زيباري لـ«الحياة»: نجوت من «قصر النهاية» السيئ الذكر وقتل النظام ثلاثة من أشقائي ... تابعت دراستي الجامعية في الأردن مدعياً أنني إيراني من عرب الأهواز (الأخيرة)

زيباري لـ«الحياة»: نجوت من «قصر النهاية» السيئ الذكر وقتل النظام ثلاثة من أشقائي ... تابعت دراستي الجامعية في الأردن مدعياً أنني إيراني من عرب الأهواز (الأخيرة)

بغداد - غسان شربل |

جاء هوشيار زيباري من المأساة الكردية. باكراً اختبر قسوة العيش في كردستان العراق وتحديداً مذ كان صغيراً يلهو مع ابن شقيقته مسعود بارزاني رئيس إقليم كردستان العراق حالياً. نجا زيباري من «قصر النهاية» لكن النظام قتل ثلاثة من أشقائه. لعب دوراً بارزاً في شرح القضية الكردية للعالم وكان حاضراً في كل المحطات التي أدت إلى إطاحة نظام صدام حسين:

> ولدت في عائلة كردية دفعت ثمن انخراطها في محاربة نظام البعث؟

- أنا من مواليد عقرة 23 أيلول (سبتمبر) 1953، وهي منطقة تقع بين أربيل ودهوك. والدي اسمه محمود آغا الزيباري. عائلتنا تتألف من ثلاثة أشقاء أكبر مني قتلهم صدام حسين وثلاثة أخوة أصغر مني. الزبير قتل مسموماً بالثاليوم بعد أن تم استدعاؤه إلى دائرة المخابرات في الموصل سنة 1981 بعد الحرب العراقية-الإيرانية، وهو كان بمثابة رئيس العشيرة بعد والدي وكانوا يشكون أن لديه علاقات أو يسهل أمور البشمركة أو المقاتلين في بعض القرى أو يتساهل معهم. تمت دعوته إلى دائرة الأمن العام في الموصل وقدموا له كوباً من عصير البرتقال الذي بدا عادياً. بعد عودته شكا من آلام ومغص وبدأ شعره يتساقط. أخذوه إلى عدة أطباء فلم يشخصوا لنا حالته إلى أن أحضروا طبيباً في صورة سرية فأخبرهم أنه مسموم وهذه كانت آنذاك طريقة من الطرق الجديدة للأمن العراقي والمخابرات العراقية للتخلص من المناوئين. أحد الأسباب أيضاً الرغبة في معاقبتي لأنني في تلك الفترة كنت مع المعارضة ومع الحزب الديموقراطي الكردستاني وكنت انتُخبتُ في قيادة الحزب في 1979 للمرة الأولى وكنت ناشطاً في بريطانيا وفي أوروبا. بعد ذلك بسنة طلبوا شقيقيْ عمر وتتر أيضاً إلى أربيل لسؤالهما عني وما لديهما من معلومات فتوجها من الموصل إلى أربيل (ومسافة الطريق حوالى ساعة ونصف أو ساعتين) وفي طريق عودتهما صدمت شاحنة سيارتهما، وتمت لفلفة القضية واعتبارها حادث سير، لكن بحسب معلوماتنا والوثائق التي اكتشفناها لاحقاً كان هذا الأسلوب أيضاً من وسائل الأمن العراقي للتخلص من المعارضين بدون ضجة وكي لا يعتبر اغتيالاً.

والدي اتخذ زوجتين فأنجبت والدتي الأشقاء الأكبر سناً مني وشقيقتي حمايل (والدة مسعود بارزاني رحمها الله) وثلاث شقيقات أخريات، وأنجبت الزوجة الثانية ثلاثة أخوة وأختين أصغر مني متزوجتين.

> والدك كان زعيم عشيرة الزيباري؟

- والدي كان رئيس عشيرة الزيباري وكان نائباً في البرلمان العراقي في العهد الملكي لدورات عدة. عشيرة الزيباري من العشائر الكردية الكبيرة، بعد البرزانيين، ونحن متجاورون إذ يفصل نهر الزاب بين العشيرتين وهما كانتا في الأصل عشيرة واحدة: عشيرة الزيبارية. العلاقات لم تكن دائماً جيدة بسبب خلافات عشائرية وتداخل في المناطق والمراعي، على رغم أن والدي وعشيرتنا في الحركات الأولى للملا مصطفى بارزاني ضد الحكومة وضد القوات البريطانية كانوا من المشاركين الأساسيين، ثم حدثت خلافات وانفصلنا.

> متى تزوج الملا مصطفى شقيقتك حمايل؟

- تزوجا في حدود سنة 1944. ذهبا إلى إيران وولد مسعود هناك في مهاباد (في إيران) في 16 آب (أغسطس) 1946. وعند انهيار الثورة في مهاباد بعد أن سحب السوفيات دعمهم توجه الملا مصطفى إلى روسيا وعادت العوائل (عوائل الثوار) إلى العراق. والدي آنذاك، باعتبار موقعه العشائري والحكومي، طلب من نوري السعيد أن يخرج أم مسعود ومسعود من الاعتقال أو الحجر في منطقة ديانا في أربيل، ويأتي بهم إلى قريتنا باني، جميع المعتقلين نقلوا لاحقاً جنوباً إلى بغداد والناصرية. نزولاً عند هذا الطلب والإلحاح سمحت السلطات لوالدة مسعود والطفل مسعود أن يعودا مع والدي إلى قريتنا. وبذلك نشأ مسعود وترعرع معنا إلى أن أصبح عمره حوالى 13 – 14 سنة.

> علاقتك مع مسعود والقضية بدأت إذاً منذ الصغر؟

- بدأت حياتي السياسية بعد بيان 11 آذار (مارس) 1970 (الذي ينص على منح كردستان العراق الحكم الذاتي). كنا نقيم في الموصل. ثقافتي وتربيتي ودراستي معظمها كان في مدينة الموصل. لذلك تأثرت بهذه البيئة العربية والاختلاط. كنت طالباً في الثانوية وانضممت إلى صفوف اتحاد الشبيبة الديموقراطي الكردستاني، القريب من الحزب الشيوعي بترتيباته: اتحاد النساء – اتحاد الطلاب – اتحاد الشباب.

في تلك الفترة اشتركت ببعض النشاطات وكانت العلاقات بين الحزب والبعث بعد بيان آذار 1970 وخلال سنة 1971 مقبولة ثم تدهورت. والدي رغِب جداً في أن أصبح ضابطاً في الجيش العراقي وفق العقلية العشائرية وتوسط لدى مجموعة من الضباط والمسؤولين العراقيين فرحبوا وطلبوا أن أقدم أوراقي ووعدوه أن يقبلوني. ذهبت إلى بغداد وقدمت طلباً إلى الكلية العسكرية لكن عندما اكتشفوا أنني قريب من الملا مصطفى وخلفيتي وأريد أن ألتحق بالجيش العراقي رُفض طلبي بنوع من الإهانة فعدت أدراجي.

كنت بعد تخرجي من الثانوية العامة قدمت طلبات انتساب إلى بعض الكليات: في جامعتي الموصل وبغداد رُفضت أيضاً بسبب انتماءاتي. وأحكي لك هذه القصة المهمة جداً فقد أرسلني والدي إلى الملا مصطفى ومسعود مع رسالة أنه يحبني جداً ويريدني أن أكمل تعليمي في العراق أو في الخارج بعد أن أغلقت كل الأبواب وطلب مساعدتهما. وسبحان الله كان الملا مصطفى التقى بالملك حسين رحمه الله في طهران في سنة 1972 وبحثوا العلاقات وفي حينها كان الملك حسين من أشد المؤيدين لأن تدعم أميركا الحركة الكردية وهذا مسجل في العديد من المذكرات (كيسنجر) والوثائق الأميركية. في ذلك الوقت بالذات قالوا أنه من الممكن أن نرسلك إلى الأردن. وأتوقف هنا لأسرد أمراً أهم لإكمال الصورة.

> فجأة وجدت نفسك في «قصر النهاية» في بغداد؟

- في نهاية 1971 أرسلني مسعود إلى بغداد مع رسالة إلى أحد الوزراء الأكراد لمساعدتي للحصول على قبول في إحدى الجامعات العراقية. توجهت إلى بغداد وكان عمري حوالى 18-19 سنة والتقيت مع بعض الأصدقاء. ذات يوم أردنا التوجه سوية إلى أحد المطاعم في بغداد فرأيت سيارات الأمن تقف أمام الفندق. كنت شاباً صغيراً وكنت أحمل رخصة سلاح - في الوقت الذي كان الحصول على مثل تلك الرخصة صعباً جداً جداً إلا بتوقيع مدير الأمن السيئ الذكر ناظم كزار. حصلت عليها عن طريق مسعود إذ كانت علاقته جيدة معه في حينه. وكانت الرخصة بمثابة ضمانة لي في أي مكان لأن اسم ناظم كزار كان مرعباً. نزلنا من الفندق فقالوا لنا عليكم التوجه معنا. وكان معنا أحد المسؤولين وهو كان سكرتيراً لأحد الوزراء الأكراد ضمن المجموعة وكان معنا ضباط في الكلية العسكرية وطلاب جامعيون أكراد فأخذونا جميعاً وجلس قربي سكرتير الوزير فسأل: «أبو الشباب» إلى أين تأخذوننا؟ فأجابه: لا أعرف، وكان يتحدث بعصبية ويقول كيف أنتم دولة ضمن دولة، نحن مسؤولون في هذه الحكومة وأين تأخذوننا. أجابه نذهب لتحقيق بسيط في مركز الشرطة ونعيدكم. ثم لاحظ سكرتير الوزير أن السيارة تتجه إلى «قصر النهاية» وكان هذا المعتقل رهيباً في السبعينات وكان معروفاً للمتابعين أن من يدخله لا يخرج منه. أنا لم أستوعب تلك المسألة فلا أعرف التفاصيل ولم أسمع بقصر النهاية لكن السكرتير يعرفه.

أخذونا إلى «قصر النهاية» وتم تفتيشنا ومعي مسدسي، وفي القصر لجنة التحقيق. كنت أحمل بطاقة تعريف مدرسية ووثيقة حمل السلاح وصورة للملا مصطفى وفلوس وساعة. بانتظار التحقيق وفي طقس بارد تم توزيعنا في غرف للحبس الانفرادي مساحتها متر مربع وبابها حديدي وفيها شباك صغير ولا نعرف ما سبب اعتقالنا. انتظرنا التحقيق حتى الساعة الثالثة فجراً ونحن نسمع صراخ أشخاص تحت التعذيب. في ذلك الوقت لم أكن أعرف ما الشيعة وما السنّة أبداً وسمعت شخصاً يستنجد بعلي والحسين ومعتقِله يشتمهم جميعاً. والأبواب الحديدية الأخرى تُفتح وتُغلق بقوة ثم جاؤوا إلينا وعصبوا أعيننا. أوقفونا وسمعت أصوات خطوات عسكرية وخبطات أقدام لدى تأدية التحية وكلمة سيدي تتردد وأنا معصوب العينين وخائف. جاء من يبدو أنه ضابط فقالوا له سكرتير الوزير ليس لديه بطانيات فماذا نفعل به؟ فأجابهم بشتيمة من نوع أن يهتكوا عرضه وهذه العبارة رنّت في أذني.

ذهبنا إلى التحقيق وسألوني: ماذا جئت تفعل هنا؟ وكان بين الأوراق التي في حوزتي ورقة من مسعود إلى محافظ السليمانية في وقتها الذي كان مسؤول علاقاتنا مع لجنة السلام، يوجهه فيها أن يكتب رسالة إلى الوزير سامي عبدالرحمن رحمه الله أن لدينا بعض المقاعد لاتحاد الطلبة الكردستاني مع الاتحاد الوطني لطلبة العراق البعثيين خارج الـ «كوتا» للحالات الخاصة الاستثنائية فربما أدخل إلى كلية ضمن هذا الإطار وهذه المجموعة. فعند سؤالي عن سبب زيارتي قلت أنني جئت أراجع الوزير ومعي الرسائل والوثائق الخاصة بي موجودة. قال المحقق إنني كنت أتردد على مقر بارزاني فأجبته أن ترددي طبيعي لأن الملا مصطفى قريبي ومسعود ابن أختي وبيننا علاقات عائلية.

أعود الآن إلى أيلول سنة 1971 حين حضر حزب البعث وصدام حسين مؤامرة لاغتيال الملا مصطفى (عند تفجير الملالي في الجلسة) وكانت معجزة من المعجزات. مسعود والأمن الكردي عملوا «لعبة» (خدعة) على حزب البعث، فريق الاغتيال كان يضم 11 شخصاً من رجال دين وضباط المخابرات، لكن رجال الدين بالتأكيد لم يكونوا على علم بخطة التفجير بل أوهموهم أن الأحزمة الناسفة كانت آلات تسجيل وفجّرهم ضباط مخابرات كانوا ينتظرونهم في الخارج في السيارات.

أنا توجهت إلى بغداد في شهر كانون الأول (ديسمبر) 1971 والأمن الكردي في وقتها سلّم حزب البعث أو الحكومة العراقية عشرة جثث بينما كانوا 11 ونشروا إشاعة أن الحادي عشر مجروح ويعالج في مستشفى على الحدود مع إيران فجن جنونهم ويريدون أن يعرفوا إذا كان الشخص الحادي عشر ميتاً أو حياً. وأمامهم هذه المجموعة التي جاءت إلى بغداد: أنا طالب، الآخر ضابط في الكلية العسكرية (هو حالياً رئيس أركان الجيش العراقي بابكر زيباري) ومعنا قريبي غازي زيباري - سفيرنا في تونس - كان حينها طالباً في كلية الحقوق في جامعة بغداد، ومعنا ابن أخي وأيضاً كان معه رخصة حمل سلاح وكان معنا مواطن كردي سوري اسمه مصطفى بيك رحمه الله وكان ممن التحقوا بالملا من أكراد سورية، وسائق من أهالي أربيل كان يتردد كثيراً بين بغداد وأربيل ووجدوا أن هذه المجموعة ربما تكون مجموعة لاغتيال صدام حسين. لأن من أعد محاولة الاغتيال كان صدام وأخوه برزان وتوهموا أننا أتينا للانتقام والرد. والتوتر بين الحزب والبعث في حينه كان في أوجه في الإعلام في جريدة «التآخي» (جريدة الحزب الديموقراطي الكردستاني) و «الثورة» و «البعث» فحققوا معنا على هذا الأساس. سُئلتُ: كم مرة ذهبت إلى منطقة جلالة التي كانت مقر بارزاني في وقتها؟ كل تحركاتنا كانت مسجلة في نقاط السيطرة وكم مرة ترددنا. واعتقدوا أننا خلية جئنا مع سكرتير الوزير نفسه. سألونا ماذا نعرف عن الشخص المفقود وأين هو وهل هو حي أم لا ونحن ليس لدينا أي علم. ثم من باب الضغط سُئلنا أنتم لماذا توحدتم (نحن كنا في السابق على خلاف مع بارزاني عشائرياً، ثم بعد بيان 11 آذار توحدنا) وانضمت عشيرتكم الكبيرة إلى بارزاني فقلنا لهم انتم طلبتم صفحة جديدة ومصالحة ووحدة وطنية ولا خلافات وبيان 11 آذار سوف يطبق نصاً وروحاً الخ. فاستخفوا بهذه المسألة وقالوا أنتم لماذا تصدقوا هذه المسائل، نحن حكومة ونعرف ما يتوجب عمله، بما معناه أن هذا تكتيك يقومون به حالياً، لماذا ورطتم أنفسكم مع المتمردين والمخربين بعد أن كنتم مرتاحين في بيوتكم، ودَقوا على هذا الوتر.

تعرضنا للإهانات والتخويف وتكرار التحقيق في عدة جلسات فأنا بقيت في «قصر النهاية» يومين ونصف اليوم وكنت من المحظوظين جداً والضابط بابكر وغازي وسكرتير الوزير صالح اليوسفي رحمه الله الذي كان وزير دولة ومن الشخصيات القيادية المفاوضة الأساسية. أخرجونا بعد أن جرت تدخلات قوية جداً. اعتقالنا سبب ضجة وحصلت اعتقالات أخرى وكان التوتر عالياً جداً. أتذكر أن إيران احتلت في هذه الفترة الجزر الإماراتية الثلاث بعد الانسحاب البريطاني. صدام خفف التوتر مع الحركة الكردية وقام يعزف على وتر آخر ويقول هذا احتلال وعلينا أن نتصدى ومطلوب وحدة قوية. والإيرانيون خلال حكم الشاه احتلوا الجزر خلال فترة احتجازنا في «قصر النهاية» وكان الشاه يدعمنا في الشمال فصارت لدى حزب البعث وقفة لذلك خففوا التوتر. الحزب والأمن الكردي بعد مداخلات ورسائل إلى أحمد حسن البكر وإلى صدام للإفراج عنا وعن مجموعات أخرى لم يكن ذلك مفيداً. فردوا هم بالمثل وذهبوا إلى كركوك وجنوبها واعتقلوا مجموعة من المسؤولين البعثيين المهمين وتم نوع من تبادل رهائن. بعد الإفراج عنا وحيث أن أعيننا كانت معصوبة طوال فترة التحقيق عرفنا أن أحد المحققين الأساسيين كان إما صدام أو أخوه برزان التكريتي مع ترجيح أن يكون برزان.

خلال اليومين والنصف من الاعتقال تعرضنا لأبشع أنواع التعذيب النفسي والجسدي يدخل علينا سجانون لضربنا ثم يأخذوننا للتحقيق ليلاً شاهرين علينا بنادقهم ويرشدوننا إلى موقع «الرمي» وآثار الدماء والرصاص. و(عانينا من) رداءة الأكل والوساخة. أنا إذاً من خريجي «قصر النهاية»، ومن ذلك الوقت حدث لي انقلاب فكري وهناك قول عربي مشهور: فيك الخصام وأنت الخصم والحكم. وقررت أنه لا يمكن لي أن أعيش في ظل مثل هذا الحكم.

> وقصتك مع الملك حسين؟

- أعود الآن إلى قصتي مع الملك حسين. بعد مسألة «قصر النهاية» تقدمت إلى الكلية العسكرية ولم تفد «كوتا» الوزارة وذهبت إلى الملا مصطفى وكتب والدي رسالة بأنني لا أستطيع أن أعيش في العراق فقد أُعتقل. قال إن الطريقة الوحيدة أن نرسلك إلى الأردن مع ثلاثة آخرين: أحدهم ابن أحد الضباط العراقيين المشهورين اللواء كمال مصطفى الذي توفي في لندن وكان لاجئاً لدى الثورة الكردية واسم ابنه رعد حسب ما أذكر واثنان أكراد: أحد أعضاء البشمركة وابن عمي. وأبلغونا أننا سنرسل لنكون في ضيافة جلالة الملك حسين. وكَوْن هذه أول بادرة لعلاقتنا كثورة كردية مع الأردن عليكم أن تحسنوا التصرف. خروجنا ودخولنا كان سراً من كردستان عن طريق إيران وليس عن طريق بغداد وكانت الدروب شبه محررة وتحت سيطرة الثورة. الأردنيون ساعدونا في حينها والسفير الأردني في طهران كان قائد القوة الجوية الأردنية في حرب حزيران 1967 وكان كردياً هو اللواء صالح الكردي.

أتينا إلى عمّان وكنا ضيوف الديوان الملكي في أواخر 1972 – 1973 وجاءنا رئيس الديوان شخصياً عامر خمّاش ورحب بنا وشرح لنا الظروف الأمنية وفي حينها كانت الثورة الفلسطينية مشتعلة والجامعة الأردنية فيها مشاكل فقال عليكم تقديم أنفسكم باعتبار أنكم إيرانيون من عرب الأهواز للتمويه وتحكون اللهجة العراقية العربية وكان هذا الغطاء المطلوب. وسيتم إسكانكم في كلية الشهيد فيصل الثاني التي هي مدرسة ثانوية نموذجية بسيطة لأبناء الشهداء المقربين وأبناء العشائر فلا أقسام داخلية بل مثل معسكر، من جهة للناحية الأمنية ومن ناحية أخرى لا نريد أن تجلبوا انتباهاً. وكنا أربعة شبان ننام في غرفة واحدة والأكل حسب البروتوكول العسكري الأردني حتى لا نلفت انتباه السفارة العراقية.

> هل تم تزويدكم بجوازات سفر؟

- تم إعطاؤنا جوازات سفر أردنية سرية. عند توجهنا إلى الجامعة كان مرافقونا من الديوان الملكي أو من رئاسة الأركان الأردنية وتم تقديمنا كضيوف إيرانيين وقدمنا أوراقاً وشهادات ثانوية وكان وضعاً صعباً. كان زملاؤنا الطلاب يعتقدون أننا ايرانيون. أكملت دراستي الجامعية في الأردن أربع سنوات حيث درست علم اجتماع وسياسة دولية في الجامعة الأردنية وهي جامعة عريقة جداً. خلال دراستي الجامعية في 1975 انهارت الثورة وأنا في السنة الثالثة. كنا في وقتها نتابع «الحياة» و «الحوادث» وإذاعة إسرائيل والـ «بي بي سي» وتابعنا حرب أكتوبر. وخلال تلك الفترة أصبحت لديّ صداقات واسعة جداً مع الجو السياسي الفلسطيني ومع الطلاب الفلسطينيين لناحية متابعة الأخبار والنقاشات واستفدت من وجودي هناك للإطلالة على الوضع العربي والوضع الفلسطيني ولم أكن معزولاً كما في أربيل أو في بغداد، وكنا نزور سورية وبيروت وجماعة جلال طالباني بدأوا في حينه تأسيس الاتحاد الوطني.

سنة 1975 انهارت الثورة وكانت صدمة رهيبة بالنسبة لي ولا أعرف هل أعود إلى إيران عن هذا الطريق؟ هل الترتيبات مستمرة؟ ومسعود والملا مصطفى وآخرون شبه معتقلين في إيران (وتم توزيعهم) وتحت المراقبة الشديدة، هل أعود إلى بغداد؟ بعد انهيار الثورة بقي بعض أشقائي الكبار في العراق، والبعض انتقل إلى إيران، وبدأ الأمن يضغط عليهم والاستخبارات وقالوا لهم أن عليهم إعادتي إلى بغداد بأي ثمن فأرسلوا إليّ مبعوثين ورسائل وأنا كنت من المعاندين بعد تجربة «قصر النهاية» قلت لن أرجع مهما كان. ثم أرسل إليّ شقيقي الأكبر رسالة تأثرت بها كثيراً قال فيها إنني رزقت بطفل (زوجتي من العمادية، مدينة تاريخية في كردستان العراق، ومن عائلة معروفة جداً) اسمه عبدالكريم سمّاه والدي تيمناً بعبدالكريم قاسم الذي كان معجباً به. فذكر في رسالته أنني أصبحت مسؤولاً أمام ابني وزوجتي وإخوتي الصغار فمن الضروري جداً أن أعود، وقال كلنا أردنا أن تنجح الثورة لكنها فشلت فإلى متى تبقى؟. أرسلت رسالة إلى مسعود قلت له أنني سأرجع، وهو يعرف ظروفنا، فقال عُدْ، لا مشكلة، ولكن انتبه إلى نفسك.

وكان عليّ أن أراجع السفارة العراقية في عمّان وهم يبحثون عني في عمّان، إذ إن الأمن العراقي كان يعتقد أننا في تدريب عسكري في الأردن في كلية عسكرية. وهم يتساءلون هل وصل الأردن إلى هذه المرحلة للتآمر على عراق البعث وعراق الثورة. توجهت إلى السفارة واستقبلت بالترحاب وقالوا لي سوف نساعدك قلت لهم أنني سأرجع بشرط أن أعود لإكمال دراستي إذ بقيت لي سنة للتخرج من الجامعة. قالوا نعطيك جواز سفر وتستطيع العودة فانت ابن هذا البلد ولا مشكلة. وكانت كذبة من مسؤول محطة المخابرات العراقية. قال أيضاً لدينا موافقات لإعطائك جواز سفر من السيد النائب (صدام حسين) في وقتها وهو «الكل في الكل» وكان مسؤول لجنة شؤون الشمال. قال نعطيك جوازاً وفي المطار مسؤول من السفارة سيسلمك الجوازات، ذهبت أنا وابن عمي إلى المطار، في حين أن صديقينا الآخرين قررا عدم العودة وبقيا في الأردن، فوجدنا «إذن سفر لسفرة واحدة». عند قراءتي لهذه الورقة قلت إن هذه هي النهاية. مسؤول الجوازات الأردني لن يسمح لي بالمرور سيسأل كيف دخلت الأردن، ما خلفيتك، الخ فماذا أفعل. اتصلت بمدير الأمن العام الأردني الذي كان أيضاً كردياً وشرحت له حالتي وقلت: أريدك أن تتصل بالمطار أرجوك، أريد أن أرجع إلى بغداد. تأثر الرجل وقال: خير ولماذا؟ فحكيت له القصة فاتصل بالمطار وسمحوا لي بالدخول للعودة إلى بغداد.عدت لاحقاً إلى عمان وأكملت دراستي ثم التحقت بالثورة وبدأت قصة طويلة انتهت مع إسقاط نظام صدام.

> كنت وزيراً يوم إعدام صدام ماذا كان شعورك؟

- كان بالتأكيد يستحق الإعدام في ضوء الأدلة والقرائن والجرائم والمعطيات لكن طريقة إعدامه لم تكن سليمة.

> أثار الإعدام جدلاً؟

- قام الجدل لاحقاً لكن الطريقة التي نفذ فيها الإعدام جعلت منه شيئاً لا يستحقه. الإعدام يوم العيد وطريقة الهتافات وطريقة لبس الأسود على وجوههم. المالكي وقع على قرار الإعدام وكلنا أيدنا إعدامه ولكن الطريقة أساءت إلينا وأعطت الانطباع بوجود رغبة في الثأر وأنه أعدم بسبب جريمة الدجيل في حين أنه من المفترض أن يعدم على جرائمه بحق رفاقه البعثيين في 1979 وبحق الأكراد والسنة أيضاً.

> حرك المشهد الحساسيات السنية -الشيعية؟

- الحقيقة أن طريقة التنفيذ والإخراج كانت سيئة جداً جداً جداً ومستعجلة ومرتبكة وغير مدروسة وتأذينا منها فصدام لم يكن يستحق إطلاقاً التعاطف الذي حصل عليه.

 

 

وزير خارجية العراق يروي لـ«الحياة» محطات من تجربته على خط الزلازل (1) زيباري: ابتهجت دمشق بتنحي مبارك واعتبرت نفسها محصنة ضد «الربيع»

 

وزير خارجية العراق يروي لـ"الحياة" محطات من تجربته على خط الزلازل (2) زيباري: أراد الإيرانيون إفشال الأميركيين لا التجربة الديموقراطية

 

وزير خارجية العراق يروي لـ"الحياة" محطات من تجربته على خط الزلازل (3) زيباري : هاجم مبارك بشار وقال إن علاقاته بإيران «أعمق مما نتصور» تشيني لصباح الأحمد: أخشى أن تغرق بلادكم تحت ثقل المعدات العسكرية

 

وزير خارجية العراق يروي لـ"الحياة" محطات من تجربته على خط الزلازل (4) زيباري: وافق الاسد على استقبال الجنرال بترايوس لكن واشنطن ألغت الزيارة