هل ثمة توافق أميركي - إيراني يلوح في الأفق؟

فيصل العساف |

على سيرة الحديث عن إمكان عقد لقاء بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الإيراني، وضع كثيرون أيديهم على قلوبهم خشية تفاهمات قادمة، يخرج الخليج -والسعودية تحديدا- منها خالي الوفاض، "إيد ورا، وإيد قدام" على رأي المصريين. بالطبع لأولئك مبرراتهم التي تحترم، بالنظر إلى صدمة الاتفاق النووي الذي فتح لإيران أبواب العرب على مصراعيها، ومهد لها سبل الاستقواء، بتسييل أجزاء كبيرة من أموالها المجمدة بموجب عقوبات سابقة، وغضه الطرف عن انتشارها المفضي إلى القتل والترهيب، كان ذلك مقابل "إرجائها" مشروعها النووي إلى حين!

من جهتي، لا أشعر بالارتياب من جلوس الإيرانيين -فيما لو حصل- على طاولة ترامب، ولي مبرراتي أنا الآخر، والتي لم تعجب أحد المفزوعين، الذي شدد بأن علينا ألا نفكر كسعوديين، يقصد ألا نحلل المشهد السياسي بعواطفنا ونُغفل قدرات الإيرانيين التفاوضية. لكن في المقابل، ليس علينا أن نرى بعيون جندي في الحرس الثوري الإيراني، يعتقد أنه منصور بولي الإمام المسردب الفقيه! في المنتصف حيث الواقع، توجد منطقة رحبة للتفكير، بعيدا جدا من الأمنيات، ومن القلق الذي يتوشح صاحبه رداء نظرية المؤامرة حينا، والتشاؤم المبني على عدم الثقة حينا آخر، وفي كل الأحوال يرتدي نظارته السوداء.

في المنتصف، الذي تتوسطه رزانة السعودية التي يحتاجها العالم، بلا ثورة تصدرها، تحارب الإرهاب في يد، وفي اليد الأخرى تبني وتتحالف وتجذب رؤوس الأموال، يمكننا أن نقول وبالفم الملآن أن السعودية استعادت زمام المبادرة في أميركا من جديد، وقلبت طاولة نوايا الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما رأسا على عقب، يشهد بذلك انسحاب أميركا من الاتفاق النووي، ووقوف الإدارة الأميركية الفاعل إلى جانب السعودية في قضية جمال خاشقجي، أمام الهجمات المغرضة التي سعت بما أوتيت من ضجيج إلى استغلال ما وصفها ولي العهد السعودي بالجريمة البشعة، في تحميل الحكومة السعودية المسؤولية عنها زورا وبهتانا.


في هذا الإطار، علينا ونحن نفكر، ألا نتجاهل دعوة رئيس هيئة الأركان المشتركة الأميركية، الجنرال جوزيف دانفورد، إلى تشكيل تحالف عسكري بحري في مواجهة إيران، يحمي المياه الإقليمية في مضيقي هرمز وباب المندب، بمباركة بريطانيا جونسون. ثم أن علينا ألا ننسى "تهديد" وزير الخارجية الأميركي مايك بومبيو لرئيس الوزراء العراقي، أيار (مايو) الماضي، بخصوص تحركات الميليشات التابعة لإيران في العراق، ووعده إليه بالرد المباشر عليها دون الرجوع إلى بغداد، وفي هذا السياق علينا أن نقرأ الضربات الإسرائيلية المتلاحقة والموجعة لأذرع إيران في العراق أخيرا، والتي صمتت عنها إيران صمت القبور! وقبل هذا أو ذاك، علينا ألا ننسى الحصار الذي يخنق ملالي الشر في طهران، فرضه ترامب بلا هوادة أو تردد.

إيران مأزومة، وتريد الخروج من عنق الزجاجة بأي ثمن، تقدم رجلا ناحية (إعلان الهزيمة) بالجلوس إلى طاولة ترامب على هامش اجتماع الأمم المتحدة منتصف الشهر الحالي، وتؤخر الأخرى برجاء تعثره في الانتخابات الرئاسية المقبلة، وفي جميع أحوالها هي لا تعول على موقف فرنسا الداعم للحوار، إذ أن حبر مرافعة وزير الخارجية الفرنسي دومينيك دو فيلبان، في الذود عن العراق في مجلس الأمن 2003 لم يجف بعد، وإيران أكثر من يمكنه أن يخبر العالم بنتيجتها.

لا تفكر كسعودي، فكر -مثلا- كألماني، وستجد بأن طريق إيران مسدود مسدود مسدود، يا صاحبي المتوجس.