إشكالية "الثقافي" في فكرنا القومي

كرم الحلو |

هل العرب يشكلون أمة واحدة؟ وإذا كانوا كذلك فما الذي يجمعهم ويشكل المقوم المركزي والأساسي لوحدتهم؟ هل هي اللغة والثقافة أم الدين أم الجغرافيا أم التاريخ أم الاقتصاد أم تضافر عامل أو أكثر من كل هذه العوامل؟ أم أن هذه العوامل مجتمعة هي الأسس التي يستند إليها الاعتقاد بوحدة الأمة العربية؟

أسئلة إشكالية أربكت الفكر العربي منذ منتصف القرن التاسع عشر ولا تزال تتفاعل إلى الآن في الكتابات القومية المعاصرة. في حوار مع مجلة "المستقبل العربي" تموز (يوليو) 2019، يقول جورج قرم: "مهما فعلت القوى الإستعمارية الجديدة والقديمة لتفتيت العالم العربي فلن تتمكن من ذلك. فاللغة العربية لا تزال تربط العرب بعضهم ببعض، ولن تتمكن القوى الصهيونية وقوى الإستعمار من تفكيكها".

الدور الأساس الذي أسنده قرم للغة العربية في تأكيد وحدة العرب استحوذ على جانب كبير من اهتمام ذوي التوجهات العروبية، فقد لاذ هؤلاء إلى اللغة والثقافة لمقاومة الانقسامات الاهلية والطائفية والإثنية والقبلية العميقة الجذور في التاريخ العربي، والتي طالما هددت الأمة العربية بالتفتت والتشرذم والحرب الأهلية. إلا أن ثمة مواقف مختلفة ومتناقضة ميزت التعامل مع الدور الذي تلعبه اللغة والثقافة في جمع العرب والتئامهم في أمة واحدة. فقد شدد عروبيو القرن التاسع عشر (الشدياق، البستاني، المراش) على اللغة والثقافة العربيتين كجامع حضاري بين العرب.وفيما اعتبر ساطع الحصري اللغة "روح الأمة وحياتها ومن أهم مقوماتها"، مستبعداً الدين والدولة والإقتصاد والجغرافيا من هذه المقومات، وحذا ابن باديس وكمال الحاج حذوه في هذا الطرح، رفض نديم البيطار اعتبار اللغة مقوماً للأمة، ورأى في الدولة العامل الحاسم في تكوين الأمة. كذلك، رفض أنطون سعادة تحديد الأمة باللغة على رغم كونها عاملاً تكميلياً في نشؤ الأمم، كما رفض أن تكون العوامل الثقافية هي الحاسمة في وجود الأمة وتوحيدها على رغم دورها الذي لا يمكن التقليل من أهميته. بعيداً من هذه الإيديولوجيات، ربط سيد قطب الوطن والأمة بالدين لا باللغة، إذ رأى أن "لا وطن للمسلم إلا الذي تقام فيه شريعة الله" كما ركز جمال حمدان على الفاعلية الجغرافية في تشكيل الشعوب والأمم.


وبامتداد إشكالية "الثقافي" في فكرنا القومي إلى نهايات القرن الماضي ومطلع القرن الراهن، ذهب المفكر القومي محمد عابد الجابري في "الخطاب العربي المعاصر" (1982) إلى أن اللغة العربية هي "العنصر الرئيس، ولربما الوحيد الذي يجمع بين الشعوب العربية التي لا تتمتع أقطارها بوحدة طبيعية كافية". ثم عاد واعتبر في "المسألة الثقافية" (1994) أن الثقافة العربية هي الجامع القومي المؤكد، وأن الدين مقوم أساسي من مقوماتها. ولم يلبث أن أسقط دور الدين في "مسألة الهوية" (1995)، إذ رأى أن سكان المنطقة من المحيط إلى الخليج هم عرب، لا بالنسب ولا بالدين بل باللغة والثقافة. ومع أن الجابري تكلم في "المسألة الثقافية" عن "انشطار في الثقافة العربية يكرس التمزق والتشرذم ويغذي الحرب الأهلية" قفز إلى اعتبار" الوحدة العربية على المستوى الثقافي قائمة بصورة طبيعية".

هذه المواقف الإشكالية والمتناقضة إزاء اللغة والثقافة وموقعهما في الحراك النهضوي ودورهما في توحيد الأمة العربية، ترجع اولاً إلى الاعتقاد بأحادية العامل الثقافي باعتباره العامل الوحيد الفاعل في التاريخ. الأمر الذي راهن عليه الخطاب الثقافي بعد هزيمة 1967 العروي، والجابري، وأركون، وصالح، والذي أناط النهضة العربية وتجاوز آثار الهزيمة ب"ثورة ثقافية" تحرر الفكر العربي وتمهد للتحديث السياسي والإقتصادي والإجتماعي وإرساء الوحدة القومية. وثانياً إلى الإعتقاد بأولوية "الثقافي"، إذ قال الجابري بأولوية "نقد العقل العربي" وقال أركون بأولوية "نقد العقل الإسلامي"، وقال أدونيس بأولوية "نقد الرؤية الدينية المؤسسة للجسم الإجتماعي العربي"، وقال صالح بأولوية "نقد يقينيات القرون الوسطى التي تتخذ صفة الحقيقة الإلهية". وثالثاً، الإعتقاد بوحدة الثقافة العربية ووحدة منطلقاتها التراثية والفكرية وتصوراتها للكون والوجود والمجتمع الإنساني.

إلا أن كل هذه الاعتقادات لا تعبر عن حقيقة توجهات التاريخ الحقيقية، أفضت إلى رهانات خاطئة ، فالعامل الثقافي لم يكن وليس هو العامل الحاسم والوحيد في النهضة العربية، ولم يكن وليس أول العوامل الفاعلة في الحراك النهضوي. كما أن الثقافة العربية لم تكن واحدة وهي ليست كذلك، بل إن هناك ثقافات عربية متناقضة التوجهات والرؤى والتطلعات. ولعل إغفال هذا الواقع هو ما قاد قرم إلى استئناف الرهان على اللغة والثقافة العربية في توحيد العرب ومقاومة التفتت. آن للأيديولوجيا القومية العربية تجاوز البحث عن أسانيد في الماضي باتت فائتة في رأينا، والبحث تالياً عن سبل للوحدة العربية من خلال الإسهام في الحداثة المعاصرة ومواجهة أسئلتها والانخراط في إبداعاتها، ما يحقق للعرب مكانة ووجوداً في عالم لا يعترف إلا بالأمم القادرة على استيعاب متغيرات العصر وامتلاك ناصية الحداثة.