السياسة التركية بين استراتيجيتي "صفر مشاكل" و"العزلة الثمينة"

بشير عبد الفتاح |

ما بين شعاري "صفر مشاكل" و"العزلة الثمينة"، تتناقض السياسة الخارجية التركية حيال دول الجوار. فبينما تنطوي هاتان المبادرتان على إيحاء ظاهري بعدم التدخل في شؤون تلك الدول، لم تتوقف أنقرة عن اختلاق الذرائع لانتهاك ذلك المبدأ.


في ما يتصل بمبدأ "صفر مشاكل"، اقترح وزير الخارجية التركي السابق أحمد داوود أوغلو، منطلقات عدة؛ منها: التوازن في معادلة الأمن والحريات، سياسة خارجية متعددة الأبعاد، سياسة إقليمية استباقية ونشطة، أسلوب ديبلوماسي جديد وديبلوماسية إيقاعية. وبناء عليه، أقدمت أنقرة على مبادرات غير مألوفة في سياستها الخارجية من قبيل السعي لحل المشكلة القبرصية، وإنهاء العداء مع سورية، وتطبيع العلاقات مع أرمينيا، بالتوازي مع تعزيز العلاقات القائمة مع الدول الصاعدة في كل من آسيا وأميركيا اللاتينية وإفريقيا، في إطار ما أسماه أوغلو "الحد الأقصى من التعاون"، بكل ما ينطوي عليه من تفاهمات ورؤية للحوار والاندماج الإقليمي.

وانطلاقاً من حيلة "دس السم في العسل"، طوت سياسة "صفر مشاكل" في ثناياها نهجاً لا يخلو من نزعة تدخلية في شؤون دول الجوار. فبذريعة إضفاء بعد قيمي على تلك السياسة بحيث تبدو داعمة لمساعي التحول الديموقراطي في دول المنطقة، أطلقت أنقرة إبان ما كان يعرف إعلاميا بـ "الربيع العربي" في عام 2013، دعوة لتشكيل حكومات جديدة في الدول التي تشهد حراكاً جماهيرياً، بما يلبي مطالب مواطنيها في ما يخص الديموقراطية والتنمية، وذلك ضمن تحول سلمي تدريجي. ومن ثم، لم تتورع (أنقرة) عن إعلان دعمها النضال المشروع لشعوب المنطقة التي عملت من جديد على نيل سيادتها بما يعزز الاستقرار الإقليمي، انطلاقاً من رؤية مفادها أن إعادة بناء النظام الإقليمي تتطلب استجابة الأنظمة السياسية لمطالب شعوبها والمتمثلة في الحرية والكرامة والحوكمة الصالحة والحكم الرشيد، بما يساعد على إتمام الاندماج الإقليمي بعد اكتمال مرحلة التغيير السياسي الديموقراطي في المنطقة.

واستناداً إلى هذا الطرح، جاء الدعم التركي، إعلامياً وسياسياً واقتصادياً، لفصائل الإسلام السياسي في دول الاضطرابات العربية، كمصر وتونس وسورية والسودان واليمن، وفي القلب منها جماعة "الإخوان المسلمين" التي ترتبط بتناغم فكري وأيديولوجي مع حكومة "حزب العدالة والتنمية" التركي، في محاولة من نظام الرئيس رجب طيب أردوغان لمؤازرة تلك الفصائل والجماعات لانتهاز فرصة الفراغ السياسي الناجم مِن إسقاط الأنظمة التقليدية، مع ضعف وانقسام القوى السياسية المدنية، توطئة للقفز إلى سدة السلطة، وبما يتيح للرئيس التركي، تحقيق حلمه في استعادة السيطرة التركية على تلك البقعة من العالم، ليس من منطلق الخلافة هذه المرة وإنما من بوابة الإسلام السياسي، الذي يعلي مفهوم الأمة على فكرة الدولة الوطنية.

أما في خصوص استراتيجية "العزلة الثمينة"، فهي ليست نظرية سياسية من بنات أفكار منظر أو عالم سياسة رصين على غرار رئيس الوزراء الأسبق أحمد داود أوغلو، بقدر ما ترتكن إلى تعبير أطلقه الناطق باسم الرئاسة التركية، إبراهيم كالين، في عام 2011، عندما كان يشغل منصب نائب وكيل وزارة الخارجية، رداً منه على تحذيرات بعض المراقبين الأتراك من احتمالات انجرار تركيا إلى غياهب العزلة. وفي أعقاب الضربة القاصمة التي تلقتها قوى الإسلام السياسي المدعومة من تركيا في مصر وتونس في عام 2013، عاود كالين التبشير بفكرته، مؤكداً أنه حتى لو انجرفت تركيا إلى أي عزلة، فإنها ستكون "ثمينة"، أو "مفيدة"؛ على حد زعمه. بمعنى أنها ستتيح لتركيا تقليص وطأة انغماسها في الأزمات الإقليمية والدولية توطئة للتركيز على مشاريعها الداخلية بما يتيح لها بناء دولة قوية على الأصعدة كافة، بحيث تتمتع بنفوذ إقليمي بارز وحضور دولي لافت.

ومثلما انطوت سياسة "صفر مشاكل" على مظلة قيمية مهترئة لتبرير التدخل في شؤون دول المنطقة بزعم مؤازرة مساعي شعوبها لإقرار التحول الديموقراطي في ربوعها، ولو من خلال تقديم العون المالي والدعائي والعسكري للقوى السياسية المتأسلمة في تلك الدول، لم تخل استراتيجية "العزلة الثمينة"، وفقاً للرؤية الإردوغانية، من هوس بالتدخل الخارجي، سواء عبر إقامة قواعد عسكرية في شمال قبرص والصومال وقطر، أو من خلال القيام بأنشطة وهجمات عسكرية تنتهك سيادة دول كالعراق وسورية وليبيا، علاوة على تعمد تجاهل الأعراف والقوانين الدولية ورفض الاعتراف بالاتفاقات التي تنظم عملية الاستفادة من ثروات حوض شرق البحر المتوسط. غير أن اللافت في أمر استراتيجيتي "صفر مشاكل" و"العزلة الثمينة"، أنهما لم تقابلا بأي ترحاب من قبل دوائر تركية شتى. فكما توجست أوساط تركية عريضة خيفة من المآرب الدفينة لاستراتيجية "صفر مشاكل"، لم تتورع المعارضة التركية عن إبداء عدم ارتياحها لفكرة "العزلة الثمينة". وفي معرض انتقاده سياسات إردوغان في شرق البحر المتوسط، وتفاخره إبان تجمع لأنصاره بولاية أرتفين شمال البلاد بوجود سفن تنقيب تركية هناك، ترافقها فرقاطات عسكرية تركية أيضاً، رفض زعيم المعارضة كمال كليشدار أوغلو سياسات الرئيس التركي، التي زجَّت بتركيا في غياهب العزلة في شرق البحر المتوسط، منتقدا تسميتها بـ"العزلة الثمينة"، كونها لا تعود على تركيا بأية مغانم بقدر ما تلقي بها في أتون مشتعل من الأزمات والصراعات في محيطها الإقليمي، مثلما تضر بعلاقاتها المرتبكة أصلاً مع الحلفاء الغربيين. وفي سياق ذي صلة، أكدت صحيفة "جمهورييت" التركية قيام خمسة جنرالات في الجيش التركي، بينهم ضابطان مسؤولان عن نقاط المراقبة الاثني عشر في إدلب السورية، بتقديم طلبات للإحالة إلى التقاعد، احتجاجاً على قرارات أصدرها مجلس الشورى العسكري برئاسة إردوغان في ما يخص إدارة العمليات العسكرية التركية في سورية، والتي تمخضت عن تدهور الموقفين العسكري والسياسي لتركيا في الشمال السوري على خلفية الفشل في الموازنة بين تعزيز التقارب الحذر والتفاهم المرحلي مع موسكو من جهة، وترسيخ التحالف الاستراتيجي القلق مع واشنطن على الجهة الأخرى، كما أفضت إلى محاصرة نقطة المراقبة التركية العسكرية التاسعة في مورك في ريف حماة من قبل جيش الأسد، بدعم من روسيا وإيران اللتين توصلت معهما تركيا العام الماضي لاتفاقات خفض التصعيد، التي أنشأت تركيا بموجبها نقاط المراقبة العسكرية.


الأكثر قراءة في الرأي