جبرا إبراهيم جبرا رحل عن زمنه مرتين

فيصل دراج |

قال الراحل إميل حبيبي ذات مرة، وهو يرثي صديقاً له في حيفا: لم نكن نموت في ذاك الزمان بل كنا نسافر. استرجع الأديب الساخر صورة فلسطين «في أيام العرب»، حين كان الفلسطيني يعيش في أرضه ويدفن فيها، ولا ينتهي إلى قبر في مكان مجهول. لن يحظى جبرا إبراهيم جبرا بنعمة الولادة والعيش والموت في وطنه. رحل بعد النكبة من القدس إلى بغداد، وبقي في بغداد إلى أن رحل عنها عام 1994 مع أشياء كثيرة رحلت، فلا القدس التي عاش فيها بقيت كما كانت، ولا بغداد وقاها الزمن من لعنات مقبلة.

إن كان لهذا الفلسطيني، المصاغ من الألفة والنجابة، صفة تليق به، فهي: المتعدد، لا بمعنى عدم اليقين، كما يقال، بل بمعنى: فائض الموهبة، الذي أخذ به إلى أجناس كتابية متعددة، وإلى ألوان من الفنون. فبعد أن ترجم في صباه فصلاً من كتاب فريزر «الغصن الذهبي»، كتب روايته الأولى «صراخ في ليل طويل»، حيث رومنطيقية التمرّد حجبت أطياف القدس، التي كان يعيش فيها آنذاك (1946) غير أن سقوطه إلى المنفى جعل من القدس «أجمل مدينة في الدنيا» مجازاً شاملاً، لرواياته اللاحقة، فهي مكان مقدس ومطر وذهب وإرادة منتصرة، تظلّلها أطياف السيد المسيح، وتظلل الإنسان المقدسي، الذي اختلف إلى مدارسها وحواريها، وكان روحاً نظيفة، تعطي نوراً ولا تحتاج إلى أحد.

أراد جبرا الذي تلقى تربية دينية في عائلة فقيرة، كما جاء في سيرته «البئر الأولى»، أن يكون مقدسياً نموذجياً، يعيش على صلابة روحه ويجتهد في تحصيل المعرفة وترويض ألغاز الحياة.

تخبر العودة إلى دراساته المنشورة في كتبه «الحرية والطوفان - ينابيع الرؤيا - الرحلة الثامنة - وغيرها» عن شغف بالمعرفة، وتحدّث عن مثقف حر، يتصرف بإرادته ويستأنس بأفكار غيره، ويطمئن إلى ما يبقيه راضياً مسترشداً، في أطوار حياته كلها، بمسيح فتن والده وبوالد فقير، لقّنه تعاليم السيد المسيح.

ومع أنه اطمأن، إلى أفكار الرومنطيقيين الإنكليز، وهو الذي درس في جامعة كامبردج، وارتضى بأفكار اللورد بايرون وتشيلي ووليم بليك، فإن لتلك الرومانسية المستريحة، المنجذبة إلى اللامتناهي والغموض وطبقات الأسرار، أصولاً سابقة تمتد إلى عبق بيت لحم وهالة القدس، وإلى زمن يسبقها، وتظل غامضة ضنينة الوضوح. كان جبرا، وهو يشرح أفكاره، يرتاح إلى كلمة: «السر»، التي تتجسّد «في ما حصل» ولا تلتفت إلى أسباب حصوله. ولهذا بدا بطل جبرا، اللاجئ الذي يتحصن بضلوعه، منتصراً في رواياته جميعاً.

مارس جبرا «المتفرّد»، والداعي إلى فردية ضرورية، الترجمة والرواية والقصة القصيرة والدراسة الأدبية، وانتقل في حقل الترجمة من شكسبير إلى وليم فوكنر وصموئيل بيكيت وألبيرو كامو، وتوقف أمام السوريالية والوجودية و «لورانس العرب»، الذي كان يحتقر العرب، ... لم يمنع هذا ابن القدس، من معالجة السيرة الذاتية وكتابة الشعر (تموز في المدينة، لوعة الشمس)، وإنجاز دراسات عن الشعر (النار والجوهر)، ولم يمنعه من أن يكون ابناً نجيباً للحياة، يتأمل الجمال ويرتاح إلى السخرية ويخلص للأصدقاء ولا يقتصد في ملاطفة النساء، ... عاش مع نشيد الكتابة، واحترف تمجيد الحياة، وكان أنيقاً داخل الكتابة وخارجها.

ربما كانت شهوة تغيير العالم والنفاذ إلى ألوان الحياة، هي التي قادت جبرا، قبل أن يبلغ العشرين، إلى صداقة مع الرسم، رافقته طيلة حياته، وإلى نقده والتوسّع فيه والدعوة إلى تجديده ونصرة المجدّدين فيه. كل هذا وغيره جعله متعدداً، وهو يحاول أن يبني «رؤيا»، كما كان يقول. ولم تكن هذه «الرؤيا»، إلا «العتمة المنيرة»، التي حاول تجسيدها «وليد مسعود» في الرواية التي تحمل اسمه، ذلك «الوليد» الغامض والموجود في أكثر من مكان، الوسيم والمضيء الذي ولد في بيت لحم واعتنق دين القدس وتبعثر في الفضاء.

لا يُقرأ جبرا، الذي كان يهجس في سرّه بـ «الإنسان الكامل»، روائياً فحسب، أو شاعراً، ناقداً، أو رساماً مترجماً، بل يقرأ في العلاقات المتبادلة بين ممارساته الأدبية - الفنية المتنوعة، التي عبّرت عن «فائض الموهبة»، أو عن نزوعه إلى «مثال ما»، تتكامل فيه صورة المسيح وبيئة القدس وأصداء الصلوات وأنوار الكنائس. فمن الخفة قراءة رواياته بمنأى عن «الشعر»، ومن العبث إغفال الموسيقى التي أدرجها في بنية «السفينة»، والشعر الذي بثّه في رواية «البحث عن وليد مسعود». عاش حياته مؤرقاً بشيء يثقل عليه، وعاشها مهجوساً بهدف يريد الوصول إليه، وسلك نحو حلمه دروباً افتراضية.

إعاقتان استقرتا في فكر جبرا وأحاسيسه: لجوء الفلسطيني إلى المنفى، الذي رمى عليه بالتهديد والمهانة والنقص، وأعلن عنه بصوت يقترب من الصراخ في نهاية روايته «صيادون في شارع ضيّق». وإيمانيته المفردة التي كانت تجذبه إلى «نور مشتهى» وتصدّه عن السواد وأحادية الألوان. كان عليه، وهو الذي كان يتأذى من صفة اللاجئ ، أن يرسم فلسطينياً غنائياً، لا نقص فيه. وكان على هذا الفلسطيني، الأقرب إلى الحلم، أن يكون مقدسياً، وأن يعود إلى القدس منتصراً. وهذا الاستحواذ، في ملامحه الدينية، همّش بغداد - المكان، التي بقيت عنده قائمة في «الخمسينات»، واستدعى القدس في أزمنتها الواقعية والمتخيلة.

يقوم سر جبرا، وهو الذي كان مفتوناً بكلمة السر، في مراجع ثلاثة: إيمانه المسيحي المتسق، المجسد في الكتابة والسلوك واللغة اليومية، والتعامل مع الناس، وافتتانه بصورة أبيه، ذلك الأمّي المتدين الأشبه بسنديانة، ومدينة القدس المفتوحة على السماء وعلى «الكينونة الأولى» التي يمتزج فيها الدف بالنقاء.

ما الذي أعقب جبرا بعد رحيل جبرا؟ لم يعقبه أحد. فقد نشأ وتربى في مكان فلسطيني تصدّع، وفي زمن اشتقه من مدينتيه (بيت لحم والقدس) ومن صباه الحالم، ومن فضول معرفي رحيب ورّثه ثقافة موسوعية تعضدها الموهبة، وعاش تجربة المنفى الفلسطيني حزيناً صابراً مقتصد الكلام، يشير إلى فلسطين وبغداد الخمسينات، ثم يذهب إلى الصمت والإشارات والجمل الناقصة. مع رحيل جبرا رحل معه نموذج نادر من المبدعين الفلسطينيين ومناخ ثقافي واعد. فلا قدس اليوم قدسه، ولا بيت لحم تنتمي إليه. وما كان رحيله المتوجّع عن بغداد مختلفاً، فبعد «شارع الأميرات» يأتي التحارب وركام السواد القاتل. رحل بلا رجوع عن وطنه «الأول»، وغاب بلا عودة عن مدينة عراقية كانت تدعى «عاصمة الرشيد».

بعد المبدع المتعدّد، الذي أثّث رواياته بثقافة متنوعة مديدة، وصلت الثقافة الفلسطينية إلى ما وصلت إليه، فلا من يستكمل جبرا أو يحيل عليه، إلا صدفة، ولا من يحتفي بأعماله، في «غزة العتيدة» التي غمرها الخراب. جاء بعده كاتب أحادي البعد، من جيل جديد، يلهو مع لغة إنكليزية تقيم بينه وبين «المنظمات اللاحكومية» جسراً موعوداً، وجاءت «إدارات ثقافية» لا تلبي من طموحات «المتعدد» الراحل إلا القليل. عاش جبرا الثقافة منهجاً في الحياة، واختصر الكاتب الأحادي البعد الكتابة إلى مهنة «مجزوءة».

إذا كان المؤرخ إميل توما سافر ولم يمت، كما قال الراحل إميل حبيبي يوم تأبينه، فإن جبرا مات أكثر من مرة، واستقر في زاوية من قبور بغداد الكثيرة.