الحبيل: وعاظ تحولوا أئمة في الفكر والسياسة وهم لا يحسنون أساسياتهما

الحبيل: وعاظ تحولوا أئمة في الفكر والسياسة وهم لا يحسنون أساسياتهما

الكويت - «الحياة» |

أوضح الباحث مهنا الحبيل أن الوعي الإسلامي اليوم يدخل حيزاً جديداً من تقاطعات الصراع الكبير في المنطقة، إذ يعتبر المكون الفكري الأقوى والأكثر مواجهة من مشروع الهيمنة الغربي والقوى الإقليمية المعادية للهوية الفكرية للشعوب، والتي تخشى من استقلال الشرق الإسلامي وانتزاع إرادته ديموقراطياً أو سيادياً.

وقال الحبيل خلال محاضرة بعنوان: «من الصحوة إلى النهضة: رؤية نقدية في مسيرة الوعي الإسلامي المعاصر»، قدمها أخيراً في مركز الرواد بالكويت وأدارها الإعلامي علي السند: إن النقد مادة شرعية ضرورية حتى في وقت الأزمات، «بل وبخاصة في ذروتها» مستدلاً بغزوة أحد أنموذجاً.

وأكد أن فجور الخصوم الذي يعتذر به بعض الإسلاميين، «لا يُلغي أهمية المراجعة الذاتية في الفكر الإسلامي المعاصر، وغياب النقد قد يعني طوال البيات على فكرة سلبية ضارة لا تتفق مع الشريعة، وقد تتناقض مع مفاهيم الإسلام الكبرى في حين يُعبأ بها جيل لم يستمع للرؤية الأخرى».

وأوضح المحاضر، الذي بدأ محاضرته بالتطرق إلى السياق التاريخي للوعي الإسلامي كتسلسل زمني وثقافي وديني يُشكل مادة الهوية والانتماء لشعوب المنطقة، فضلاً عن تيارات الفكر الإسلامي المتعددة، أن حديثه له علاقة بمرحلة الفراغ في الخطاب الإسلامي بشقيه المحافظ والتنويري، «حين دخل الوعي الفكري إلى مسارات النهضة، من دون معالجة إشكالات الصحوة والتوقف في مرحلة اليقظة»، مؤكداً أن الفكر الإسلامي العميق والفقه الشرعي الفاعل والمستقل «تقلّص كثيراً في عهود الانحطاط وبخاصة قبل سقوط الدولة العثمانية، وكان مهمة أئمة التجديد بعثه فكرياً أو فقهياً أو روحياً، ومن ذلك مواجهة بعض السائد في الأوساط الدينية».

وقال : «إن الصحوات هي ظواهر دينية لها إيجابيات ولها ظروفها التاريخية، وليست جزءاً لا يتجزأ من الدين الإسلامي كما اعتقد البعض، بل ظاهرة اجتماعية متدينة يصدر منها الخطأ والصواب»، مركزاً على الصحوة الأخيرة وبخاصة في الخليج العربي لتأثيرها الكبير في المشهد الديني.

وعدد العناصر الإيجابية التي رصدت فيها، وهي تعزيز الوازع الديني والتذكير بالمصير الأخروي في جيل الشباب والمجتمع، وتنشيط روح التضامن والصدق والترابط الاجتماعي وإعلاء مفاهيم الأسرة وقيم التطهر السلوكي، وفكرة التضامن الأممي وبخاصة لفلسطين ومناطق النكبات، ومواجهة الحرب الإعلامية والثقافية الشرسة عبر الممانعة الدينية.

أما عن إشكالات الصحوة في الخليج وتأثيراتها فيذكر أن منها تحييد التدين الأخلاقي والسلوكي في مقابل المظهر الخارجي لصفة المتدين، وتضخيم قضايا فرعية واعتبارها مسارات مفاصلة عقائدية، وردود الفعل الشرسة التي لا تتفق و حجم الخلاف، وتنميط فكرة المتدينين في جماعات تتحد في مؤسسات أو مجموعات، وتنغلق عن الرأي العام الذي لا يتصف بصفاتها.

وفي ما يخص شخصية الواعظ والجانب السلبي فيها أوضح الحبيل أن المقصود ليس رفض رسالة الوعظ التي مارسها النبي صلى الله عليه وسلم وهي من مسارات الخطاب الشرعي، لكن المقصود هو تحوّل الواعظ إلى إمام في الفكر والسياسة والعلوم الحديثة والاجتماعية، وهو لا يحسن أساسيات هذه العلوم.

وقال: «إن التنوير قيمة أساسية في تراث العلماء المتقدمين وحركة الإحياء الإسلامي، فالدين الحق أصل النور وعدو الظلام». ولفت إلى أن الحقيقة تظهر أن قاعدة الوعي الإسلامي، «ستبقى مخزوناً مهماً جداً لقوى التطوير في داخل مجتمعاتها نحو النهوض بالأوطان والحقوق الدستورية للفرد، وأنها تتشكل في قاعدة المجتمع الإسلامي العام، وأن هذه القاعدة الديموغرافية واسعة جداً وليست محصورة في نموذج تيارات تربوية أو فكرية محددة، وأن هذا التوجه الإسلامي هو الغالب فيمن يقدم الطاقات في سبيل إقرار منظومة حقوق لأبناء الشعوب».

وأكد أن محرك التصحيح للمفاهيم الخاطئة التي ورثت من عهد الصحوة «هي القاعــدة المتدينة ذاتها التي ارتفع وعيها كثيراً، لكن لم تُمارس ما يكفي لمعــالجة هذه الإشكالات، ولذلك يجب أن يوجه الخطاب إليها لتفهمه بحسن نية».

وأشار إلى أن تحول بعض مبشري النهضة إلى تكتل منفصل ينزع إلى تحالفات مندمجة مع فكرة تحالف الأقليات وليس تحالف الحقوق، «وسبّب هذا الفراغ والتوحش من التيار الإسلامي العريض».

وطالب بوقوف مبشري النهضة والتنوير الإسلامي على مسافة قريبة «لا تجعلهم خصوم تحريض أو شماتة أو تقاطعات حدية مع الحال الإسلامية، وهو ما سيجعل مثل هذه المفاهيم التصحيحية تتجاوز هذه الأسوار، وهي في الوقت نفسه تتقبل قواعد النقد لتصحيح مساراتها أو القبول بموقف تيار النهضة الإسلامي».

وأكد الحبيل أن الأوطان والأمة «تحتاج إلى هذه القدرات الفكرية والخطاب التصحيحي، ليس للترفه ولا للتنظير المطلق، ولكن للعودة إلى أصل رسالة السماء «كنتم خير أمة أخرجت للناس».