«اجتماع عائليّ» لإليوت: لعبة التبادل بين الضحية والجلاد

«اجتماع عائليّ» لإليوت: لعبة التبادل بين الضحية والجلاد

ابراهيم العريس |

للوهلة الأولى هي مسرحية عائلية على النمط الانكليزي العريق، حتى وإن كان كاتبها اميركي الاصل. ولكن منذ البداية تبدو على هذه المسرحية أمارات التعقيد، بحيث إن المتفرج عليها، او قارئ نصها، يحتاج الى مقدار كبير من التركيز حتى يتمكن من لمّ شتاتها وإدراك الدوافع الحقيقية المركبة لكل فعل وعبارة فيها. وسلفاً يمكننا ان نخمن هذا منذ اللحظة التي نعرف فيها ان كاتب المسرحية هو ت. اس. إليوت. ذلك ان إليوت حرص في كل ما كتب من أشعار ومسرحيات، وحتى من نصوص نقدية، على طرح مجموعة من أفكار حول هواجسه الدينية والاخلاقية، ما جعل ابداعه، في معظم الاحيان، ابداعاً فكرياً ذهنيّاً خالصاً، قد لا يجد فيه ضالتهم محبو الفن الهادئ. وكأن إليوت اراد لنفسه ان يكون فيلسوف الفن وفنان الفلسفة. وحسبنا ان نعود هنا الى «الارض اليباب» و «مقتلة في الكاتدرائية» حتى نجدنا امام هواجس هذا الرجل، الذي ترك اميركا وطنه الى بريطانيا نهائياً، وترك بساطة المعتقد البروتستانتي الى تركيبية النوع الانكليزي الخاص من الكاثوليكية، معبّراً في أدبه عن ذلك كله. والمسرحية التي نحن هنا، في صددها، لا تشذ عن هذه القاعدة، حتى ولو بدت اول الامر حديثة تشويقية، او مجرد دراما عائلية. ذلك اننا بعد البداية بلحظات سنكتشف صلات عميقة بين «اجتماع عائليّ» - وهو اسم هذه المسرحية - وبين المعاني العميقة التي يستعيرها اليوت مباشرة في «اوريستيا» اسخيلوس ومعانيها الخفية والظاهرة.

> عملياً، كانت «اجتماع عائليّ» ثالث مسرحية يكتبها اليوت وفي مرحلة متأخرة من حياته، أي في العام 1939، حين كان قد تجاوز الخمسين. ومن الواضح انه، في ما وراء الحبكة والحدث، كان يريد ان يعبّر عن هواجس وأفكار دينية خالصة تتعلق بالخطيئة والتوبة والشعور بالذنب، وما شابه ذلك من مفاهيم وأمور نعرف انها طالما ملأت أشعار إليوت ومسرحياته. لكنها هنا، اذ تبدو الحبكة مبسطة بعض الشيء، على عكس السياق العام للعمل وللعلاقات بين الشخصيات، يوفر هذا للكاتب فرصة للتعبير المركب، القلق، عن تلك الهواجس. ويزيد من حدة هذا كله ان ما يعتمل في داخل هاري - الشخصية الرئيسة في المسرحية - يظل محصوراً داخل فؤاده، ومتداوَلاً بينه وبين عدد ضئيل جداً من الشخصيات، بحيث يصعب على بقية الشخصيات، على رغم مركزيتها في المسرحية، ان تفهم شيئاً مما يقلقه. ذلك أن مأساة هاري جوّانية، تنبع من داخله لا من الاحداث التي يعيش، على خطورة هذه الاحداث.

> مسرحية «اجتماع عائليّ» مسرحية شعرية تدور أحداثها في صالون معاصر في دارة فخمة لعائلة انكليزية نبيلة. وفي ذلك الصالون، يجتمع كبار أفراد العائلة في انتظار عودة النبيل الشاب هاري، لورد مونشسني، الذي كان غائباً منذ ثمانية اعوام ترملت خلالها أمه، وها هي راغبة الآن منه، ان يعود، ليتولى ادارة شؤون الدارة. غير ان هاري، لا يبدي منذ اللحظة التي يصل فيها ادنى اهتمام بالمشاريع التي تعدها الأم له، ذلك أن باله مشغول بمشاكل وهموم اشد حدة بكثير. وهذه المشاكل سندركها ملخّصة حين تكشف لنا محادثات بين هاري وخالته اغاثا وابنتها ماري، ان هاري قد قتل، او بالأحرى، يعتقد انه قتل زوجته اذ دفعها من أعلى صخرة الى البحر خلال رحلة بحرية كانا يقومان بها. وهذا الاعتقاد يطارده محمّلاً اياه عقدة ذنب رهيبة، خصوصاً انه يشعر، منذ رحيل الزوجة، بوجود شياطين تلاحقه، شبيهة بتلك الأرواح التي لم تتوقف عن مطاردة اورست في مسرحية أسخيلوس الشهيرة، منذ قتله كليمنسترا. لكن الخالة، وعلى رغم ان الارواح تظهر على خشبة المسرح كأشخاص طبيعيين امام أعين سائق اللورد وخدمه كما امام أعين جمهور متفرجي المسرحية، تحاول ان تهدئ من روع ابن اختها مؤكدة له انه ليس مسؤولاً عن شيء، كاشفة له، لدعم كلامها، سراً عائلياً يتعلق به شخصياً، كما يتعلق بها وبالأسرة ككل: ففي الماضي حين كانت أمه آمي حاملاً به، شعر والده بانجذاب قوي الى الخالة، لذلك حاول ان يقتل الأم، لكن اغاثا تدخلت ومنعته من ذلك. وبالتالي عاش الأب فريسة لعقدة ذنب جريمة لم يرتكبها، لكنه كان حاول ارتكابها. ومن هنا، فإن المشاعر التي تهلك هاري اليوم، ليست اكثر من إرث من أبيه، وبالتالي لا علاقة له بموت زوجته التي يؤكد السائق الذي كان شاهداً على الحادثة خلال الرحلة البحرية انها ماتت قضاء وقدراً، وأن هاري لا يد له في قتلها. امام هذا كله يدرك هاري ما سيصبح حقيقة الامر بالنسبة اليه: ان شعوره العميق بالذنب انما هو الذكرى غير الواعية لرغبة ابيه في قتل امه. ومن هنا، يفكر أنه، حتى اذا كان هو الذي دفع زوجته من أعلى الصخرة لتقتل، ليس سوى الاداة المنفذة لجريمة تتعلق باللاوعي العائلي. وبالتالي، فإن عقدة الذنب يجب ان تكون من نصيب والده لا من نصيبه. هو لا ذنب له في كل ذلك على الاطلاق. فقط هو يتحمل اللعنة كضحية وليس كجلاد. وهنا اذ يصل هاري الى هذا الاستنتاج المريح، يكتشف ان اغاثا هي التي يجب ان تكون أمه الروحية الحقيقية، خصوصاً ان امه آمي، لا تهتم إلا بالمال والاعمال، ولا تفقه أي شيء من مشاكله الروحية والدينية العميقة. واذ يفكر هاري في ذلك كله، يصل بالتالي الى قناعة بأن الارواح التي تطارده، ليست في الحقيقة شياطين شريرة، من النوع الذي كان يطارد اوريست في المسرحية الاغريقية، بل ارواح خيرة همها من خلال ملاحقتها له، ان تحضّه على تطهير نفسه، وتطهير بقية افراد الاسرة، ما يجعل منه في النهاية الضمير الحي لعائلة مونشسني. وما ان يدرك هاري هذا كله حتى يقرر ان يترك دارة العائلة الى حيث يلاقي تلك الارواح بدلاً من ان يواصل درب الهرب منها. والذي يحدث هنا، هو ان قراره هذا يؤدي بالتالي الى إحداث تبدل اساسي في مصير كل شخصية من الشخصيات. اذ ان امه سرعان ما تموت اذ تجد آمالها قد احبطت بفعل عدم اهتمام الإبن بثروة العائلة. وآغاثا تصبح هي المسؤولة عن الدارة وقد حُوّلت نزلاً. وابنتها ماري، بعد يأس عقيم، ها هي تستعيد الآن حبها للحياة وتسعى الى مواصلة دراساتها. اما تشارلز، وهو شخصية ثانوية كان وجوده المرح يضفي على الجو كله طابعاً مبهجاً، فإنه يقف هنا ليقول: «اخيراً بدأت أفهم ان ثمة اموراً هنا يمكن ان افهمها».

> من الواضح هنا، ان ما اراد إليوت ان يوصلنا اليه في «اجتماع عائليّ» هو فكرة ان كل شخص من الحاضرين قد ادرك بفعل ما حدث للبطل من تطهّر، ان الحياة الهادئة في ظاهرها التي يعيشونها انما هي حياة شديدة الهشاشة واقفة على حبل مشدود وأن ما يبدو مستقراً، هو في حقيقته غير مستقر... وأن الامر احتاج الى ذلك المطهر الذي مرّ به «البطل» قبل ان تعود الامور الى نصابها، عن وعي مريح ومحيي، لا وسط لا وعي ظاهره مريح لكن باطنه مدمّر. بكلمات اخرى، من الواضح ان اليوت شاء هنا ان يرينا كم ان الواجهة الهشة للحياة في حضارتنا الحديثة تخفي وراءها قلقاً لا يمكننا مجابهته بجهله او تجاهله، بل بإدراكه.

> توماس ستيرنز إليوت (1888-1965) هو الناقد والكاتب والشاعر الذي كان جزءاً أساسياً من حياة الأدب ليس فقط لدى الانغلوساكسون، بل في العالم كله، خلال النصف الاول من القرن العشرين. وهو اشتهر بقصائده ومسرحياته (التي لم يزد عددها عن السبع مسرحيات كتبها خلال فترة زمنية تمتد من العام 1934 حتى العام 1958، علماً انه كتب «اجتماع عائليّ» في العام 1939 لتمثل في العام نفسه على خشبة المسرح اللندني)، لكن إليوت اشتهر خصوصاً بدراساته النقدية التي أثرت، كما كانت حال شعره، في عدد كبير من النقاد والمدارس النقدية في عدد كبير من البلدان. وذلك قبل ان تحيله العقود التي تلت موته الى نسيان نسبي.

 

alariss@alhayat.com