رزان زيتونة: سيرة ملتوية من الألق والإحباط

علي جازو |

تصلحُ شخصيّة رزان زيتونة (مواليد دمشق 1977) المحامية التي حوّلت اعتدالها الفكريّ وعلمانيّتها الذاتيّة، مدعومةً بكفاءتها المهنيّة الماهرة إلى عمل يومي ملموس ومثمر خلال ما يقارب الثلاث سنوات، مادةً للمقارنة بين حال الفرد (المرأة السورية تحديداً) وضغط الجماعة السكانيّة الدمشقية الأكبر والأكثر طغياناً (الذكورية الطابع والتسلطية) عموماً داخل تركيبة المجتمع السوريّ المعقّدة والغنيّة في آن.

هي رمزٌ ساطعٌ وفريد للمرأة السورية المستقلّة والعصاميّة، وفوق ذلك هي التي استطاعت بنزاهة وشجاعة تخطّي حاجز المهنة (المحاماة) الضيّق والمستغَلّ أبشع استغلال، وهي المهنة الراقية المغْنِية والمعروفة بمدى استشراءِ الفساد لدى العاملين بها في عموم سورية. من الملاحظ كذلك، لكثرٍ من زملاء شاطروا رزان العملَ الحقوقيّ والمدني، عزوفها الصلب عن الهرب خارج سورية، على رغم احتمال اعتقالها أو قتلها في أي وقت. لقد تمّ تأمين ممرٍّ لإنقاذها وتهريبها قبل حصار الغوطة الخانق وبعده (ريف دمشق) بداية عام 2013 وأواسطه، إلى أن تعرض المدنيون هناك للقصف بالسلاح الكيماوي آب (أغسطس) 2013، إلا أنها بقيت تفضّل العمل تحت الحصار والجوع على الهرب، وقد منحت فرصة الهرب حينها إلى عائلة سورية فآثرت بذلك سلامَة تلك العائلة على سلامَتِها.

ليست رزان طبيبة كما نعلم ولا معالجة نفسية، غير أن سلوكها الفعليّ أقرب إلى العلاج الفعّال منه إلى النصيحة المعرفية المجردة. عالم المثال السوري كان عالماً من نصائح مثالية صافية وصحيحة على الدوام، كان عالماً يخضع لما يجب أن يكون على مستوى اللفظ والدعاية لا غير، في حين أنه كان يحيا حقيقة على مستوى شبه بدائيّ من كل ذلك. وهي إلى ذلك عاشت وسط من هم أقلّ منها معرفة وخبرة وكفاءة ومستوى معاشياً (طبقياً). لم تتعالَ ولم تنقد من دون جدوى. خيارها العنيد والمتمسك بالنهج السلميّ والإغاثيّ الفعّال قدّم لها فرصة حقيقية لاختبار الحقيقة السورية الثورية المريرة، وسط ظروف قاهرة تلغي كرامة الشخص الإنسانية واعتباره القيمي.

كان هذا تحدياً خارقاً، غير أن رزان نجحت في تجاوزه وملئه بقوة حياة (بريئة) أتتْ من ندرة العيش لا من سخائه، ومن الخوف لا من الأمان، ومن روح المسؤولية لا من ادعاء الواجب فقط. لقد أضفت شخصيتها قوة جاذبة وحيوية على محيطها، وبذلك صنعتْ مكاناً ينبض بالحيوية والدفء الإنساني من داخل مكان لم ير العالم منه سوى رائحة الجثث ودخان المباني المدمرة.

من المعروف على المستوى السيكولوجي أن نمط الاستبداد السوري، غير الشبيه بالحالة المصرية مثلاً، قضى على نحو شبه كليّ على مقدرة التفكير السليم للإنسان السوريّ العاديّ، ناهيك عن الطبقة المتعلمة منه أو ذات الكفاءة الخاصة. إن القدرة الفرديّة على اتخاذ قرار وأخذ زمام المبادرة، سواء في داخل العائلة التي غالباً ما تخضع لسلطة الأب، الزوج، أو الشقيق الأكبر (الرجل)، أو في المحيط العام، كانت من الضآلة والخفوت إلى حدَّ أن الرجل السوري، ناهيك عن ذكر المرأة السوريّة، غدا فرداً عديم الوجه وعديم الوجهة. كان يكفي، في المقابل، لواحد منا أن يجلس وسط مقهى تابع لنقابة المحامين السورية حتى تملأ رائحة العفونة عقله وتمنعه من سلوك درب النزاهة المهنية الباهظة الكلفة في بلد كسورية. بهذا المعنى، فإن رزان زيتونة حطمت عرفين في وقت واحد، ومن دون ضجيج: أولاً، قدمت عملاً من المهارة والخطورة والأهمية بمكان ما عجز عنه كثير من الرجال في سورية، من دون أن تنسب ذلك إلى كونها امرأة، فرزان تتحدث عن مواطنين سوريين ومواطنات سوريات، لا عن رجال ونساء فقط.

ثانياً، كسرت سلّم التراتبية الاجتماعية السائد، والذي يحرص نظام كالنظام السوري على مدّه بأسباب البقاء والدوام. لقد عاشت وقاسمت العيش والأمل، الخوف والجوع مع نساء ورجال كانوا من عداد المهمشين داخل البنية السكانية الغنية في دمشق. وهي بهذا أيضاً قدمت صورة (لرجل القانون) مختلفة على نحو جذري عن الصورة التي يريدها بشار الأسد، حيث يمكن ببساطة وسخف إجراء تعديل دستوري يخفض سنّ الرئاسة من 40 عاماً إلى 34 عاماً كي يحتل مكان والده، وبذلك أيضاً يحتل الدستور الذي ينبغي أن يناسب الشخص الواحد لا الشعب المتعدد الذي تمثل رزان أحد وجوهه المشرقة.

تكشف صورة وجه رزان عن ألق وعفوية أليفتين، وأكثر صورها انتشاراً تظهر في الخلفية مكتبة عامرة بالكتب مع ابتسامة هادئة وعريضة على الوجه. تدل تلك الصورة في ما تدل عليه على سيدة منزل شابّة منها إلى محامية جامدة تقضي جلّ وقتها في عمل آليّ تقني صرف. بهذه الروح قدمت جلّ عطائها غير المحدود. لم تنظر رزان زيتونة إلى نفسها كامرأة (أنثى ضعيفة) وسط مجتمع تغلبُ عليه روح المحافظة الاجتماعية بما يعنيه ذلك من إعلاء سلطة الذكور عموماً. ما كانت راضخة للعرف العام الذي يفضل توافقات اجتماعية قصيرة الأمد وعاجزة عن التحول وتجاوز الظرف الحابس (امرأة – رجل، رجل – امرأة)، ولا متبجّحة بتفوقها المهنيّ، العلمانية الهادئة وغير المحجبة التي صادقت المحجّبات السوريات، وربّات البيوت الكريمات في الريف الدمشقي الواسع والذي تعرض لأقسى حملات التدمير والتجويع. تعاملت رزان المعروفة والمعرَّفة بمهنتها كمحامية وناشطة على مستوى دوليّ، مع نساء سوريات لم يتلقين مثلها معرفة أكاديمية. ظروف الفرق المهني وتراتبية السلم الاجتماعي تكسّرت عبر إصرار رزان على العيش وسط بيئة معنّفة بالمعنى الذكوري، وتتعرض لعنف يومي يقوم به (رجال) البعث بالمعنى السلطوي المدمِّر. لقد كسرت رزان بشجاعتها وصبرها الحاجزَ الميت، وجعلت من معرفتها درباً نحو تعارف إنساني وطني واجتماعي أغنى وأعمق أثراً.

على العكس من ذلك التقويم السائد والفرق الجاهز بين الرجل والمرأة في مجتمع شرقيّ أقرب إلى الانغلاق منه إلى التعاطي السهل والمفتوح بين الرجال والنساء، حيث يحتل الرجل الصدارة فيما تبقى المرأة في الخلف، في مطبخ العائلة السورية المعتم، ذلك أن صورتها (المرأة المبتسمة وصديقة القطط في دوما) طغتْ على صورة زوجها (الرجل) ورفيقها في الحياة والعمل المدني السلمي والإغاثيّ. وليس من المستغرب، بل ربما من المستغرب، عدم الإشارة إلا في ما ندر إلى عمل الزوج الناشط، وائل حمادة الذي سيعتقل من أجهزة الأمن السورية، ثم يُفرَج عنه بعد أشهر حجزٍ طويلة، وقبل أن يخطف لاحقاً يوم ( 9 - 10/ من كانون الأول - ديسمبر2013)، هو وهي (رزان) هذه المرة برفقة كلٍّ من الحقوقية والسجينة السياسية السابقة سميرة خليل، زوجة واحدٍ من أهمّ كتاب الثورة السورية ياسين الحاج صالح، وناظم حمادي في دوما بريف دمشق الشرقي، المحاصَرة من النظام السوري، والمحرّرة ذاتياً، على يد مجموعة عسكرية ملثمة، سبق أن أطلقت النار في 25 أيلول (سبتمبر) 2013 على المنزل الذي كانت تسكنه رزان ورفقاؤها.