حرب القلمون السورية مؤجلة والهجوم على بلدة قارة جسّ نبض

حرب القلمون السورية مؤجلة والهجوم على بلدة قارة جسّ نبض

عمر كايد |

تصدرت معركة القلمون وسائل الإعلام باعتبارها ستكون معركة ذات أهمية كبرى في الحرب الجارية بين النظام السوري والمعارضة، وستكون لها تداعيات كبيرة على مسار الصراع الدائر منذ أكثر من ثلاثين شهراً في البلاد. مضت أسابيع وأشهر على هذا الحديث، ولكن المعركة الكبرى لم تبدأ. تقدم الجيش منذ أيام باتجاه قارة شمال القلمون؟ فهل يعني أن المعركة قد بدأت أو أنها على وشك الوقوع؟

تحت إلحاح هذه الأسئلة كصحافي زار هذه المنطقة من قبل، زرتها مجدداً لمعرفة القلمون، أكثر اجتماعياً وجغرافياً وسكانياً وسياسياً وعسكرياً...

تعتبر جرود عرسال بوابة القلمون. على أبواب فصل الشتاء تنشط في الجرود عمليات تهريب الأخشاب والمازوت في شكل كبير. بعض كتائب المعارضة تحمي الطريق وتراقبها.

أول ما يفاجئك في القلمون هو المساحات الشاسعة التي تسيطر عليها المعارضة، سرت أكثر من ثمانين كيلومتراً ولم أصادف أي حاجز للنظام. فالقلمون تضم أكثر من عشرين بلدة، أهمها يبرود وقارة والنبك وعسال الورد ورنكوس... عدد سكان القلمون يتجاوز المليون نسمة.

في العام الماضي، ذهبت إلى القلمون. التنقل كان صعباً جداً، كنا نسير ليلاً بين الجبال على الدواب، أو نتنقل مشياً عبر طرق حربية. أما اليوم فالمشهد تغير، صرنا نقطع المسافات الشاسعة بالسيارة، ونتنقل بين القرى والبلدات بسهولة. فقد تمكن الجيش الحر من إزالة أكثر من أربعين حاجزاً للنظام، أهمها حاجز الفاخوخ الذي يربط وادي بردى بالقلمون، وحاجز المشفى الوطني الشهير في بلدة رنكوس والذي كان يعتبر نقطة إسناد للكثير من الحواجز، وحاجز معلولا الذي أزالته جبهة النصرة منذ أسابيع. لم يبق سوى حاجز المزابل في قرية حلبون، حاولت المعارضة مراراً توجيه ضربات له، وقد استهدفته جبهة النصرة أخيراً، لكنها لم تنجح في السيطرة عليه.

أضحت المعارضة تسيطر على نحو سبعين في المئة من مساحة القلمون. النظام لا يسيطر سوى على الطريق الدولي والمناطق المحاذية له، كالقطيفة وصيدنايا وحفير وبدّا ودير عطية وجيرود...

في القلمون، المعارضة أضحت منظمة وتنسق في ما بينها بشكل واضح، ولا سيما بعد سقوط نحو مئة قتيل إثر استهداف مسجد خالد بن الوليد في رنكوس. أثناء تنقلنا من حلبون إلى رنكوس، استوقفنا حاجز لمجموعة تابعة لـ «غرباء الشام» في المزارع، طلب منا هويتنا بعد أن فتّش السيارة، فأعطاه الشخص الذي يصطحبني هويته، سأله عن الكتيبة التي يتبع لها، فأخبره أنه تابع لـ «لواء الإسلام»، انتظرنا دقائق حتى تواصلوا مع قيادة اللواء في المنطقة. باتت هناك إجراءات أمنية خاصة، وخصوصاً يوم الجمعة، للحؤول دون وقوع تفجيرات جديدة.

وما يثير الانتباه أكثر، هو ازدياد مستوى التنظيم عند بعض الألوية، فـ «لواء القادسية» مثلاً، الذي يعتبر من الألوية المؤثرة في منطقة رنكوس، أصدر بطاقات هوية خاصة بأفراد اللواء، حاله كحال الكثير من الألوية. يقول المسؤول الإعلامي في اللواء محمد الخطيب: «اختراقنا في هذا المكان صعب جداً».

التقينا بقائد أركان لواء القادسية أبو وسيم، يتحدث الرجل عن حساسية الوضع في رنكوس ومحيطها. فهذه البلدة تختزل الواقع الديموغرافي في القلمون، حيث تحيط بها قرى عدة تقطنها عائلات مسيحية كصيدنايا ومنين ومعلولا: «علاقتنا عبر التاريخ كانت جيدة مع إخواننا المسيحيين، وكانوا يعانون من النظام كما كنا نعاني. مع انطلاق الثورة، كان معظمهم يؤيد الإصلاح، لكن الوضع تغير اليوم، باتوا موالين للنظام بعدما نجح في تخويفهم منا».

قيادي آخر في أحرار الشام يقول «إن منطقة يبرود هي منطقة مختلطة، ولم يسجل أي اعتداء على المسيحيين منذ بداية الثورة حتى الآن».

اصطحبني القائد العسكري إلى المستشفى الوطني الذي كان يعتبر من أهم الثكنات التي كان يتمركز فيها الجيش السوري، الصعود إلى أعلى المستشفى كفيل بأن يكشف لك قرى عدة، كصيدنايا وحفير وبدّا وتلفيتا ومنين. قال لي أبو وسيم: «انظر إلى دير الشيروبيم على رأس الجبل في بلدة صيدنايا، أنظر إلى المدافع كيف تتحصن على التلة أمامه، وهناك الكثير من القناصة الموجودين على مقربة من الدير، نحن نستطيع استهدافه، لكن المشكلة أن النظام سيستغل ذلك، ويبدأ الترويج أننا نستهدف المسيحيين والأقليات، كما حدث قبل أسابيع في معلولا».

أبرز فصائل المعارضة الموجودة في القلمون والتي يقدر عددها بنحو عشرين ألف مقاتل، هي كتائب الجيش الحر (نحو خمسة آلاف)، وفي مقدمها لواء تحرير الشام بقيادة النقيب فراس البيطار، إضافة إلى جيش الإسلام الذي يقوده زهران علوش (نحو خمسة آلاف) ولواء أحرار الشام (أربعة آلاف) وجبهة النصرة وداعش (ألف مقاتل)، وغرباء الشام (ألف مقاتل)، ومغاوير القصير، وهم المقاتلون الذين نزحوا من القصير (نحو ألفي مقاتل)، ولواء القادسية (500 مقاتل) فضلاً عن الألوية والكتائب الصغيرة الموجودة في عدد من المناطق.

سألنا عدداً من قادة هذه الكتائب عن معركة القلمون. يقولون إن فرق المراقبة لم ترصد حشوداً لـ «حزب الله» أو للنظام تدل على معركة وشيكة في القلمون. لكن وعلى رغم ذلك، فنحن مستعدون للمعركة. يجمع هؤلاء على أن المعركة إن وقعت فستكون صعبة جداً على الطرفين. فالقلمون منطقة جبلية، والبرد فيها قارس، وظروف المهاجم أصعب من المدافع. يقول أحدهم: معركة المثلث التي يتحدثون عنها، والتي تمتد من الزبداني مروراً برنكوس وصولاً إلى عرسال، هي معركة موجودة في الإعلام فقط، فالنظام و «حزب الله» يدركان جيداً أنهما لا يستطيعان اقتحام القلمون، المعارك إن حصلت فستكون في بلدات محدودة ولن تكون شاملة. لا يستبعد رئيس أركان لواء القادسية أبو وسيم أن يتقدم الحزب قليلاً ويخوض معارك محدودة في الجبال لتأمين بعض القرى اللبنانية، خصوصاً قرب منطقة سرغايا والزبداني. أما أن تكون هناك معركة شاملة، فتحتاج الى تحضير كبير، والواقع الميداني جغرافياً وعسكرياً يشي بأن المعركة إن بدأت فستستمر أشهراً، ولن يستطيع النظام السوري و «حزب الله» السيطرة على المنطقة وفق أبو وسيم. فـ «المعركة بالنسبة الينا معركة حياة أو موت، القلمون هي رئة الثورة في دمشق وريفها وحمص، سقوطها يعني سقوط خطوط الإمداد، وبالتالي سقوط كل هذه المناطق».

محاور الاشتباكات إن اندلعت المعركة، ستكون كما يقدر قادة المعارضة على أربعة:

أولاً: الانطلاق من حاجز المزابل في حلبون للسيطرة على الطريق الذي يربط وادي بردى بالقلمون.

ثانياً: التقدم باتجاه بلدة حوش عرب وجبعدين، حيث سيسعى النظام للسيطرة على تلة جبعدين ليصبح وسط القلمون تحت نيرانه...

ثالثاً: المحور الثالث سيكون عند منطقة الحرف أو ما يعرف بالبرج بالقرب من الزبداني وبلودان وسرغايا وحام...

أما المحور الرابع فمن المتوقع أن يكون في قارة والنبك ويبرود (معركة تأمين الطريق الدولي).

الحياة هادئة وطبيعية في القلمون، لا مواجهات ولا معارك، هناك ستاتيكو واضح بين الجيش السوري والمعارضة. معسكرات الثوار في معظمها بعيدة من ثكنات النظام. حتى القصف بالطيران لم يعد النظام يعتمده كثيراً. أي اقتحام يفكر فيه الجيش السوري لبلدات القلمون يحتاج إلى حملة كبيرة. يقول أبو وسيم، لقد حاول النظام السنة الماضية استعادة رنكوس مرات عدة، وحشد عشرات الدبابات ولم يستطع دخول المدينة، فكيف سيستطيع الآن، وقد بتنا أكثر قوة وتنظيماً، خصوصاً بعد سيطرتنا على 32 مستودع سلاح في بلدة مهين.

سألنا أحد القادة الميدانيين في لواء «أحرار الشام» عن المعركة، فأكد أن عوامل عدة تحدد سير المعركة وحجمها وتوقيتها.

أولاً: التعقيدات الميدانية (المساحات الكبيرة والتضاريس) وقوة المعارضة إن لجهة العتاد أو العدد أو التنظيم. أي هجوم يحتاج الى حملة واسعة وشاملة، وسيكلف النظام خسائر فادحة.

ثانياً: النظام يخشى أن نقطع الطريق الدولية بين دمشق وحمص في مناطق قارة والنبك. نحن لا نستهدف هذا الطريق، كي لا يقصف النظام القرى، ولا سيما أنها تحولت إلى أماكن إيواء. لكن إن اندلعت المعركة فبالطبع سنقوم بقطع الطريق.

ثالثاً: انشغال النظام بمعركة جنوب دمشق والغوطة الغربية. فالأولوية العسكرية عند النظام هي تأمين العاصمة. لكنه قد يتقدم في بعض مناطق القلمون لاستعادة جزء من هيبته خصوصاً بعد استيلائنا على مستودعات السلاح الكبيرة في مهين.

رابعاً: النظام ينتظر ما ستفضي إليه المفاوضات في شأن جنيف اثنين. ولا يريد أن يدخل في معركة كبرى كالقلمون، تحمله مسؤولية فشل «جنيف2» أمام المجتمع الدولي، لكن برأيي المعركة مقبلة، لأن معظم الكتائب الموجودة على الأرض لا توافق على «جنيف2»، وبالتالي لا يمكن الائتلاف أن يتجاوزها.

بتقديري معركة القلمون الكبرى لم تبدأ بعد، وما يحدث في قارة له غايتان:

الأولى: دفع المعارضة المسلحة للدفاع بعد أن انتقلت أخيراً إلى الهجوم. فقد قامت الكتائب الإسلامية خلال الأسابيع الماضية باستهداف عدد من المواقع في قارة والنبك، والسيطرة على صدد الحمصية ومستودعات الذخيرة في مهين.

الثانية: محاولة من النظام السوري لجس نبض المسلحين في القلمون، وجس النبض الإقليمي والدولي لمعرفة مدى قدرته على تحمل معركة كبرى كالقلمون.