عدنان مجلّي يصارع السكّري و «ألزهايمر» ويدعو إلى أمن دوائي عربي

علي حويلي |

بعد تفوقه في شهادة البكالوريوس التي نالها عام 1981 في جامعة اليرموك في الأردن، وتعيينه معيداً فيها، تلقى الأميركي الفلسطيني عدنان مجلّي (مولود عام 1963) منحة تعليمية من الاتّحاد الأوروبي. وهيّأته المنحة لدراسة الكيمياء الطبيّة في بريطانيا والحصول على شهادتي الماجستير والدكتوراه في جامعتي «سالفورد» و «إكستر». وفي 1989، أنهى الدكتوراه في فترة قياسيّة لم تتعدّ 18 شهراً.

آثر مجلّي العودة إلى فلسطين بطموح المساهمة في النهوض والتنمية. لكنه سرعان ما أحبط. وعاد إلى أميركا حيث عين أستاذاً محاضراً وباحثاً في جامعة «روشستر» في نيويورك. بعدها، توالت العروض عليه من شركات أميركية مختصة بالبحوث الطبيّة وصناعة الأدوية والبيوتكنولوجيا. وعمل في شركة «ميرك» للأدوية قرابة 4 سنوات. وقضى فترة مماثلة في شركة «أُنطوجين» للبحوث الطبيّة، مترئساً البحوث الطبيّة فيها.

 

الاستقلال عن البنكرياس!

تحدّث مجلّي عن علاج لمرض السُكّري اسمه «تي تي بي 399» TTP399 ويعالج السُكّري بآلية متميّزة. «يعتمد «تي تي بي 399» على تنشيط جين خامل في الكبد، وتحفيزه بآلية بيولوجيّة متطوّرة فيزيد تخزين السُكّر في الكبد وتنخفض مستوياته في الدم، من دون الاعتماد على هرمون الأنسولين». ويصلح الدواء لمرضى السكري من النوع الأول أيضاً، الناجم عن نقص إفراز الأنسولين من غدّة البنكرياس. ويتميّز بأنه يؤخذ من طريق الفم.

ولفت إلى أن دواء «تي تي بي 399» لا يعمل في حال كان مستوى السكر في الدم عادياً، لأنه يتعامل مع الفائض المتراكم في الدم. وبقول آخر، لا يتعرض المرضى عند استخدام «تي تي بي 399» للإغماء أو الغيبوبة (وهي ربما تكون قاتلة)، في حال هبوط مستوى السكر إلى ما دون الطبيعي.

ويتوقع مجلّي أن يكون الدواء الذي وصفه بـ «الاختراق الطبي»، نهاية جذرية لمعاناة الملايين من البشر المصابين بالداء السُكّري، مؤكداً أن «تي تي بي 399» يؤدي أيضاً إلى تحسّن حال خلايا البنكرياس نفسها، واستعادتها القدرة على إفراز الأنسولين.

وفي مجال متّصل، أوضح مجلّي أن الحكومة الأميركية تشترط قبل تسويق دواء جديد، أن يقدم إلى «مكتب الغذاء والدواء» هيئة الغذاء والدواء للموافقة عليه، بعد التأكّد من فعاليته ومطابقته المعايير العلمية الدقيقة.

ويخضع الدواء لثلاث مراحل من الاختبارات التي تمتد إلى ما يتراوح بين 7 و10 سنوات.

ويوضح مجلّي أن «ترانس تك فارما» طوّرت تقنيّات مكّنتها من اختصار هذه المدّة. ونبّه إلى أن كلفة الدواء من مرحلة ظهوره كفكرة وصولاً إلى طرحه في الأسواق، تقارب 1.2 بليون دولار، وهو أمر عملت «ترانس تك فارما» على تقليصه أيضاً.

وفي عام 2010، وقّع مجلّي اتفاقيّة مع مختبرات «فورست» الأميركية لتــسويق علاج السُكّري «تي تي بي 399»، لقاء عائد مالي مجز يستمر أكثر من 30 عاماً. وأشار إلى أن الاتفاقيّة لا تشمل حقوق الملكيّة الفكريّة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. وأرجع ذلك إلى رغبته في إنتاجها بأسعار معقولة في الدول العربيّة، فضلاً عن استثماره برأسمال عربي.

 

«ألزهايمر» ليس حتماً

يتمثّل الإنجاز الآخر لمجلّي في صراعه مع مرض «ألزهايمر» Alzheimer. ويتّسم المرض باختلال وتراجع متواصل لوظائف عصبية في الدماغ، مع ما يتصّل بها من قدرات معرفيّة وسلوكيّة وعاطفية. وشدّد مجلّي على دور جين معيّن، اسمه «رييج» RAGE في نشوء «ألزهايمر». وعملت «ترانس تك فارما» على تطوير دواء يتعامل مع المرض، يحمل اسم «تي تي بي 488» TTP488. ويعمل الدواء على إعادة التوازن البيولوجي لجين «رييج»، ما يضرب ركناً أساسيّاً في «ألزهايمر»، خلال سنة ونصف من العلاج.

ولفت مجلّي إلى أن «ألزهايمر» هو المرض السادس في التسبّب بالوفيات عالميّاً، وسيصل عدد المصابين به عالميّاً إلى 115 مليوناً في 2050.

ويذكر مجلّي أنه فور الإعلان عن اكتشاف دواء «تي تي بي 488» لعلاج «ألزهايمر»، قدّمت شركة «فايزر»، وهي عملاق شركات صناعة الأدوية، عرضاً لـ «ترانس تك فارما»، بل وقّعت عقداً بقرابة 178 مليون دولار للحصول على الحقوق الكاملة في التصنيع والتسويق، إضافة إلى جزء من الأرباح ربما يصل إلى ما يزيد على بليوني دولار عند طرح الدواء في الأسواق، مع 21 في المئة من الدخل السنوي لمبيعات الدواء طوال 30 سنة.

 

العرب وصناعة الأدوية

حظي مجلّي برصيد كبير من جوائز التقدير العالمية، من بينها جوائز «فاست 50» المخصّصة للشركات الخاصة الأسرع نمواً، و «المتميز الشاب»، و «كارولينا الشمالية للتنمية الاقتصادية» (يمنحها «المركز الأميركي للتكنولوجيا الحيويّة»)، و «آرنست أند يونغ» و «التميّز في الإبداع والابتكار» (من مؤسسة «هيليوس») وغيرها.

كما جرى اختياره بين الأشخاص الثلاثة الأكثر نفوذاً وتأثيراً في نُظُم العلاج، إضافة إلى انتخابه «رجل عام 2008». وسجل مجلّي قرابة 600 براءة اختراع، وقدّم 400 ورقة علميّة في مؤتمرات دوليّة متنوّعة.

ويسعى مجلّي عبر مسيرته العلمية الطويلة، إلى تحقيق هدفين كبيرين. «يتمثّل أولهما في أن تتوصّل شركاتي إلى تفكيك الشيفرات الجينية وترجمتها إلى أدوية تعالج أمراضاً مستعصية كالسرطان والسمنة والفيروسات وغيرها. ويتمثّل الثاني في دعوة الحكومات العربية إلى تحديث قوانين تحمي العلماء والبحث العلمي، وتوفر الكوادر المختصّة لإجراء بحوث علمية ودراسات سريرية، وتحمي الملكية الفكرية، وتبني اقتصاد معرفة عربياً يتملك التكنولوجيا والابتكار، فلا يكتفي بكونه مستورداً لهما».

ويعتقد مجلّي بأن الاستثمار العربي غير مبالٍ، أو غير مدرك أهمية العقول العربية المهاجرة، ما يجعله سبباً في نزفها المستمر. ويعمل عبر زيارته المتكررة للبلاد العربية على تشجيع الاستثمارات العربية، وإنشاء مراكز علاجية تتلاءم مع الأدوية الجديدة، سعياً لتوفير الأمن العربي في الدواء.

ويشير مجلّي إلى أن تكاليف كل مركز علاجي ضمن القوانين والتشريعات الحديثة التي تنسجم مع المعايير الدولية العالمية، لا تتعدى 4 ملايين دولار.