حقل الألغام اليمني

محمد المختار الفال |

ليس من مصلحة اليمنيين، في كل مواقعهم وعلى مختلف أطيافهم وانتماءاتهم، أن «يتورطوا» في محاولة استغلال حال التنازع الواقع في بلدهم ويتوهموا إمكان تحقيق مكاسب وأهداف خاصة، حتى لو بدت لهم ولغيرهم أهدافاً مشروعة، فهذا خطأ في ترتيب الأولويات يرقى إلى مستوى الخطيئة في حق بلدهم وتاريخه ودوره في المنطقة، هذه القراءة الخاطئة لملابسات الظرف وتداعياته ستشغل القوى الفاعلة بين اليمنيين، وتعطل قدراتهم على مواجهة الخطر الحقيقي الذي يحيط بهم ويهدد وجودهم ويعرّض وطنهم لكارثة التمزق وغياب الدولة، بكل مسؤولياتها الأمنية والسياسية والاقتصادية والاجتماعية. والمغالطات والاستنتاجات المراوغة تقود الكثيرين إلى سوء الفهم الذي يؤدي إلى خطأ التقدير، ومن يتابع «الإعلام الدعائي» الموظف في الصراع اليمني يلاحظ عدم الرغبة في قراءة الأحداث في سياقاتها العامة وملابساتها الجزئية، ويكتفي بالتقاط «المقاطع» المساعدة على تركيب مشهد «ترويجي» لما يراد تسويقه على المتلقي والإلحاح على أنه هو الحق، وما عداه الباطل. وتغطية الإعلام المعادي للشرعية ودول التحالف، في أحداث عدن وشبوة نموذج لهذا الاختزال و«المونتاج» للأحداث في محاولة لبناء «قصة متماسكة»، فالإعلام الحريص على تشويه صورة منجز التحالف في الحرب اليمنية والتشكيك في بعض أطرافه، التقط الضربة الموجهة إلى قوات الشرعية في أبين، ورتب عليها أنها مؤشر حقيقي على اختلاف جوهري بين السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة، وأن هذا الخلاف وصل إلى «المفارقة» التي ستؤدي إلى انفراط التحالف، وأن بيان الرئاسة اليمنية دليل على هذا الاستنتاج، لأنها تتحدث من الرياض أن بيانها يتماهى مع رؤية الرياض! لماذا لا يقرأ العقلاء الباحثون عن الفهم المقنع أحداث عدن وشبوة في سياقها العام ليفهوا مآلات الذي يجري على الأرض: بيان قيادة التحالف طالب بوقف إطلاق النار والانسحاب من المواقع التي تمت السيطرة عليها، وأوضح أنه سيستخدم القوة إذا لزم الأمر، وبيان وزارتي الخارجية في السعودية والإمارات أوضح حقيقة موقف البلدين من الأحداث الجارية. وبيان الرئاسة اليمنية، وإن بدا جديداً، لم يختلف عما سبقه من إشارات وتعليقات حول علاقة دولة الإمارات والمجلس الانتقالي، وبالتالي فإن البيان لا يشكل منعطفاً في علاقة الشرعية بالتحالف، والدليل استمرار التشاور والثناء على جهود التحالف والدور المحوري الذي تلعبه السعودية في إعادة الأمن والاستقرار إلى اليمن، وتمكين كل أطيافه من الجلوس لحل خلافاتهم في إطار القرارات الدولية، مع عدم تجاهل تطور الأحداث واتفاق استوكهولم. هذا «الاختطاف» للأحداث الجزئية وتوظيفها لتأسيس أحكام عامة أوصل الكثيرين إلى الوقوع في استنتاجات تخالف الواقع الذي يتسق مع مسار الأحداث، في خطوطها العريضة، ويتجاهل قضايا أساسية تتصل بالشرعية وعلاقاتها بالتحالف، ويقفز على الأسباب الموضوعية التي تشكل من أجلها هذا التحالف، والأهداف الاستراتيجية التي خطط لها وخاض الحرب من أجلها.. هؤلاء «المتسرعون»، حتى لا نتورط في ألفاظ لا نريدها ولا تخدم الحقيقة، وقعوا في «استنتاج» ما يحلمون به لا ما تكشف عنه القراءة الواعية، نذكّر هؤلاء، والناس لم تنس، أن التحالف، الذي تقوده المملكة العربية السعودية، وتسهم فيه دولة الإمارات العربية المتحدة وغيرها، بجهود معروفة، لم يتدخل في الشأن اليمني إلا بطلب من الشرعية المؤيدة بقرارات الأمم المتحدة وكل الأطراف اليمنية قبل انقلاب الحوثيين، وأن هذا التحالف تحرك لمواجهة الانقلابيين المدعومين من إيران، وهذا السبب الجوهري ما زال قائماً، والشرعية في بياناتها كلها تثني على الدور الذي يقوم به التحالف لخدمة الهدف الأساس، وأن أحداث عدن وشبوة، على رغم تفاصيلها المزعجة، والموهمة بوجود «تناقض» على الأرض، لا ينبغي أن تغيب جوهر القضية والصورة الكلية «وحدة» الهدف. والبيانات والتصريحات الصادرة من الرياض وأبو ظبي تؤكد أن التحالف بين البلدين «عضوي» لا تؤثر فيه الأحداث الطارئة والعمليات المحدودة، التي ما كانت لتتم من دون تنسيق أو تفاهم في إطار الهدف المشترك، نعيد التذكير بأن أحد أهداف تحرك التحالف لمواجهة الانقلابيين هو إيقاف «المشروع الإيراني» في اليمن، وأن هذا الهدف لا يتحقق، بشكل فعال، إلا إذا احتضنه اليمنيون في ظل توافق يعالج خلافاتهم، ولهذا سعت الرياض، قبل «عاصفة الحزم»، ولا تزال تسعى، إلى العمل على تقريب وجهات النظر بين اليمنيين، وعملت مع أشقائها وأصدقائها والمجتمع الدولي على إيقاف الانحدار وتجنّب ما يعيشه اليمنيون اليوم، لكن الذين لا يريدون مصلحة اليمن ويرونه، بكل أطرافه، وسيلة لتحقيق أهدافهم أشعلوا الحرائق وأوهموا الانقلابيين أنها «لحظة تاريخية» يملون فيها شروطهم ويؤسسون لما حلموا من أجله، ولا بد أن يدرك «الواهمون» أن النظرة الموضوعية المنطقية تقود إلى فهم أن السعودية لن تقبل أن يكون اليمن «عراقاً» في خاصرتها الجنوبية، وأن هذه الرؤية الاستراتيجية يلتقي عليها غالبية اليمنيين جنوبيين، شماليين حتى وإن تباينت اجتهاداتهم في بعض التفاصيل، ويدركون أن أكبر إنجاز لوطنهم في هذه اللحظة المفصلية، هو نجاح التحالف في «تعطيل» هذا المشروع المعادي لمصلحة المنطقة والمهدد لأمنها واستقرارها، وأن التفريط في هذه «الأولوية» يبقي النوافذ مفتوحة لوكلاء إيران في مناطق نفوذها في الخريطة العربية.. تطلع البعض إلى أن تتجاوز أحداث عدن إطارها المحدود ومهمتها الضيقة، مخالف لما يبدو أنه في حيز التفاهم، وعدم إيقاف هذا «الاندفاع» سيضر الترتيبات التي تقلل الصدامات وتمهد لحل المشكلات بالطرق التي لا تخل بتوجيه كل الجهود إلى الهدف الأساس، وهذا، ربما يفسر، العملية العسكرية المحدودة التي تشبه في أثرها «الجراحة العاجلة لإيقاف ما قد يعوق الجسد كله عن أداء وظائفه الطبيعية إذا لم يسعف. إذا نظرنا إلى الأحداث من هذه الزاوية، وفهمنا الرابط بينها سننتهي إلى الخروج من حقل الألغام بسيقان عقلية سليمة، أما إذا تورطنا في تجاهل مسارها الجامع فستنفجر في فهمنا ألغام، ونفقد البوصلة التي تخرجنا من ورطة سوء الفهم.