«توارت بالحجاب» من مدخل يوسف الغربي ونداءاته

غلاف توارت بالحجاب.
عواض العصيمي |

مركزاً على الشخصية الرئيسة في رواية الكاتب عبد الرحمن العكيمي «توارت بالحجاب» الصادرة في نوفمبر 2018 عن الدار العربية للعلوم ناشرون، أحبذ أن أنوه إلى أن هذه الشخصية المهمة في المتن الروائي، يوسف الغربي، تنشئ حكايتها المضمرة في داخل منطقها وأفعالها التي تتمثلها على نحو خاص، كما تنشئ حكايتها الأخرى العامة من خلال موقعها من الآخرين بناء على سلوكها وعلاقاتها وردود أفعالها. ويمكن أن أجمل رؤيتي حول يوسف الغربي على المنوال المشار إليه في التالي:

أولاً، يعمل يوسف الغربي معلماً ومتعاوناً صحافياً.

ثانياً، يمكن أن يوصف بأنه قارئ مثقف وفقاً لمهنته في الصحافة وبصفته كاتب مقالة أسبوعية في الصحيفة التي يعمل بها.


ثالثاً، عازف للعود ومحب.

أ‌- تتشكل شخصية يوسف الغربي من الناحية الوظيفية من كونه معلماً (قبل أن يستقيل)، وهذا الدور التعليمي يمنحه جوانب تربوية وتعليمية وتثقيفية تشعره باستقرار علاقته بالمؤسسة التعليمية في شكل عام. كما تربطه بمصائر أجيال أصغر سناً يمثلون دور المتلقي المستقر، أي المتصل بمنهج تعليمي ثابت طوال المرحلة التعليمية. وهذا الشكل من العلاقة المصيرية المكيفة وفق رؤية واحدة شديدة التقيد بمنهجها من المنتظر أن تنتج حواراً محدود التأثير يكاد يكون ميكانيكياً في مجمله، بين المعلم وطلابه من جهة، كما بين المنهج ومنفّذيه من جهة أخرى، ما ينتج بدوره شحوباً تواصلياً على صعيد التفكير الخلاق والإرادة الحرة في تطوير الذات. ولعل هذا، أو لأن هذا المؤدى لم يكن ضمن خطط التعليم الوقائية، وبالنتيجة المعلم، كان التلقين هو المهيمن في الإجمال. والتلقين لا يحتمل في مساره سوى نفعيته الوحيدة المتواطأ عليها في التفكير الاجتماعي العام، وهي اجتياز المراحل التعليمية لتحقيق الشرط الذي يصاحب الطالب منذ البدء، ألا وهو الحصول على وظيفة وحسب، ومن أجل المال كغاية في نهاية المطاف. وهو الفرق الذي لحظه يوسف الغربي حين قارن بين المردود المادي ناقصاً المتعة في وظيفته كمعلم، وبين عمله في الصحافة زائداً المتعة كما صرّح بذلك، ما يجعل أرجحية المنفعة في الأخيرة أشد جذباً وأكثر تحققاً.

ولذلك آثر عمله الصحافي على مهنته في التعليم فقدم استقالته. هنا نقول إنه توقف كقناة في نقل الرسالة التعليمية وبدأ في حمل هموم الناس ومصاعب حياتهم، عبر الصحيفة، إلى من يمكنه حلها من أصحاب القرار. لم يجد نفسه في مهنته الأولى لأنه كان متقيداً بالمنهج، منضبطاً مع محدداته، وفي المقابل وجد عمله في الصحافة يقربه إلى الناس ذوي الأوضاع المعيشية البسيطة، ويدمجه في خدمة مجتمعية مهمة تصل بين المواطن والمسؤول. هامش التحرك في هذه الخدمة واسع غير مقيد بمسار صارم لا يجاوزه في حدود نشاطه الصحافي. وعلى هذا يحقق يوسف الغربي أكثر من واجب، الواجب الإنساني، الواجب المهني المتاح، الواجب على صعيد تحقيق الذات.

يعطينا هذا مؤشراً يمكن أن نقيس به الحس الإنساني عند يوسف بمقدار ما يربطه بمصالح الناس من جهة، وأيضاً بمقدار ما يحقق ذاته على هذا الصعيد. إذن هو على قدر من المسؤولية الاجتماعية المنتجة، إذن هو إنسان بما يقدم ويعطي، سواء للناس أم لنفسه، وليس لمجرد أن نطلق عليه صفة إنسان ثم نسكت عن استحقاقاتها.

ب- على جانب التغذية الروحية نراه يمارس العزف للتعبير عن الذات والروح بدرجة أساسية والباقي تفاصيل. (أنا أعبّر عن ذاتي – صفحة 45) مثل ماذا؟ كطائر حزين. بل حتى عندما يغني للفرح والعشق فهو لا يهمه شيء سوى إشباع رغبته الخاصة (إنني أشبع هذه الرغبة الجامحة في أعماقي – صفحة 45).. كالطيور التي تغني لا لتسمع الشجرةَ أو لتشجي الغابةَ، وإنما تمارس الغناء للإعلان عن وجودها كحاجة أساسية للعيش وبالتواصل مع الآخر أيضاً، شريكة الحياة على سبيل المثال. أي أن يوسف يعزف ويغني كما لو أنه طائر ينادي أعماقه من جهة ويستدعي توأم روحه من جهة أخرى. إذن العزف والغناء عند يوسف هو نداء.. نداء للأعماق وأيضاً للآخر المتمثل في ضحى، وهي العنصر الرابع في بروفايل شخصيته.. (صحافي، مثقف، عازف، عاشق).

وهو حين ابتنى مخيماً خارج النطاق العمراني، متوغلاً في البرية، فإنما ليمارس وحدة اختيارية تجتمع فيها مسوغات منتبذ الأماكن القصية، المخيم هنا هو بالضبط كما ينتخب الطائر في البرية شجرة يغني على أحد فروعها حيث التوحد من أجل التجلي. إنه نداء ليكون وحيداً، لأن نداء الأعماق هذا هو طقسه، ولأن نداء الآخر هذا هو أوانه. (هذا المكان الساحر يليق بحبيبتي ضحى التي تضيء المكان وتنثر بعطرها النافر كل جنبات المخيم هنا وهناك – صفحة 80) ولذلك كانت نتيجة هذه النداءات المتكررة أن ضحى جاءت والتم الشمل بعد إعلان الخطوبة. اللافت أن ضحى تعنى بالجانب الروحي أيضاً وذلك باشتغالها على الكتابة الصوفية ككاتبة.

نلحظ هنا أنها وصفت بشكل أو بآخر بالطائر (كان صوتها يشبه أصوات الطيور). هي إذن علاقة طائر بطائر على قدر ما في إمكاننا أن نقول إنها علاقة إنسان بإنسان، علاقة عاشق بمعشوقته، ومحب بمحبوبته، على جري ما تفعله الطيور الحقيقية في ممالكها، مع فارق أنه عندما غنى أمامها في المخيم لم يغنِّ كما يغني من قبل، غناء النداء، فقد تحقق التلاقي وإنما غنى في حضور المحبوبة التي أصبحت خطيبته.. ثم لما تحول في وقت لاحق إلى عمّان عاود النداء عبر الوتر والصوت والكلمة، وغنى «الأماكن».

والأماكن تفيد التحول من موقع إلى آخر، ولكل تحول طقوسه وعبوره. هذه هي سيرة المكان عند يوسف، (المدينة، البر، المدينة، عبور الحدود) وهي أيضاً سيرة ما بين هذه المواقع. إن مثال يوسف الغربي عبر بعده الاجتماعي البسيط ليس بشيء يذكر لو لم تترافده منابع الأحداث المترعة بالحب والفن والشغف الروحي في تشكيل حياته على الوتيرة التي تمت.