السياسة في العراق الحديث: خريطة الأحزاب والطوائف

صدام حسين. عبدالكريم قاسم.
محمد سيد رصاص |

بعد عام على تأسيس البريطانيين الدولة العراقية الحديثة، شكّل جعفر أبو التمن «الحزب الوطني» في آب (أغسطس) 1922. انحدر أبو التمن من عائلة شيعية بغدادية كانت تعمل بالتجارة. أراد أبوالتمن من خلال تأسيس حزبه نزع النفوذ البريطاني وجمع العراقيين، شيعة وسنة، على رباط وطني واحد. في القاهرة ودمشق نجحت هذه التجربة ضد البريطانيين والفرنسيين مع «حزب الوفد» و «الكتلة الوطنية»، إلا أن التجربة لم تنجح في بغداد، وهو ما دفع أبو التمن إلى حل حزبه والانسحاب من الحياة السياسية في تشرين الثاني (نوفمبر) 1933. كان عدم نجاح ذاك الحزب مدخلاً إلى فراغ سياسي حاول ملأه إطار سياسي جديد، ظهر أولاً عبر صحيفة «الأهالي» منذ بداية عام 1932 ثم عبر «جماعة الأهالي» التي نالت ترخيصاً رسمياً كجمعية في أيلول (سبتمبر) من العام نفسه، وضم الإطار معتنقي أيديولوجيات متعددة مثل الليبرالي كامل الجادرجي والعلماني المتأثر بأتاتورك حكمت سليمان والماركسي عبدالقادر اسماعيل. كان ملفتاً في كانون الثاني (يناير) 1934 عندما أسست «جماعة الأهالي» واجهة سياسية هي «حزب الشعبية» أن يعود أبو التمن عن اعتزاله السياسي ليترأسه، قبل أن يدعم هذا الحزب أول انقلاب عسكري في تاريخ العالم العربي الحديث قام به قائد الجيش العراقي الفريق بكر صدقي في 29 تشرين الأول (أكتوبر) 1936.

خلال عشرة أشهر من حكم الفريق صدقي، وهو كردي متأثر بتجربة أتاتورك وكان يؤمن بفكرة الرابطة العراقوية، انفجرت تناقضات «جماعة الأهالي» إلى ذراتها الأيديولوجية المكونة، ليذهب الشيوعيون إلى بيتهم المؤسس في 31 آذار (مارس) 1934 والليبراليون إلى «الحزب الوطني الديموقراطي» المؤسس عام 1946 بقيادة الجادرجي ومحمد حديد، أما العروبيون مع (العقداء الأربعة) الذين دعموا صدقي في انقلابه ثم كانوا على الأرجح وراء اغتياله في 11 آب 1937، فقد كانوا القوة التي استند إليها رئيس الوزراء رشيد عالي الكيلاني في حركته، مدعوماً من الألمان ضد البريطانيين عام 1941 قبل أن تسحقها لندن عسكرياً، ليذهب المؤمنون بالقومية العربية بعد هزيمة حركة الكيلاني إلى تأسيس «حزب الاستقلال» في 1946.

وسط هذه الزحمة لم يجد أبو التمن مكاناً له، وقد عاد إلى اعتزاله من جديد منذ أواخر 1937 ملتفتاً إلى التجارة قبل أن يتوفى في عام 1945، وكانت جنازته علامة دالة على مدى الشعبية المتخطية حدود الشيعة والسنة، فيما كانت حياته دالة على أن الفكرة الوطنية العراقوية لم تجد لها مكاناً في الحياة السياسية لبلاد الرافدين: خلال الفترة الفاصلة بين نهاية الحرب العالمية الثانية وانتهاء الحكم الملكي مع انقلاب 14 تموز (يوليو) 1958، وكان الشيوعيون والعروبيون («حزب الاستقلال» ثم مع حزب البعث منذ 1951) والليبراليون (الحزب الوطني الديموقراطي)عماد المعارضة العراقية، وقد تشكلت في شباط (فبراير) 1957 «جبهة الاتحاد الوطني» التي ضمت هذه الأحزاب الأربعة، وكان الضباط الذين قاموا بالانقلاب هم الواجهة العسكرية لهذه الجبهة. في المدة الفاصلة عن الانقلاب البعثي في 8 شباط 1963 على عبدالكريم قاسم وحلفائه الشيوعيين كان التناقض الرئيسي الذي حدد المسار السياسي العراقي محدداً بين العروبيين، الذين أرادوا الاتحاد مع «الوحدة المصرية - السورية»، والشيوعيين، الذين رفضوا وقاموا بتصفية خصومهم منذ التمرد العسكري للعقيد عبدالوهاب الشواف في الموصل المدعوم من القاهرة في آذار 1959 ضد قاسم. ضاع الليبراليون بين محمد حديد الذي وقف مع قاسم وبين الجادرجي الذي لم يكن محبذاً للذوبان تحت جناح عبدالناصر ولكنه كان ضد ديكتاتورية قاسم والشيوعيين، وعندما انتهى حكم قاسم دخل حزب الجادرجي - حديد في الموت السريري ولم يخلفه أي تشكيل ليبرالي جديد آخر.

في المرحلة نفسها التي استطاع فيها الشيوعيون انزال تظاهرة لامست حدود المليون في عيد العمال عام 1959، في بلد كان يضم عشرة ملايين نسمة، في استعراض قوة ضد خصومهم العروبيين وتلويح لقاسم بمن لديه اليد العليا، كان السيد محمد باقر الصدر يعكف في النجف على تأليف كتاب «فلسفتنا» الذي رسم ملامح رؤية فلسفية للإسلام السياسي ولكن عبر التضاد مع الماركسية، قبل أن يقوم في العام نفسه لنشر الكتاب بتأسيس «حزب الدعوة». في العام 1960 تم تأسيس الفرع الإخواني المحلي، أي «الحزب الإسلامي العراقي»، وقد وجد الحزبان نفسيهما في وحدة حال ضد الشيوعيين، ويقال - وهذه من غوامض لم تكشف بعد - أنهما عاشا في وحدة تنظيمية لعدد من سنوات الستينات. في أيلول 1961 قام الملا مصطفى البرزاني بتمرد مسلح ضد حكم قاسم، معلناً بداية بروز الكردية السياسية في العراق، فيما هذا الأمر لم يكن ملموساً من قبل على رغم تأسيس «الحزب الديموقراطي الكردستاني - البارتي» عام 1946 حيث كان الشيوعيون أقوى من (البارتي) في الوسط الكردي، إلى درجة أن انضمام بعض قيادات الفرع الكردي، للحزب الشيوعي إلى (البارتي) في حزيران 1957 لم تهزّ الشيوعيين ولكنها كانت انذاراً وعلامة على نمو جنين (الكردية السياسية).

خلال السبعينات كان بروز «الدعوة» و «البارتي» مؤشراً إلى بدء تلاشي قوة الحزب الشيوعي العراقي، وعلامة على اتجاه الوسطين الشيعي والكردي إلى أحزاب فئوية خاصة بكل منهما، بعد أن كان الحزب الشيوعي الأقوى في هذين الوسطين في فترة 1945-1968، فيما كان الشيوعيون أضعف في الوسط السني العربي ولو أنهم أفرزوا في تلك الفترة قيادات من السنة العرب كانت الأقوى في قيادة الحزب، مثل عامر عبدالله الذي كان مفكر الحزب وكانت له كلمة مؤثرة عند عبدالكريم قاسم. كان تلاشي القوة الشيوعية الحزبية في السبعينات انذاراً ثانياً، مثل تجربة جعفر أبو التمن، بفشل فكرة حزب يجمع في كنفه المكونات العراقية، فيما كان حزب البعث العراقي، وبعد تجربة كبرى جمعت السنة والشيعة في حزب واحد تحت لواء العروبة حتى فقدانه للسلطة في 18 تشرين الثاني (نوفمبر) 1963 بعد انقلاب عبدالسلام عارف عليه، يتجه في سلطته الثانية بعد انقلابَي17 تموز- 30 تموز 1968 إلى أن يمسك بمفاصل الحكم الرئيسية أهل تكريت وسامراء والموصل والرمادي. وعملياً، فإنه في فترة نظام صدام حسين (16 تموز 1979 - 9 نيسان (ابريل) 2003) كانت المعارضة يتصدرها تنظيمان شيعيان: «الدعوة» و «المجلس الأعلى للثورة الإسلامية - تأسس عام 1983»، وحزبان كرديان: «البارتي» و «الاتحاد الوطني الكردستاني- تأسس عام 1975»، ولم تكن هناك معارضة قوية تتمثل في أحزاب تخترق النسيج الوطني العراقي، وهو ماعبر عن عوامل لااندماجية في الجسم العراقي ظهرت ملامحها في فترة ما بعد صدام حسين.

في «مجلس حكم» بول بريمر(13 تموز 2003) كانت هذه التنظيمات الأربعة هي الأقوى. في انتخابات برلمان 15 كانون الأول 2005 انضاف لها تنظيمان فئويان أيضاً: «التيار الصدري» و «الحزب الإسلامي». في انتخابات برلمان 7 آذار 2010 حاولت «القائمة العراقية»، وزعيمها شيعي هو إياد علاوي، أن تعبر النسيج العراقي في تمثيلها، ولكن، عند فرز النتائج كان هناك ثمانون نائباً سنياً عربياً من مجموع مقاعدها الإحدى والتسعين، وعلى رغم هذا فإنه تنوع يجب أن يذكر بأنه لم يكن موجوداً في تمثيل التنظيمات الستة المذكورة. هنا، كانت المشكلة عند قائمة علاوي، وهذه لم تكن موجودة عند جعفر أبو التمن، أنه لا توجد لديها فكرة واضحة عن الاتجاه العراقوي، بل هي تجميع لزعامات مناطقية (النجيفي- المطلك- العيساوي) تعزف على فكرة المظلومية عند العرب السنة في مرحلة ما بعد 9 نيسان 2003، وهو ما جعل «القائمة العراقية» هشة التكوين وفي حكم المتناقضة وغير المتماسكة خلال السنوات الأربع الماضية.

كمجمل عام لمسار قرن من الزمن في بلاد الرافدين: في ثورة العشرين ضد المحتل البريطاني كان السنة والشيعة في حال توحّد. في مرحلة المقاومة العراقية ضد المحتل الأميركي لم يكن الأمر كذلك، حيث اقتصر الأمر على حاضنة اجتماعية للمقاومة عند السنة العرب، وعلى الأرجح أن هذا هو سبب فشلها. كان الفاصل بين عامَي 1920 و2003 يتمثل في مسار سياسي انعكس في تموجات، ناتجة من التركيب الاجتماعي اللااندماجي للدولة العراقية الحديثة، غرقت فيها تشكلات سياسية عابرة للطوائف (وللقوميات والأديان أيضاً في حالة الشيوعيين) وطفت أخرى على السطح لم تتجاوز الإطار الفئوي الطائفي أو الإثني، فيما كانت التجربة العروبية لحزب البعث العراقي منصة لتفاقم ومن ثم (منذ آذار 1991) تفجر عوامل اللااندماج المجتمعي العراقي.

 

 

* كاتب سوري


الأكثر قراءة في الأولى
المزيد من الأولى