زينة عاصي رسامة المدينة المنفصمة وأهلها

بيروت - مايا الحاج |

عندما تدخل معرض زينة عاصي في غاليري «ألوان» (بيروت)، يُخيّل إليك أنّك خرجت للتوّ من مترو الأنفاق في محلّة «مونمارتر» الباريسية، حيث تفاجئك رسوم الغرافيتي على الجدران لتُشكّل لوحة واحدة تُزنّر حيّ الفنون الأشهر في فرنسا.

تعكس لوحات اللبنانية زينة عاصي مزاج فنان يحمل نبض الشارع ونزقه، لا مزاج أكاديمي يرسم وفق معايير منهجية محددة.

لا تتقيّد الفنانة المتخصصة في الإعلان بأداة فنية واحدة، إنما تخترع أدواتها معتمدةً في شكل كبير على الكولاج وعلى البخاخ الذي يستخدمه فنانو الغرافيتي للرسم على الجدران، إضافة إلى النسيج والحبر والألوان الزيتية والمائية والأكريليك، ممّا يمنح لوحاتها روحاً خاصة لا تشبه إلاّ صاحبتها.

تعود زينة عاصي في معرضها «تأطير مدينتي»Framing my City (من 8 حتى 24 الجاري) لترسم بيروت وبورتريهاتها، وهي التيمة المتكررة في أعمالها، منذ معرضها الأول «المدينة وأهلها». وفي هذا السياق تقول عاصي: «لا ينفصل الفرد عن بيئته، عن محيطه، عن مدينته. فالمكان هو امتداد للذات. وأنا طالما شعرت بأنّني مسكونة ببيروت، هذه المدينة التي ولدت وعشت فيها. لم أسكن في الريف يوماً ولا أعرف الكثير عن الأرض والطبيعة والسكون والقرى. فالحياة المدينية بعمرانها وضجيجها وصخبها وحسناتها ومساوئها هي التي شكلّت وعيي الأول، وكان لا بدّ من أن تحضر وبقوة، في أعمالي».

ترسم عاصي بيروت، المدينة التي تسكنها، كقطعة واحدة يغلب عليها اللون الرمادي، بينما تتبدّى الألوان الفاقعة في تفاصيل صغيرة داخل اللوحات. وهي لا تكتفي بالرسم والألوان، بل تتكئ أحياناً على الكتابة (تستخدم كلمات قليلة) لتنقل روح المدينة كما هي. فتستعير مثلاً عبارات نراها على جدران المدينة مثل: «ليش حرش بيروت مسكّر؟» أو «فكّر لبناني فكّر علماني»...

تحمل كل لوحة في هذا المعرض لوحات صغيرة في داخلها، تفصلها إطارات رفيعة، لكنها تبقى متلاصقة، كأنّ الحياة في هذه المدينة تبقى واحدة مهما اختلفت ظروف ساكنيها.

الموت والحياة يتجاوران في مدينة بيروت، وقد استثمرت الفنانة هذا التناقض الرهيب في الحياة البيروتية بطريقة لا تخلو من الفكاهة. ففي لوحة مثل «إطارات مدينتي بالألوان» (مزيج من الألوان والكولاج على الكانفاس) نجد جداراً كتب عليه باللون الزهري عبارة «حافظوا على البيئة» يتصل بعمارة تهتز جرّاء وقوع انفجار سيارة مفخخة. وفي مكان آخر، نلاحظ عبارة «خبر عاجل»، التي باتت جزءاً من حياة اللبنانيين اليومية، في حين يجلس رجل تائه النظرات ببرود لا يتناغم وسرعة التحولات في هذه المدينة.

تُكرّس عاصي أيضاً التناقضات السوسيولوجية في مدينة صغيرة مثل بيروت، بحيث تُجاور بين المحلات الباهظة الثمن والعشوائيات التي تخنق الساكنين فيها. لا استعارات ولا ترميز ولا تضمين في لوحات زينة عاصي. هي تعرض فقط أحداثاً مصيرية مقابل أخرى عادية وعبثية.

طبقات الألوان في لوحات عاصي، لا تُقابلها طبقات من المعاني. فهي ترسم بلغة مباشرة. تلتقط بعينها الثاقبة نَفَس الشارع البيروتي وتختزله في لوحة. تنقل موزاييك هذه المدينة بألوانها الحقيقية.

الصخب، الزحمة، الأبنية المتكدسة، الأسلاك الكهربائية، السلاح، التفجيرات، الأخبار العاجلة، وسائل التواصل الاجتماعي، مطاعم الوجبات السريعة، الماركات العالمية... هذه العناوين نجدها في كلّ لوحات عاصي عن المدينة. وعلى رغم أنها قد تبدو قبيحة أو ربما منفرة من الخارج، يمكن أن نفهم هذه التناقضات على اساس أنها نقطة قوة في الحياة داخل المدينة. فالموت الذي يحاصر بيروت لم يعد يقتل حب الحياة في قلوب أهلها، بل صار أمراً اعتيادياً تُستكمل الحياة من بعده طبيعياً. وهذا التصوير الواقعي للحياة البيروتية في لوحات عاصي لا يكشف عن موقف الفنانة، هي التي رسمت مدينتها من دون أن تحدد موقفها منها. ثيمتان تتوزعان لوحات المعرض الثلاثين بأحجامها المتفاوتة الحجم: المدينة والبورتريه، لكننا سرعان ما نكتشف أنّ خيطاً خفياً يصل بينهما لتشكلا معاً ثيمة واحدة. فالمدن حاضرة في وجوه سكانها، تماماً كما تحضر الوجوه في صورة المدينة.

لم تعتمد عاصي في رسم البورتريه النسيج النافر ذا الملمس الخشن كما في لوحات المدينة، بل إنها فضلت أن يكون ملمسها ناعماً وألوانها أكثر دفئاً وحرارة. الشخوص منعزلون كأنهم هاربون من صخب المدينة إلى أنفسهم، إلى دواخلهم التي ضاعت في زحام الحياة المدينية. وجوه صامتة، لا حزن فيها ولا فرح. هي فقط نظرات تأمل أو بحث عن شيء ما.

في اللوحة الواحدة، تتكرّر الشخصية نفسها ثلاث مرّات كأنها أمام مرآة ثلاثية الأبعاد. لا تغييرات في النظرة أو طريقة الجلوس، فقط في لون الملابس أو حركة اليد. في لوحة «فصام خلال عشاء فردي» تتناســخ المرأة ذات الــــشعر الفاحم كأنها تعاني فصاماً نفسياً. وهل من إنسان لا يعاني حالة الفصام هذه في مدينة تغدو فيها الحروب جزءاً من يومياتنا؟