سيهات... الطفولة بين تلّتين

محمد العباس |

إبان طفولتي كنت أتأمل (سيهات) من تلّتين غامضتين شكلاً وتاريخاً. فكلما راودتني روحي بأن أكحّل عيني الصغيرتين بالزرقة اعتليت البرج (البري) وصرت أهبط ببصري على صفحات البحر، لأراقب بمتعة رواح (الماية) ومجيئها، بعد أن أغمس قدميّ الطريتين في عذرية رمال (السِّيف) قبل أن يتحول إلى (كورنيش) أنيق من الأسمنت الأخرس البارد، الخالي من الذكريات.

وإذا أردت أن أتشبع بالإحساس الأخضر تسلقت (الكرين) لأسرح ببصري في واحة متمادية من النخيل، لا حد لتدرجاتها اللونية، ولا حدود لبهجاتها الحسّية. وتلك هي مرابع طفولتي في قرية لا تهب الكثير من الآثار المادية الفائضة بالمعنى، وإن كنت حينها أرتد إلى داخلي لأسائل تلك الرمال المتحجرة الخرساء عن سرها، وعن معنى صمودها الأزلي وارتباكها الشكلي المحير.

لم يكن ذلك البرج الماثل على شاطئ البحر (البري) يعنى من الوجهة الجمالية أكثر من كومة ترابية متكلّسة ومتشكلة في قوام عشوائي لا شكل له، ولا يتسم بأي إيقاع موسيقي من الوجهة المظهرية. ولكنه من الناحية التاريخية يحيل إلى لغز لا يخلو من وظيفة حياتية. إذ يوحي ما صمد من آثاره، بكونه بقايا حصن برتغالي، ربما استخدم كفنار تهتدي به السفن الحربية والتجارية في (خور سيهات) الاستراتيجي، الذي يبعد عنه قرابة ميل، للوصول عبر ممراته إلى عرض البحر، حيث يمتد من منطقة النجوة (النيوة) شمال ميناء الدمام، ليتلاقي غرباً مع (خور ملك) الشهير على ضفاف (عنك).

وإذ، لم أصل إلى تفسير لمغزى ذلك الأثر التاريخي، ظل (البري) بالنسبة إليَّ، ملاذاً لمرح الطفولة، بما يكتنفه من غموض وسحرية. وقد اعتبرته، لأسباب لاشعورية، حالة إشراق، أو عادة عضوية أمارسها بشغف في معظم الصباحات، إذ كنت، مع أقراني نعتبره مخبأ -غير آمن- لملابسنا. وعلى رغم ذلك كنا نستأمنه على أحلامنا ومتاعنا لنقضي نهاراتنا بكاملها في أحضانه.

هناك كنا نؤدي غطساتنا في البحر، ونقترب بفضول من السفن التي كانت تلفظ أنفاسها الأخيرة مع تغوّل عصر النفط، حيث تتهرأ الأبوام، والسنابيك، والبانوشات، والشوعيات، والجالبوتات، بانتظار إعلان موتها. وذلك قبل أن ينجرف أمام وحشية العمران الحديث. لتجتث بانهياره ذكرياتي وأوهامي بكونه أحد العلامات الخالدة، العصيّة على الاندثار.

أما (الكرين) الذي عُرفت (سيهات) باسمه في لحظة من لحظاتها التاريخية، كما جاء في وثائق الاحتلال البرتغالي الهرمزي للمنطقة، فقد شهد ما يُعرف بحروب القرين، التي انتصر فيها سيف بن يوسف على ناصر بين عبدالله الجرواني، سنة 835هـ، وإثر ذلك الانتصار دانت له القطيف كلها، على اعتبار أنه مدخل الإقليم ونقطة ارتكازه الاستراتيجية، وكانت تتبع سلطنة هرمز أيام السلطان محمد شاه حاكم هرمز.

ثمة أمر غامض وراء وتحت هذه التّلة. إذ يميل (ر.ستيهييل) و(هـ. فون ويسمن) إلى أنه -أي (الكرين)- هو موطن مدينة (الجرهاء) التاريخية التي ما زال الجدل حول موقعها ودورها محتدماً. ويقال إنه آخر ما تبقى من آثار مدينة القرين التاريخية، التي كانت أحد موانئ المنطقة في العصر العباسي.

هذا ما تختزنه وتوحي به تلك التلّة الرملية المتحجرة، المكوّنة من كتّل صخرية متلاصقة، التي توهّمتها أساطير الوعي الشعبي خسوفات بشرية. وذلك هو بعض ما تسرب إلى أذني الصغيرة حينها بشأن الطبيعة الطبوغرافية لذلك التمثال الهائل، عن امرأة أرادت أن تمسح فضلات ابنها ببقايا رغيف خبز فخُسفت بها الأرض وقومها. وتلك هي حدود الوعي القروي.

وربما لهذا السبب كنت أستشعر رهبة خفية كلما لامست شيئاً من سطوحه وأخاديده، التي قد تدل بحسب وعيي الطفولي، على بقايا أجساد متيّبسة، كما قد تكون محروسة بأرواح الأسلاف، حيث كنا نتوهم الإحساس بوجودهم من خلال الفراشات السوداء الموشاة بالأخضر، المنتشرة بكثرة في تلك الأرجاء، والتي كنا نسميها (رويحات) ومفردها (رويحة) اعتقاداً منا بأنها إشارات إلهية لأرواح الأموات من أجدادنا.

ويُعتقد أن الزرادشتيين الذين استعمروا المنطقة في حقبة ما قبل الميلاد بـ320 سنة، وتحديداً الملك الساساني شابور الثاني، قد استخدموا هذا التمثال الصخري الهائل، كمثوى أخير لجثامين موتاهم، حيث كانوا يعرّونها في الهواء الطلق على القمم للطيور الجارحة.

ذلك مجرد افتراض نظري يميل إليه المستكشف وليام كولينير، وكذلك الدكتور ماثيوز، المهتم بآثار وحفريات ما قبل الديانة النصرانية في الجزيرة العربية، نقلاً عن دراسة لكوررنول، بعنوان «الجزيرة العربية قديماً: الأحساء 1940-1941» حيث يعادل (الكرين) بمدافن الأعالي التي تُعرف بـ (أبراج الصمت) المصمّمة لطقوس دفن الموتى.

هذا (البرج/المدفن) الذي يرتفع عن مستوى سطح الأرض الزراعية المحيطة به بمقدار 40 قدماً، تغطيه طبقة صخرية تبدو على شكل حُفر مختلفة المقاسات والميلانات والأشكال والأعماق، يوحي بعضها، وليس كلها، بحسب أولئك بكونها منظومة من القبور التذكارية، وأن البرج ليس سوى مقبرة تلّية، لأجساد ينبغى النأي بها عن الدنس، ولا بد من أن تُموضع تلك القداسات في (الداخما). أي المكان والمنزلة التي تليق بالمتطهرين، أو هذا هو الاحتمال الوحيد الذي يرجحونه. على مسافة قصيرة جداً من (الكرين) تُوجد (عين مريجب). وأظن أن هذا المكان بالتحديد، كان هو بوابة (سيهات) وخط دفاعها الأول، فكل المعارك دارت هناك، حيث وقعت في العهد السعودي الثاني 1249هـ حرب (مريقب) بين فيصل بن تركي وأهالي سيهات، كما جاء في كتاب «التحفة النبهانية» للشيخ محمد بن الشيخ خليفة بن حمد بن موسى النبهاني. وكتاب «عنوان المجد في تاريخ نجد» لابن بشر. كما شهد الموقع ذاته مواجهة عام 1331هـ مع عبدالرحمن بن سويلم، الذي أرسله الملك عبدالعزيز في سرية، إلى أن انتهى الأمر إلى مفاوضات مع أهالي وزعماء المنطقة. أما بالنسبة إليَّ فقد كان (الكرين) مطّلاً شاعرياً لرؤية (سيهات) في فترة ما بعد العصر حتى الغروب، حيث كنت أنتعل قدمي الطريتين اللتين ذاقتا ما تحت الأسفلت، لأمشي من مركز البلدة التاريخي (الديرة) قرابة ثلاثة أميال، وسط البيوت الطينية والمزارع باتجاهه، بعد أن أمر بالشجرة المقدسة «البمبرة» التي كانت تقدم عندها القرابين والنذور. وهناك أبدأ بتسلّقه، لأرى معالم المكان الذي يحتضنني من أعلى قمة ممكنة.

وأحاول -عبثاً- أن أستنطق الأرواح التي سكنت هذا الفضاء الغامض ذات يوم.

 

* ناقد سعودي.