هل تعود إيران إلى طاولة المفاوضات مع الولايات المتحدة؟

حمدي ملك |

كثر الحديث خلال الأيام الماضية حول إجراء مفاوضات مباشرة بين الرئيس الأميركي دونالد ترامب ونظيره الإيراني حسن روحاني، ولكن كل المؤشرات تدل على عدم وجود إمكانية إجراء هكذا مفاوضات في الفترة الحالية.


وتزامناً مع حضور وزير الخارجية الإيراني محمد جواد ظريف في فرنسا حيث كانت تعقد قمة الدول الصناعية السبع الكبرى، أكد روحاني عدم تردده في لقاء «أي شخص» إذا ساعد ذلك في «حل مشاكل الناس وازدهار البلد»، وفي اليوم نفسه أشار الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، والذي كان قد دعا ظريف إلى بلده بشكل مفاجئ، إلى كلام روحاني حينما قال في مؤتمر صحافي مشترك مع الرئيس الأميركي: «يبدو لي قد حصل تغيير حقيقي. وقد أبدى هذا الصباح روحاني اهتماماً بهذا الاجتماع»، في إشارة إلى لقاء مشترك بين الرئيسين الإيراني والأميركي.

وفي المؤتمر نفسه الصحافي أعرب ترامب عن استعداده لقاء روحاني «في ظروف مناسبة»، وأضاف: «أعتقد أن روحاني يريد لقاء وسيسوون أمورهم».

وتسببت تصريحات روحاني حول احتمال المفاوضات مع أميركا في ضجة كبيرة في أوساط الأصوليين في إيران. فعلى سبيل المثال هاجمت صحيفة كيهان الأصولية روحاني، وأرجعت ما وصفته بإهانة الغرب لإيران إلى تصريحات روحاني.

وبعد ثلاثة أيام من الجدل في الداخل الإيراني حول هذه القضية، ختم المرشد الإيراني علي خامنئي الجدل في لقاء جمعه مع روحاني وظريف وعدد آخر من أعضاء الكابينة الحكومية بقوله: «بشكل قطعي لن تكون هناك أي مفاوضات مع الولايات المتحدة.. لا على مستوى السيد الرئيس ولا وزير الخارجية».

وكان موقف المرشد الإيراني هذا متوقعاً، إذ إن الجناح المتشدد في إيران لا يرى أي جدوى من المفاوضات في هذه المرحلة، لأنه وعلى رغم تقديم النظام الإيراني تنازلات كبيرة ضمن الاتفاق النووي، يرى نفسه أمام عقوبات مشددة أدت إلى تضعيف موقفه إلى درجة كبيرة.

فمن جهة خسرت ورقة إيران النووية قوتها، ومن جهة أخرى لم يحصل النظام على امتيازات مالية من خلال الاتفاق كان يعوّل عليها في تطوير ودعم مرتكزاته العسكرية، أي البرنامج الصاروخي والميليشيات الموالية له في المنطقة. بل واجه عقوبات مشددة أدت إلى قلة موارد النظام في دعم هذين المرتكزين.

فالنظام الإيراني يجد نفسه من دون أي أوراق ممكن أن يحصل من خلالها على تنازلات من الولايات المتحدة، ووصل إلى نتيجة مفادها أن العودة إلى طاولة المفاوضات تعني إعطاء المزيد من التنازلات، ما سيؤدي، من وجهة نظره، إلى إضعاف النظام إلى درجة تسوقه إلى حافة الانهيار.

من جهة أخرى، لا يشعر «النظام» بخطر داخلي في هذه المرحلة، إذ التجأ في الآونة الأخيرة إلى زيادة الضغط على الشعب الإيراني لمنع حدوث أي اعتراضات داخلية في ظل الضغوط الاقتصادية غير المسبوقة على نظامه المالي والاقتصادي، فزاد من الاعتقالات بتهم التجسس لصالح الدول المتخاصمة، وأيضاً قام بتحديد الحريات العامة أكثر من قبل في محاولة لـ «لجم» أي نوع من الاعتراضات، وعلى رغم الاستياء الكبير من قبل شرائح كبيرة من المجتمع الإيراني والذي من شأنه أن يفجر الوضع في أي وقت، يبدو أن حكام طهران لا يرون في الغضب الشعبي خطراً يجبرهم على تقديم تنازلات أكبر للولايات المتحدة لغرض التخفيف من الحصار المفروض على اقتصاده، ولكن هذا الرفض للعودة إلى طاولة المفاوضات في هذه المرحلة لا يعني أن النظام الإيراني في حالة مريحة، فإيران تشعر بالضغط الهائل ليس فقط على اقتصادها بل حتى على وضع سياستها الخارجية في المنطقة، التي تعتمد على تشكيل ودعم ميليشيات موالية لها في دول المنطقة، وهي تدرك خطورة خفض الدعم المادي لهذه الميليشيات على مستقبل النظام، فليس من الصدفة أن يؤكد السياسي الإصلاحي محمد عطريانفر الذي هو من أنصار حسن روحاني قائلاً إن «علينا دفع نفقات حزب الله». فإذا الإصلاحيون يؤمنون بضرورة دعم حزب الله اللبناني بأي ثمن وعلى رغم الضائقة المالية فما بالك بالحرس الثوري والأصوليين.

في المقابل، الإدارة الأميركية لا تبدو في عجلة من أمرها وهي تزيد من حدة العقوبات يوماً بعد يوم، وتعطل المنشآت العسكرية الإيرانية عن طريق الهجمات الإلكترونية المتكررة وبأقل ثمن، ولا ترى ضرورة في أن تخفف من حدة العقوبات دون أن يحصل تغيير في سلوك إيران، على الأقل بشكل جزئي.

وفي ظل هذه المعطيات هناك سيناريوان ممكن أن يؤديا إلى عودة إيران للمفاوضات. السيناريو الأول يتمثل في شعورها بخطر وجودي على النظام بسبب الانهيار الاقتصادي التام أو ثورة شعبية، فتعود إلى المفاوضات لحفظ النظام حتى لو كلفها المزيد من التنازلات. السيناريو الثاني هو أن يحصل النظام على ورقة قوية من خلال التصعيد العسكري في المنطقة لكي يجلبها إلى المفاوضات ويطالب بتنازلات من قبل الولايات المتحدة، وهذا هو ما حاولت فعله في الأشهر الماضية دون جدوى.