دوافع التوجه البريطاني غرباً وإشكالياته

حسين معلوم |

ما الدوافع البريطانية في التوجه إلى الغرب الأقصى؟ ولماذا تحاول لندن إعادة صياغة العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية؟ ثم، هل يأتي الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي ضمن هذه الدوافع؟ أم أن المسألة تتجاوز ذلك إلى دائرة أكثر اتساعاً، لتشمل تداعيات الأداء الباهت في التعامل مع أزمة احتجاز إيران إحدى ناقلات النفط التي ترفع العلم البريطاني؟ والأهم، هل تُمثل رئاسة بوريس جونسون للحكومة البريطانية، بما يحمله من نزعة انفصالية، بعيداً من أوروبا، دافعاً في التوجه إلى الولايات المتحدة وبناء علاقة "خاصة" معها؟

تساؤلات، تطرح نفسها في خضم ما تعيشه بريطانيا من حراك سياسي ومواجهات، تتوقف على نتائجها إعادة صياغة العلاقات مع أميركا وأوروبا والعالم؛ فضلاً عن إعادة تحديد ملامح "هوية" بريطانيا ورؤيتها لذاتها. ولعل انتخاب بوريس جونسون رئيساً لـ "حزب المحافظين" البريطاني، ثم رئيساً للوزراء، هو ما أسهم في الدفع بمثل تلك التساؤلات، وغيرها، إلى الواجهة؛ ليس فقط من حيث التوجه الذي يتبناه جونسون بإخراج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ولكن أيضاً من منظور الأزمات التي يواجهها سياسياً واقتصادياً، في الداخل البريطاني، وفي الخارج. فمن جانب، يواجه جونسون أزمة داخلية مركبة، سواء داخل "حزب المحافظين"، في شأن قيادته الحزب وسياساته، أو مع "حزب العمال" المُعارض، فضلاً عن رفض كثير من البريطانيين السياسة التي يتبناها بخصوص خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي "بريكزيت". ومن ثم، يبدو أن جونسون يواجه تحدي التزامه الانفصال عن الاتحاد، باتفاق أو من دون اتفاق "مهما كلف الأمر"، كما صرح أكثر من مرة؛ وهو، بهذا، يواجه أزمة النزاع البريطاني الداخلي بين من يُريدون البقاء في الاتحاد الأوروبي، ومن يُؤيدون الانفصال.

من جانب آخر، يواجه جونسون أزمة خارجية مركبة، سواء في ما يخص التزامه بتفعيل شعار "الانفتاح البريطاني على التجارة مع العالم"، خارج الحدود الأوروبية؛ أو في ما يتعلق بضرورة تسديد بريطانيا التزاماتها حيال شركائها الأوروبيين لدى خروجها من الاتحاد، المقرر في 31 تشرين الأول (أكتوبر) المقبل؛ إذ، في هذه الحال، سيكون على لندن سداد مبلغ 39 بليون جنيه (45.5 بليون يورو)، للاتحاد الأوروبي. ومن ثم، يبدو أن جونسون يواجه تحدي العواقب المحتملة، المرتبطة بخروج "غير منظم" لبلاده من الاتحاد؛ إذ، لا يمكن للقادة الأوروبيين تقديم تنازلات كبرى إلى بريطانيا، تخوفاً من أن يؤدي ذلك إلى تكرار السيناريو البريطاني من جانب دول أخرى داخل الاتحاد.


هنا، تتبدى بوضوح النقطة الرئيسة التي يلتقي عندها الجانبان؛ أي الخروج البريطاني من الاتحاد الأوروبي، باتفاق أو من دون اتفاق. صحيح أن بوريس جونسون يُراهن على التخوف الأوروبي من احتمال الخروج من دون اتفاق، تحسباً لإمكانية حدوث انقسامات بين دول الاتحاد؛ لكن يبقى من الصحيح، كذلك، أن الخروج، وإصرار جونسون على تنفيذه، يأتي ضمن أهم الدوافع في التوجه البريطاني نحو الولايات المتحدة الأميركية، في محاولة لإعادة تفعيل العلاقة "الخاصة" معها، من منظور أن المجال السياسي لبريطانيا هو المحيط الأطلسي، حيث تتمدد على ضفتيه الرابطة الأنغلوساكسونية.

ضمن الدوافع، أيضاً، يأتي الإحساس بالضعف الذي بدت عليه لندن في تعاملها مع أزمة ناقلات النفط؛ إذ، يكفي أن نلاحظ أن بريطانيا التي لم تستطع الدخول في مواجهة عسكرية في أي منطقة في العالم، منفردة، منذ حرب "فوكلاند" مع الأرجنتين في ثمانينات القرن الماضي، لم تستطع حماية السفن البريطانية من "القرصنة" الإيرانية. ووفقاً لصحيفة "الغارديان" فإن: "التعليمات التي أصدرتها الحكومة البريطانية للسفن بالابتعاد عن المضيق، هي بمثابة اعتراف منها بعدم القدرة على حمايتها".

والواقع، أن إفشال المسعى البريطاني، من جانب الفرنسيين، لتشكيل قوة أوروبية لحماية الناقلات في مضيق هرمز، بعيداً مِن الانخراط في تحالف عسكري مع واشنطن، هو ما دفع لندن إلى الانضمام إلى الجهود الدولية لحماية الملاحة، بعد موافقة واشنطن على تغيير اسم التحالف الدولي، وموافقتها، قبل ذلك، على تقديم الحماية العسكرية لناقلات النفط البريطانية في الخليج العربي.

ولا يفوتنا، هنا، أن نتأمل كيف تم جذب بريطانيا إلى جانب الولايات المتحدة الأميركية، عبر أزمة ناقلات النفط، من خلال المعلومات الواردة من واشنطن؛ إذ، من غير المنطقي ألا ترصد الأقمار الاصطناعية الأميركية ناقلة نفط عملاقة، بحجم تلك التي كانت تسمى "غريس 1"، ومن ثم، وجدت لندن نفسها في خضم أزمة الناقلات.

أياً يكن الأمر، فإن بريطانيا، التي تخوض معركة الانفصال الصعب عن الشريك الأوروبي، تحاول إعادة بناء مجالها السياسي من جديد، على أساس "تحالف" بريطاني - أميركي تلتقي فيه تيارات اليمين المحافظ على دفتي الأطلسي، ويكون مقدمة لقيادة "حلف أطلسي" وفق توجهات مختلفة. إنه "التحالف" الذي يمكن أن يتمدد، عبر موجات اليمين المحافظ في أوروبا، إلى إيطاليا واليونان، فضلاً عن بولندا وهنغاريا؛ ناهيك عن إسبانيا التي وصلت هذه الموجات إلى البرلمان فيها.

يبدو أننا نشهد في الوقت الراهن تحولاً مهماً له دلالاته على الساحة الأوروبية؛ ففي حين تتوجه الدول الكبرى في أوروبا إلى الشرق الأقصى، إلى روسيا والصين، تحت تأثير "الحمائية" الأميركية، تتوجه بريطانيا إلى الغرب الأقصى، إلى أميركا، بتأثير من تلاقي اليمين المحافظ في كل منهما.

وعلى رغم ذلك، تبدو في الأفق إشكاليات متعددة يمكن أن تُعكر صفو التوجهات البريطانية الراهنة.. منها إشكالية وحدة المملكة المتحدة، حيث اسكوتلندا وأرلندا الشمالية مع البقاء في الاتحاد الأوروبي؛ ومنها إشكالية الخسائر الاقتصادية المحتملة التي يمكن أن تتعرض لها بريطانيا جراء الخروج من الاتحاد.

إلا أن أهم الإشكاليات التي تهمنا، نحن العرب، هو تأثير ذلك كله على القضايا العربية، وفي القلب منها القضية الفلسطينية، خصوصاً بعدما صرح الرئيس الأميركي أنه سيُعلن "خطة السلام"، التي صاغها مستشار البيت الأبيض، جاريد كوشنر، بعد الانتخابات الإسرائيلية المقررة منتصف أيلول (سبتمبر) المقبل.


الأكثر قراءة في الرأي