حضورٌ عربي لافت في مهرجان «فينسيا» السينمائي ... وجواكين فوينيكس يترشح بقوّة لجائزة أفضل ممثل

من الفيلم السوداني ستموت في العشرين
فينيسيا - عرفان رشيد |

تتواصل في جزيرة الليدو بمدينة «فينيسيا» الدورة الـ76 لمهرجان فينيسيا السينمائي الدولي، «موسترا دي فينيسيا».


وشهدت الأيام الأولى عروضاً لأفلام من المسابقة الرسمية والبرامج والتظاهرات المُلحقة في المهرجان، ومن بينها برنامج «آفاق» و«جائزة أسبوع النقّاد» و«أيّام المخرجين في فينيسيا»، وشهدت جميع هذه البرامج حضوراً لافتاً للسينما القادمة من البلدان العربية، إذْ افتتح فيلم «المرشّحة المثاليّة» للمخرجة السعوديّة هيفاء المنصور، عروض المسابقة الرسمية، فيما عُرض فيلم مواطنتها الشابة شهد أمين «سيّدة البحر» ضمن مسابقة «جائزة أسبوع النقّاد»، إلى جانب شريط «جدار الصوت» للمخرج اللبناني أحمد الغُصين.

وشهد برنامجا «آفاق» و«أيّام المخرجين في فينيسيا» عرض عملين لافتين قادمين من تونس والسودان، نتوقّع «أو بالأحرى نأملٌ» أن يحظيا باهتمام لجنتي التحكيم اللتين ستُقرّران جوائز البرنامجين، وهما شريط «بيك نعيش» للمخرج التونسي الشاب مهدي برصاوي، الذي أنتجه حبيب عطيّة، وشريط «ستموت في العشرين» للمخرج السوداني أمجد أبر العلاء.

وباستثناء فيلم «المرشّحة المثاليّة»، فإن الأفلام الأربعة الأخرى، مُرشّحة لجائزة «أسد المستقبل» التي ستُمنح إلى مخرجي العمل الروائي الأول.

جواكين فوينيكس أفضل ممثل

وإذا كان حضور بعض من هذه الأفلام العربية أحدث مفاجأةً سارّة للمستوى الجميل الذي ظهرت عليه، فإنّ المفاجأة الحقيقيّة في هذه الدورة من المهرجان تحقّقت، مرّةً أُخرى، كما في السنوات القلبلة الماضية، حين ظفر المدير الفنّي لمهرجان فينسيا السينمائي الدولي آلبيرتو باربيرا، بالفيلم الذي سيحمل اسم مهرجانه إلى الواجهة، وذلك هو فيلم «مهرّج» - Jocker - للمخرج الأمريكي تود فيليپس، المعروض في المسابقة الرسمية، والمُرشّحٌ القوي لأن ينال بطله جواكين فوينيكس جائزة «كأس ڤولبي» لأفضل أداءٍ رجالي، كما هو مُرشّحٌ قوي للغاية لجوائز الأوسكار، سواءٌ كفيلم، أو كأفضل أداءٍ رجالي، حيثُ يتجاوز فية فوينيكس، حقاً، نفسه في الأداء، مُعيداً إلى الذاكرة أداءً عظيماً لروبيرت دي نيرو في «سائق التاكسي» لمارتين سكورسيزي، والذي يُزامله في هذا الفيلم بدورٍ ثانوي، يظهر فيه كمقدّمٍ لبرنامج تلفزيوني حواري ساخر.

لكن، كيف كانت حال الشاب آرثر فليك - الـ«مهرج» - قبل ان نراه في الحال التي آل اليها؟

ليس هذا هو سؤال الجمهور فحسب، بل هو ذات السؤال الذي يطرحه آرثر فليك على نفسه، باختلاف جوهري هو: أنّ تساؤل المتفرّج نابعٌ من الفضول الطبيعي أمام شخصيةٍ لا تخلو من الغرابة وتكتنز الكثير من المفاجأة، فيما ينبع تساؤل فليك لنفسه من الحاجة «الإنسانيّة والمرضيّة» لكائنٍ بلغ عند مفترق طريقين: إمّا الاستمرار في السعي لطبع الابتسامة على وجوه الآخرين غير الآبهين بمأساته الإنسانية، أو انّ عليه ان يستجيب لما يُستحثّهُ اليه هؤلاء الآخرون، أي الدفع إلى صوب الحنق والكراهية والمقت، والانتقام في نهاية المطاف؟

كلّ ذلك يحدُث بتسارعٍ رهيبٍ للأحداث وبتصاعدٍ متواترٍ، ليس لإيقاع الحركة في الفصل الثاني من الفيلم، بل أيضاً لإيقاع العنف فيه، عُنف وإهانات وازدراء الآخرين، وعنف آرثر فليك وقراره في «إجلاس» جميع الأشخاص في المكان الذي يستحقون الجلوس فيه، في وجهة نظره.

يعيش آرثر فليك في مدينة «جوثام» ويعمل مهرّجاً خارج السيرك، يروّج لمحل تجاري ويتعرّض الى الاعتداء بالضرب والركلات والى تحطيم لوحته الإعلانية من قبل عدد من الصبية العنيفين، إلاً انّه مستعد للصفح عنهم لأنهم «ليسوا إلاّ صبية أرادوا اللهو»، كما يقول لزميله الذي يتنافس معه في شغل وظيفة المهرّج المروّج، والذي يُهديه مسدساً يتحوّل، دون أية رغبة من آرثر الى سلاح الانتقام، حين يتكرّر الاعتداء عليه في قطار الإنفاق من قبل ثلاثة شباب عنيفين انهالوا عليه بالضرب والركلات، وحين يصرخون في وجهه مُهينينَ إيّاه: «ما الذي يُضحكِكَ أيها القبيح؟».

جميع من يُحيطون بآرثر فليك يقسون عليه بالعنف والضرب والركلات، لكن العنف الأكبر الذي يستشعره هذا الشاب هو ذلك الذي يتسبّبون فيه بتجاهلهم إيّاه، بشكلٍ أو بآخر، كما هي حالة زملائه في العمل والذين يكيدون به أو من يحاول، من بينهم، تحيّن الفرصة لسرقة مصدر رزقه، باختلاق الوسائل لتسريحه من العمل المتواضع الذي يُقيم به أوده ويرعى بمردُوده الضئيل أمّه المُقعدة؛ أو كما هي حالة تلك الأُم التي تقضي جُلّ الوقت في انتظارِ ردٍ من عشيق سابق، صار اليوم مُرشّحاً قوياً لمنصب عمدة المدينة، وتتضمّن تلك الرسائل مطالبات بأن يقوم هذا العشيق بواجبه، كأب، لآرثر فليك، التي تدّعي بأنّها حَبُلتْ به منه.

ذاتُ التجاهل يلمسه آرثر فليك المُعالِجةِ النفسية التي تُشرف على متابعة وضعه الصحّي بعد خروجه من مستشفى الأمراض العقليّة، لكنّها لا تذهب أبعد من تكرار ذات الأسئلة في كل لقاء بينهما، وحين تقرّر تغيير خطابها معه، فإن ذلك سيكون في اللحظة التي تُخبره بإغلاق خدمة العلاج والطبابة النفسية، «لأنّ البلدية استقطعت من الميزانية التخصيصات الصحية!».

وفي المرّة الوحيدة التي يعثر فيها آرثر على ابتسامة صادقة من جارته السوداء، فإنّهُ يحوّل آصرته المُفترضة مع تلك الفتاة، وبرؤاه المضطربة الى قصة عشق مًُتخيّلة، لا تفضي إلاّ زيادة مخاوف الفتاة الشابة من هذا الكائن المُثير للقلق والاضطراب.

يعيش آرثر داخل مثلث قاسٍ تتشكّل رؤوس زواياه من الشقة المتواضعة التي يلتجئ اليها للعناية بأمّه المُقعدة، فضاءُ العمل اليومي المليء بالإهانات اليومية وعالم توماس واين، الثري المرشح لمنصب المحافظ القاسي، الذي تنحو سياسته صوب زيادة تعميق الشِقَّةِ ما بين الأثرياء والفقراء في المدينة.

يحاول آرثر فتح أضلاع هذا المثلث القاسي وتحويله الى مربع عبر اضافة ظلع جديد يقوم على رغبته وحلمه بأن يُصبح مهرجاً «يحمل البسمة الى وجوه الناس»، وحين تُتاح له الفرصة، يحوّل الآخرون فقرته الى مادة للتندر عليه والتعرّض به، بالذات خلال برنامجٍ تلفزيوني واسع الانتشار يُقدّمه موراي فرانكلين «روبيرت دي نيرو»، الذي يحاول استزاجه والاستفادة من تأثير براءته (سذاجته برأي فرانكلين) على الجمهور.

يحدثُ كلّ ذلك في لحظة تغلي فيه المدينة، ودواخل آرثر بالغضب، كما مرجلٍ آيلِ للانفجار. ذلك الانفجار الذي ينتهي بالانتقام الأقسى.