سمات المشهد الثقافي في العصر العباسي الأول

أنيس الأبيض |

يعزو المستشرق نيكلسون في كتابه «تاريخ العرب، الأول، انبساط رقعة الدولة العباسية إلى وفرة ثروتها ورواج تجارتها، وإلى أثر ذلك في خلق نهضة ثقافية لم يشهدها الشرق من قبل، حتى بدا أن الناس جميعاً، من الخليفة إلى أقل أفراد العامة شأناً، غدَوْا فجأة طلاباً للعلم، أو على الأقل أنصاراً للأدب».

ففي عهد الدولة العباسية كان الناس يجوبون ثلاث قارات سعياً إلى موارد العلم والعرفان، ليعودوا إلى بلادهم كالنحل يحملون الشهد إلى جموع التلاميذ المتلهفين. أما في الغرب، فنافست قرطبة بغداد والبصرة والكوفة ودمشق والفسطاط، وأصبحت حاضرة الأندلس، سوقاً نافعة للعلم وقِبلةً لرجال الأدب، حتى جذبت مساجدُها الأوروبيين، الذين وفدوا إليها لارتشاف العلم من مناهله والتزود من الثقافة الإسلامية. ومن ثم ظهرت فيها طائفة من العلماء والشعراء والأدباء والفلاسفة والمترجمين والفقهاء وغيرهم، للوقوف على واقع الحياة الثقافية في العصر العباسي الأول.

ومن سمات المشهد الثقافي في ذلك العصر، انشغال الناس بالعلوم الدينية، فظهر المتكلمون، وتكلم الناس في مسألة خلق القرآن، وتدخل الخليفة المأمون بذلك حين أوجد مجالس للمناظرة بين العلماء في حضرته، وذهب البعض للقول بأن المأمون أراد بعقد هذه المجالس إزالة الخلاف بين المتناظرين في المسائل الدينية وتثبيت عقائد من زاغوا عن الدين.

وقد ظهر في هذا العصر نوعان من العلماء: الأول، الذين غلب على ثقافتهم النقل والاستيعاب، ويسمَّوْن أهلَ علم، والثاني الذين يغلب على ثقافتهم الابتداع والاستنباط، ويسمون أهلَ عقل.

ويذكر ابن خلكان في كتابه «وفيات الأعيان» الجزء الأول، أنّ الخليل بن أحمد اجتمع بابن المقفع وتحدثا في شتى المسائل، فلما افترقا قيل للخليل: كيف رأيت ابن المقفع؟ فقال: رأيت رجلاً علمه أكثر من عقله، وقيل لابن المقفع: كيف رأيت الخليل؟ قال: رأيت رجلاً عقله أكبر من علمه. وليس من شك في أن ابن المقفع قد غلب على ثقافته النقل والترجمة والتأثر بآراء غيره من العلماء، على حين غلب على ثقافة الخليل الابتكار، الذي يتجلى في هذه الحقيقة، وهي أنه أول من فرغ من قواعد النحو، وأول من صنف المعاجم، وأول من تكلم في علم العروض. فالأول ذو علم والثاني ذو عقل.

وفي مجال الحديث عن العلوم النقلية، يمكن القول إن انشغال الناس تمحور على علوم عدة، منها علم القراءات، الذي يُعتبر المرحلة الأولى لتفسير القرآن. وكان من العلوم التي عكست واقع الحياة الثقافية في ذلك العصر علم التفسير، إذ كان الحديث يشغل كل عناية المسلمين في صدر الإسلام.

واعتُبر علم الفقه من أبرز سمات الثقافة في العصر العباسي الأول، وظهرت في هذا الميدان مدرستان: مدرسة أهل الحديث وعلى رأسها الإمام مالك، الذي كان يأخذ بمبدأ التوسع في النقل عن السنة، ومدرسة أهل الرأي في العراق، وعلى رأسها الإمام أبو حنيفة، الذي كان يدين بالرأي.

ويعتبر الإمام الشافعي من أشهر أئمة هذا العصر، الذي جمع بين مدرستي النقل والعقل، بما أوتيه من سعة العقل والقدرة على الابتكار والثقافة الواسعة.

أما عن انشغال المسلمين بالعلوم العقلية، فيرى «نيكلسون» أنّ مجتمع العصر العباسي الأول قد انكب على الترجمة، وأنّ المسلمين استمدوا آراءهم وعلومهم من الثقافة اليونانية التي كانت منذ فتوحات الإسكندر منتشرة في مصر وسورية وغربي آسيا، ولما اضمحلت مدرسة الرها في أواخر القرن الخامس الميلادي بسبب قيام الخلافات المذهبية، لجأ علماؤها إلى بلاد الفرس بعد طردهم، واجتمعوا ببلاط كسرى أنوشروان (531-578م).

واتجهت ميول الخلفاء العباسيين إلى معرفة علوم الفرس واليونان، فعني أبو جعفر المنصور بترجمة الكتب، ونقل له حنين بن إسحاق بعض كتب أبقراط وجالينوس في الطب، كما نقل ابن المفقع كتاب «كليلة ودمنة» من الفهلوية، وترجم كتاب «السند والهند» وكتاب إقليدس في الهندسة إلى العربية، كما ظهر آل نوبخت والحسن بن سهل الذي استوزره المأمون، وأحمد بن يحيى جابر البلاذري صاحب كتاب «فتوح البلدان».

وزادت الثقافة بترجمة الكتب في عهد هارون الرشيد، بعد أن وقع في حوزته بعض المدن الرومية الكبرى فأمر بترجمة ما عثر عليه المسلمون من كتب اليونان، كما نشطت حركة الترجمة بفضل تشجيع البرامكة للمترجمين.

وفي عهد المأمون قويت حركة النقل والترجمة من اللغات الأجنبية، وخصوصاً اليونانية والفارسية إلى العربية، فأرسل البعوث إلى القسطنطينية لإحضار المصنفات الفريدة في الفلسفة والهندسة والموسيقى والطب.

وروى ابن النديم في كتابه «الفهرست»، أنّ المأمون كان بينه و بين ملك الروم مراسلات، واستظهر عليه المأمون فكتب إليه يسأله الإذن في إنفاذ ما يختار من العلوم القديمة المخزونة المدخرة ببلد الروم، فأجابه إلى ذلك بعد امتناع، فأخرج المأمون لذلك جماعة، منهم الحجاج ابن مطر وابن البطريق وسلما صاحب بيت الحكمة وغيرهم، فأخذوا مما وجدوا ما اختاروا، فلما حملوه إليه أمرهم بنقله فنقل».

ولم تكد تلك الذخائر النفيسة تصل بغداد حتى عهد إليهم المأمون بترجمتها، وكان قسطا بن لوقا يشرف على الترجمة من الفارسية القديمة. ولم تكن العناية بالترجمة مقصورة على المأمون، بل عُهد بها إلى جماعة من ذوي اليسار في عهده لنقل كثير من الكتب إلى العربية، ومن هؤلاء محمد وأحمد والحسن أبناء موسى بن شاكر المنجم، الذين أنفقوا الأموال الضخمة في الحصول على كتب الرياضيات وكانت لهم آثار قيمة في الهندسة والموسيقى والنجوم، وقد أنفذوا حنين بن إسحاق إلى بلاد الروم فجاءهم بطرائف الكتب وفرائد المصنفات.

وقد ظهرت في عهد المأمون طائفة جهابذة الرياضيين، من أمثال محمد بن موسى الخوارزمي، الذي يعد من أول من درّس الجبر دراسة منظمة وجعله علماً منفصلاً عن الحساب. وكان من أثر نشاط حركة النقل والترجمة في عهد المأمون العباسي، أن اشتغل كثير من المسلمين بدراسة الكتب التي ترجمت إلى العربية، وعملوا على تفسيرها والتعليق عليها وإصلاح أغلاطها، منهم يعقوب بن إسحاق الكندي، الذي نبغ في الطب والفلسفة وعلم الحساب والمنطق والهندسة وعلم النجوم، وقد حذا في تأليفه حذو أرسطو، وترجم كثيراً من كتب الفلسفة.

وعكس اهتمام العباسيين في علم النجوم والرياضيات والكيمياء أهمية الثقافة والعلوم العقلية في تلك الفترة، فبرز عدد من العلماء والأعلام، كجابر بن حيان، الذي اشتهر في الكيمياء ويعرفه الأوروبيون باسم جابر، وكانت له تأليفات كثيرة في الكيمياء والمعادن والأحجار، كما اشتهر في الصيدلة كوهين، العطار اليهودي الذي وضع كثيرا من المؤلفات، منها «صناعة الصيدلة»، شرح فيه العقاقير شرحاً واضحاً، وطريقةَ علم المشروبات والجرعات والمساحيق والحبوب وغيرها. واشتهر في علم الحساب عمران بن الوضاح وشهاب بن كثير، ومهر في الهندسة الحجاج بن أرطاء، الذي خط الجامع ببغداد في عهد المنصور. واشتهر في التنجيم عبد الله بن نوبخت وجعفر بن عمر البلخي، ويعرف بابن معشر الفلكي، وله كتب كثيرة، منها «إثبات العلوم» و «هيئة الفلك».

أما في الطب، فبرز في عهد الرشيد من الأطباء ابن بختيشوع، الذي نبغ في علم النفس ومهر في تشخيص الأمراض العصبية وعلاجها، وعيّنه الخليفة رئيساً للأطباء في حاشيته. واشتهر في عهد المعتصم يحيى بن ماسويه وميخائيل وحنين بن إسحاق، الذي يذكر المسعودي أنّ المعتصم كان يعتمد على مشورته.

وفي عهد الواثق نبغ من الأطباء ابن بختيشوع وابن ماسويه وميخائيل وحنين بن إسحاق، وهذا الأخير اشتهر في علم المواد السامة، كذلك وصف الأطباء في هذا العصر الفم والأسنان وأنواعها وعددها ووظيفة كل منها، حتى أعجب الخليفة الواثق بوصف حنين بن إسحاق وطلب منه أن يصنف له كتاباً يذكر فيه جميع ما يحتاج إلى معرفته، فصنف له كتاباً يذكر فيه الفرق بين الغذاء والدواء والمسهل وآلات الجسد.

وقد اهتم العباسيون بنشر العلوم الطبية وتقدُّمها، فشجعوا الأطباء وأسسوا المدارس الطبية والمستشفيات ودعوا إلى عقد المؤتمرات الطبية التي كان يجتمع فيها الأطباء من البلاد كافة في موسم الحج، حيث يعرضون نتائج أبحاثهم ويعرضون نباتات البلاد الإسلامية ويصفون خواصّها الطبية.

وأصبحت بغداد في الشرق وقرطبة في الغرب من أهم مراكز الثقافة الطبية الإسلامية، وأمر أبو جعفر المنصور ببناء مستشفى للعميان ومأوى للمجاذيب وملجأ للعجائز في بغداد وشيّد الرشيد مستشفى كبيراً لتعليم الطب، وزوّده بالمؤلفات العلمية.