«داعش» تكفّر ابن باز وابن عثيمين والألباني... وعلماء «يتوّرعون» عن نقدها!

«داعش» تكفّر ابن باز وابن عثيمين والألباني... وعلماء «يتوّرعون» عن نقدها!

الرياض – عبدالواحد الأنصاري |

ما الخيط الفاصل بين «القاعدة» و«داعش»؟ سؤال قد لا يتبادر إلى الذهن مباشرة إلا بعد تأمل في الأحداث الأخيرة، خصوصاً بعد الثورات العربيّة. رأي المتخصصين في الحركات الإسلامية ورجال الشريعة في المملكة العربية السعودية يتضارب في هذه المسألة، وبعضهم يعدها حساسة إلى درجة أنها تفرض عليه «الاعتزال» والتوقف، وبعض آخرون يرون أن «داعش» أشدّ تكفيراً من «القاعدة»، بل ويتمنون أن يروا رأي «الظواهري» فيه.

اتصلت «الحياة» بالهاتف المحمول للباحث والداعية المشهور عبدالرحمن دمشقيّة لمعرفة رأيه حول هذه المسائل، فأجاب ابنه عبيدة عبر الهاتف بأن «والده غير متوافر حالياً للاتصال، لأنه في الخارج، وهو لا يحبذ التواصل مع أي شخص حول «داعش» أو حول ما يجري في سورية».

وأضاف عبيدة دمشقية: «والدي كلمته قنوات فضائية عدّة في هذا الأمر، لكنه اعتذر عن أي كلام في قضية «داعش» أو جبهة النصرة، وليس السبب أنه حائر في الأمر، لكنه يفضّل تجنب هذا الموضوع لأن فيه خوضاً في الدماء، وكذا أي فتنة يدخل فيها الصالح والطالح، ولهذا فالوالد لا يريد الحديث عنها في الإعلام تماماً، ومنذ أن بدأ الموضوع والوالد (يقصد الشيخ دمشقية) معتزل له ولم يدخله أبداً».

وحين سألته «الحياة» عن سبب سكوت الدمشقية واعتزاله لهذه المسألة مع قوة تأثيره وإمكان رجوع بعض من يؤيد «داعش» عن تأييدهم لها بعد إبدائه لاعتراضه عليها، أجاب عبيدة عبدالرحمن دمشقية بأن والده «يفضل البقاء على تخصصه في الفرق والمذاهب»، وتابع: «كما أن هناك من العلماء من كفوا ووفوا في مثل هذا الأمر مثل عدنان عرعور وسعد البريك وغيرهما كثير من المشايخ تكلموا في هذا الموضوع».

وجواباً عن كون الشيخ دمشقية من أهل الشام ويتميز بذلك عن غيره مما قد يجعل حديثه في القضية مهماً مثله مثل العرعور، أجاب عبيدة بأن الشيخ العرعور «أقرب للوضع، وهو على اتصال مباشر بالمطلعين على الأمور في الشام، أما والدي فهو بعيد من هذا الموضوع، وليس على اطلاع مباشر به، ولا يدري شيئاً إلا عمّا يصدر ويراه في الإعلام، وأما العرعور فله تواصل مباشر مع من هم هناك، ويسمع منهم الأخبار ويطلع عليها في شكل مباشر».

ومجيباً عما إذا كان الدمشقية يرد على من يسأله عبر اتصال مباشر عن «داعش» ورأيه فيها، أجاب عبيدة بأن والده اتصلت به قنوات فضائية فقط، ولم يسبق للأفراد أن استشاروه في الأمر بحسب علمه.

من جهته، أكد أستاذ الحديث وعلومه الدكتور سعد الحميد لـ«الحياة» أن «داعش» عبارة عن امتداد لما كان في العراق، «وأنا شخصياً بحكم معرفتي بما حصل من هذا التنظيم في العراق وما تلاه من تصرفات دولة العراق والشام في سورية الآن لم أستغرب الذي حصل، لأن المآسي التي حصلت في العراق ولم تكشف مثل ما كشفت مآسيها في سورية هي أشد وأنكى، والإخوة الذين حدثونا من العراق حدثونا بمآس يمكن أن يكون ذكرها الآن لا يناسب، لكن على كل حال ما أجهض «الجهاد» في العراق إلا تصرفات هذه الدولة مع الأسف، ويرتكز هذا أولاً في العنجهية التي نجدها في أنفس أتباع هذه الحركة، إذ يعدون أنفسهم المجاهدين ومن سواهم لا، ويعدون أنهم هم من ينبغي أن يبايعوا وينضوي الجميع تحت لوائهم، ولا يجوز لأحد أن يشكل فصيلاً إلا تحت لوائهم».

ويؤكد الحميد أن الصراع بين «داعش» وبقية الفصائل «صراع سلطة بينهم، أما ما يمكن أن يفسر بتفسيرات أخرى مثل كونهم عملاء لإيران أو لدولة المالكي أو لنظام بشار فهذا مما تردد على ألسنة الكثير، ولكن لا شك في أن هذه الأمور تحتاج لإقامة أدلة واضحة وبيّنة، وهناك مقاطع «يوتيوب» يمكن أن يستفاد منها مثل هذا».

ويعود ليقول: «دعنا نتكلم في الشيء الذي يمكن الجزم به، وهو قضية الاستهانة بالدماء والتكفير، وهذا لم يعد خافياً على أحد، ولا يحتاج إلى إقامة دليل، ومقاطعهم وتهديداتهم وكلامهم في أهل العلم وحكمهم بالردة».

وتابع: «أنا ممن حكموا عليه بهذا الحكم، ولو اطلعت على حسابي في «تويتر» لأدركت هذا، وقد حكموا به علي وعلى غيري، كل من خالفهم يحكمون عليه بأنه «مرتد»، ولو راجعت المداخلات التي حصلت بيني وبينهم في «تويتر» لوجدت منها ما يشيب له الرأس، وهؤلاء جمعوا بين استباحة الدماء والتكفير، وكأنهم يرون أن استباحة الدماء لا تُسلّم لهم إلا إذا حكموا بالردة، وهذا خلل كبير في التأسيس الفقهي، وهم ضاهوا الخوارج الأوائل فحكموا بتكفير من لا يحكم بتكفيره بقية طوائف الخوارج، فحكموا بتكفير أهل العلم، مثلما رأيناه من تكفير بعضهم للشيخ عبدالرحمن البراك والشيخ عبدالعزيز الراجحي، بل للشيخين ابن باز وابن عثيمين والألباني، فضلاً عن باقي الدعاة من شتى الأطياف مثل تكفيرهم لناصر العمر ومحمد السعيدي ووليد الرشودي وسعد البريك، وحتى هيئة كبار العلماء تكفرها «داعش»، فكلهم عندها «مرتدون».

ونبّه الدكتور الحميّد إلى أن «من لوازم مذهب «داعش» أن العالم الإسلامي قبل ظهورها لم يكن فيه قائم بالحق، وأن الأرض خلت من الطائفة المنصورة، والنبي صلى الله عليه وسلم قال: (لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين)، وكلمة «لا تزال» تدل على الديمومة والاستمرار، وهي طائفة في كل عصر، فأين هم قبل وجود دولة «داعش»؟ وقد يقولون: إنها كانت في أفغانستان، لكن قبل أفغانستان ماذا يقولون؟ إذاً، وبحسب الاستقراء فإنهم يرون أن الكفر بدأ في الدولة السعودية منذ عهد الملك عبدالعزيز فما بعده والعياذ بالله، وإذاً فلا طائفة على الحق ظاهرة عندهم منذ ذلك الحين». وحول السؤال المهم والمؤرق للكثيرين عن الفرق بين «داعش» و«القاعدة»، يرى الدكتور الحميد أن «داعش» منفصلة عن «القاعدة»، مشيراً إلى أن القاعدة في الأصل كانت أيام أسامة بن لادن تركز على العداء لأميركا تحديداً، وكانت مظلة تجميع، فيكون في تنظيم «القاعدة» من ربما كان عنده هذا البلاء ومن يمكن أن يكون دون ذلك، لكنها كانت تجمع الناس تحت لواء عداء أميركا فقط، وسبب ذلك أن منهج أسامة بن لادن هو الحرص على تجميع الناس على بغض أميركا ومحاولة ضربها، وكان لا يريد الخوض في العقديات، وكل من جاء لأسامة بن لادن وانتقد أموراً عقدية يقول له أسامة: «معليش خلنا الآن في العداء لأميركا»، ويحاول أن يهوّن من الخلاف العقدي، ويجمعهم على هذا الرابط والقاسم المشترك.

وحول أيهما أشدّ توجهاً إلى التكفير يرى الحميّد أن ابن لادن في آخر أيامه أصبحت لديه مراجعات في ما يتعلق بالعمليات الإرهابية داخل المملكة، وقد يكون حاول أن يبيّن هذا، ولكن من حوله حاولوا التكتم على هذا الرأي الذي كان سينسف «القاعدة» من أصلها، والذي يظهر والله أعلم أن أيمن الظواهري عنده تحسن في ما يتعلق بما تفعله «داعش»، ولكن نحن نطالب أيمن الظواهري أن يظهر لنا هذا التحسّن حتى تتضح الأمور».

وأضاف: «لأجل هذا وأن «داعش» أخطر من «القاعدة» وأشد منها في سفك الدماء والتكفير، أرى أن من فيها منتهون، وأنا أعتبر أنها تلفظ أنفاسها، وهي متقوية مادياً من طريق شباب أغرار نسأل الله أن يهديهم».

أما لماذا تأخر بيان العلماء في ما يخص «داعش»، فيقول الحميد إن السبب أنه قبل دخولها الساحة السورية كان وضع الجهاد بخير، وإن كنا نعرف مغبة الفرقة والشتات ونحث على الائتلاف قبل دخول من يمكن أن يصطاد في الماء العكر، لكن سبق السيف العذل، و«داعش» دخلت على غرة هذا الافتراق بين بعض الفصائل وإن كان الافتراق لم يصل للاقتتال، وكان ينبغي أن يتنبهوا للوحدة حتى لا يكون لها طريق للدخول كما حصل الآن من المآسي».

وحول رأيه فيما يراه من بعض المفتين والدعاة من التوقف والتورّع عن الكلام في قضية «داعش» وإدانتها، يرد الحميد بهذه الإجابة: «الورع في أصله مطلوب، وينبغي للإنسان أن يكون ثقيلاً في الحكم في الدماء أو التبديع أو التفسيق، ولو طرأت عليه شبهة فينبغي أن يتوقف، ولكن موضوع «داعش» من يتورع عنه فهو يتورع من جهة، ويقع في أسوأ مما فر منه من جهة أخرى، لأن من يتورع عن نقد «داعش» كأنه يعطيها مبرراً للاستمرار في أفعالها، في هذه العمليات التي تقوم بها، التي نقول إنها لو استمرت هكذا فإنها لا شك ستقضي على الجهاد في سورية، وسيستتب الأمر لأعداء الشعب السوري، إلا إذا استتب الأمر وهزمت «داعش» وإلا فستبقى شوكة في الحلوق».

أما الدكتور عدنان العرعور، وهو المصدر الذي يحيل إليه كثير من المتخصصين في «الشريعة» من الذين اتصلت بهم «الحياة» لأخذ آرائهم، فيرى في حديثه إلى «الحياة» أن السبب في إدراك بعض العلماء متأخرين لحقيقة «داعش» هو أن الفتوى «لا تكون صحيحة حتى يتحقق في المفتي عنصران، الأول منهجية علمية سليمة والثاني فهم عميق للواقع، وكثير من المشايخ يفتقدون أحد هذين العنصرين، فتصدر الفتوى منهم «عرجاء» ضررها أكثر من نفعها».

وأجاب العرعور على السؤال المهم: الكثير يرى «داعش» على أنها جزء من تنظيم «القاعدة»، فهل هي امتداد له، ما الفرق بين «داعش» و«القاعدة»؟ بقوله: «داعش» تنظيم مستقل يتخذ من القاعدة غطاءً له كي يكون له قبول لدى بعض الأطراف، وهي تتألف - في الحال السورية - من ثلاثة أصناف: الأول التكفيريون الدمويون، وهم الذين يعشقون التكفير ويتلذذون بالقتل، والثاني الخبثاء المخترقون، مثل أجهزة الاستخبارات العالمية وفي مقدمها النظام السوري وإيران وروسيا والعراق وغيرها، والثالث «أغرار هبوا لنصرة إخوانهم من غير بصيرة علمية، ولا فقه للواقع، يحملهم الإخلاص والعاطفة اللذان طغيا على الحقائق «وإثمه على من أفتاه» كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم. ووجه العرعور كلمته إلى بعض الدعاة الراغبين في إرسال الشباب للجهاد في سورية وهم يرسلون أبناءهم إلى الدول الغربية للدراسة ويتنزهون معهم ويرسلون أبناء الناس للقتال، قائلاً: «لا شك في أن على المفتي أن يلتزم بفتواه قبل غيره، فهو قدوة للناس، ولا يمنع هذا الالتزام أن يكون هناك ظرف خاص للمفتي ينبغي مراعاته، فرسول الله لم يخرج في كل الغزوات، وإذا كان ثمة خطأ - وليس بمعصوم أحد بعد الرسول صلى الله عليه وسلم - فلا يجوز استغلال هذا الخطأ لتشويه سمعة العلماء، الذين هم صمام أمان الشعوب، ودروع الأمة من الفتن، ودواؤها في المحن».

وختم العرعور حديثه لـ«الحياة» بأن بعض طلبة العلم الذين يقولون إنهم متوقفون عن الكلام في «داعش» تورعاً أو خشية للخوض في الفتن، أو بدعوى أن بعض أهل العلم كفوهم مؤونة الكلام، فهؤلاء المتوقفون عن الكلام في «داعش» بعد اتضاح صورتها في سورية أربعة: الأول بسبب الخوف من «داعش» وخلاياها المجرمة، والثاني بسبب ضعف في الإرادة والشخصية والملكة الحوارية، والثالث بسبب قلة العلم والتأصيل والضعف في الفهم والإدراك، ولو ذاع صيته في الآفاق، والرابع من لا يدركون حقيقتها، ولم تثبت لديهم جرائمها، لتقصير منهم أو غفلة عن ذلك».وتابع: «لذلك كنت من أوائل من واجه فكر التطرف والتكفير من عشرات الأعوام، وكذلك نصحت «داعش» بعد ظهورها في سورية داخلياً وخارجياً، ولو وقف العلماء وقفتي لما كان ما كان، ولكن قدر الله وما شاء فعل».