريب تجاوز نمطية الإعلام العربي؛ منتهى الجرأة في اقتحام الشؤون الداخلية لبلادنا، وتحريض بين شعوبنا التي بُحَّتْ أصوات الصادقين ليجمعوا بينها. فإذا بالقناة تأتي لتفصم عرى الأخوّة، وتشرذم أي اجتماع بين دوله، وتنفخ في نار الفرقة بين أهله وأبنائه.

بمعنى أصح، هو ذاته شغل المخابرات البريطانية التي تدعم الـــBBC العربية من قبل، تحوّل إلى الآن لدعم قناة الجزيرة في بلد عربي شقيق.

فإذا به يهبدني للمرة الثانية، وكوب الشاي الثاني بين يده وفمه وحدقتا عينيه تتسعان بقوة، ليقول: الله أكبر، جعلتها مخابرات بريطانية...

ثم اتسعت حدقتا عينيه أكثر وكوب الشاي قريب من فمه، ليقول متعجباً، وربما ساخراً: BBC العربية مشعل التنوير قديماً، صارت مخابرات!!!

ثم استدرك ليجعل له خط رجعة، فقال: نعم صحيح، أحياناً كنا نسمع أن BBC العربية كانت تحرض على بلداننا، وحكامنا وحكوماتنا، لكن لا يصل بنا الحال أن نرميها بأنها مخابرات.

ثم أعطاني معلومة من «كيسه»؛ معلومة تجدها قديماً في مجلات الأطفال (على طريقة هل تعلم)... فقال لي: هل تعلم!!! أن قنوات الـــ BBC كلها مدعومة من كيس ضرائب المواطن البريطاني، لأنه يرى فيها عملاً وطنياً وأمناً قومياً... هذه هي الحقيقة يا مثقف يا متعلم.

قلت له: يا عزيزي، قنوات الــ BBC1، وBBC2، وBBC3، وBBC4، كلها مدعومة في جزء كبير منها من حصص ضرائب المواطن البريطاني.

أما BBC. W. S فهي تُدْعَم من قبل ميزانية الخارجية البريطانية؛ لأنها الجهة المروجة للوجه البريطاني المراد للشعوب الأخرى أن تراه على أساس أنه الوجه الرسمي لبريطانيا التي كانت عظمى.

أما بالنسبة لأخواتها الــ BBC الناطقة بكل اللغات غير الإنكليزية، ومن ضمنها BBC العربية؛ فهي تأخذ ميزانيتها من قبل Mi6 (وكالة المخابرات البريطانية)؛ لأنها تعتقد أن تلك القنوات تخدم أهدافها المخابراتية التي تنصب في النهاية في مصلحة أمنها القومي الخادم لأمنها الداخلي.

فجأة أخذ جهة الاستغباء، بعد أن غمز بعين واحدة على طريقة عبدالفتاح القصري، ليسألني: وما دخل قناة الجزيرة بالمخابرات تلك؟

قلت له: لا أقول إنها مخابراتية، ولكن من حقي أن أتساءل، لماذا رحل العاملون في القناة المخابراتية من بريطانيا، ليأتوا إلى الجزيرة في قطر؟

ثم إنَّ عرّاب القناة هنا، هو صهيوني حتى النخاع.. صهيونيّ له لسان عربي، جاء ولديه مشروع «نهقة»، سمّاه هو مشروع «نهضة»، يريد أن يغش بني بلدان الخليج العربي بهذه «النهقة»، فطبخها طبخة (مش ولا بد)، وجاء برجل يتزيا بزيِّ شيوخ الدين، يعتقد هذا الصهيوني أن الأمر سينطلي على أبناء الخليج لو أنه قدّم هذا الشيخ كمروّج لمشروع «النهقة»، لأنَّ هذا الصهيوني يرى في هذا الشيخ بأنه (حجر الزاوية) لتمرير مشروعه.

ما علينا؛ هذه القناة، أفردت لهذا الصهيوني مساحات شاسعة من المكان والمكانة في برامجها، وروَّجت له على أنه المفكر الحامل لمشروع النهضة العربي.

والقناة ترى، بحسب تخطيط عرابها صاحب النهضة (النهقة)، أنَّ لها مهمات محددة عليها أن تؤديها في دأب وإخلاص شديد للغاية؛ ومن أهم مهماتها أن تقدّم على قناتها أنموذج إسرائيل للشعوب العربية على أنها من الحقائق الواقعية واجب أن يرتضوا بها، فلا يكاد يمر يوم من الأيام إلا وتجد على شاشات مجموعة تلك القنوات أحد الوجوه الإسرائيلية، وفي الأغلب يكون أحد المسؤولين، أو أحد رجالات الإعلام هناك؛ يطل على شاشاتها وهو بكامل هندامه، وأسلوبه المنمَّق، يتكلم من داخل إسرائيل عن السلام وصداقة العرب ومودتهم. في المقابل يكون الضيف العربي أهوج الأسلوب، مقاطع للضيف الذي يلتزم الإنصات له رغم المقاطعة؛ فيظهرون العربي وكأنه (كما يريدون هم) ظاهرة صوتية أمام صوت العقل الإسرائيلي.

ثم هبدني صاحبنا للمرة الثالثة بعد أن أنهى كوب الشاي الثالث الذي أمامه ليقول: ولكن تلك القناة ربما كان لها مخطط سلام حقاً تسعى لإنفاذه، وهي بذلك تريد الخير لبلداننا، فلا تتهمها بأنها ذات مخططات تستهدف أوطاننا وحكوماتنا وشعوبنا.

أجبته: القناة من مهماتها التي لا يشك فيها من لديه أدنى حس من الوعي، أنها تسعى للهجوم على بلداننا وحكامنا من الألف إلى الياء، ولا يستثنون من الهجوم سوى حكومة الدولة التي تستضيفهم على بقعتها الجغرافية. فانظر أنت منذ بثت هذه القناة برامجها حتى يوم الناس هذا، هي تستهدف الكويت وتكيل لها الاتهامات يوم كان صدام في سدة الحكم العراقي، ثم استهدفت الكويت في الأيام السود بما يسمى الربيع العربي. وهي تستهدف السعودية بكرة وأصيلاً، وكذلك تفعل في مصر، وتثير قضايا البربر في المغرب، والبوليساريو في الصحراء الغربية... إلخ... إلخ... إلخ.

القناة عينها أعلنت مرة من المرات بكل صفاقة يوم أقيمت البطولة الرياضية لكرة اليد في الدوحة بمشاركة إسرائيل، أن انسحاب السعودية والكويت من البطولة بسبب المشاركة الإسرائيلية يظهر عدم ثقة البلدين بنفسيهما وتخلف عن ركب واقع العصر... هكذا بكل وقاحة والله.

فيا عزيزي، لا تصدق ما تأتي به تلك القناة حتى لو كان صدقاً، ولا تصدق أنها تريد لدول التحالف خيراً حتى لو أصبحت وأمست على إظهار نفسها بمظهر الناصح الأمين؛ فــــ:

إن الأفاعي وإن لانت ملامسها * عند التقلب في أنيابها العطب

اشرب الشاي (الرابع) يا عزيزي وقُمْ صلّ العشاء.