الإيطالي كارمينيه كارتيلانو يصوّر تفاصيل القاهرة سوريالياً

القاهرة - ياسر سلطان |

استضافت «قاعة مشربية» للفنون في القاهرة، معرضاً لأعمال الفنان كارمينيه كارتيلانو، وهو كاتب ومصور ومترجم إيطالي يقيم متنقلاً بين مصر وإيطالياً.

ترجم كارتيلانو العديد من الكتب والمؤلفات العربية إلى اللغة الإيطالية، كما صدرت له عن «دار ميريت» في القاهرة مجموعة من الكتابات الساخرة باللغة العربية بعنوان «مصريانو» يكتب فيها انطباعاته عن المظاهر الاجتماعية والسلوكية في حياة المصريين.

في أعماله الفنية التي عرضها أخيراً في قاعة مشربية بعنوان «إعادة التشغيل»، لا يبتعد كارتيلانو كثيراً من روح السخرية التي يتمتع بها والتي ميزت أعمال معرضه الأول، وإن كان يتناولها هذه المرة انطلاقاً من نظرة شاملة إلى الحياة والعالم. هذا العالم الذي يراه كمتاهة كبيرة من الخطوط والنقاط والدوائر التي تحاصر مَن في داخلها وتفقده القدرة أحياناً على اكتشاف من حوله.

يحاول كارتيلانو أن يعيد اكتشاف الحياة بطريقة خاصة تحمل قدراً من السخرية والطرافة بقدر ما تحمل دعوة إلى إعادة التفكير من طريق المواءمة بين الصورة الفوتوغرافية بطبيعتها المباشرة، والصورة الذهنية بحيويتها وقدرتها على تحقيق توافقات غير محدودة أو ملتزمة معايير المنطق البصري.

ضمّ المعرض مجموعة كبيرة من الأعمال المنفذة بطريقة التوليف والتجميع، باستخدام برامج التعامل مع الصور الرقمية، تعتمد على الصور التي يلتقطها بعدسته أو يجمعها أحياناً من الإنترنت ثم يعالجها بالحذف والإضافة. وتحتل صورته الشخصية الجزء الأكبر من هذه الصور، في تأكيد للنظرة الذاتية التي تغلف المشهد ككل. فالمساحات الملونة ما هي إلا انعكاس لمشاهداته ورؤيته وقراءاته. وهو يضع أسفل كل لوحة اسماً لكتاب قرأه وتأثر به. أسماء كثيرة لكتب بالعربية والإيطالية والإنكليزية تحتل عناوين الأعمال وتشي بالقليل من تجربة كارتيلانو. لكنها ترسم صورة كبيرة لعالم مشرّع الأبواب، تتلاقح فيه الثقافات وتلتقي من دون تنافر أو صراع.

يتجول كارتيلانو بين شوارع وسط القاهرة حيث يكاد يكون جزءاً من نسيج هذه المدينة الممتدة الأطراف، بهيئته الأوروبية وخطواته المتعجلة ولحيته الصغيرة التي يطلقها أحياناً بلا تهذيب. يتجول مشرعاً ناظريه في كل التفاصيل. يصور ثم يدمج ما التقطه من صور ببعضها مطلقاً لخياله العنان.

لا حدود لتلك التوليفات والتوافقات التي يصنعها على مساحاته الملونة. علامات إرشادية، وقردة، ودجاجات، وأصابع موز، وأحذية، ونقاط عشوائية، وخطوط بيضاء، تتقاطع الخطوط بينها وتتشابك مكونة ما يشبه الكلمات.

كلمات باللغة العربية التي يتقنها كارتيلانو ويتحدثها بطلاقة، مثلما ينطق المقابل العربي لإسمه الإيطالي الأول كما صاغه بنفسه: «قارم قارت»، هكذا ينطقه ويردده أمامك، مشدّداً على حرف القاف، فهو أكثر حضوراً وفخامة من «كارمينيه»، كما يقول.

 

غرابة المشهد

يرسم كارتيلانو في أعماله عالماً سوريالياً شديد الغرابة. فالرجال الجالسون في المقهى والغارقون في اللون الأخضر، ينظرون إلى الكاميرا بابتسامة عريضة، غير عابئين بالأولاد حولهم، أو بالحصان الأسود الصغير المتجول بين أرجلهم. أما هذه الشرفة المشرعة بين رجلي الرجل ذي الجلباب والتي يتوسطها طبق الاستقبال التلفزيوني والمرأة المكتنزة، فقد لا تلفت الانتباه أكثر من ملامح الرجل الجالس بينهم في الوسط الذي يحمل وجه الدمية.

مساحة أخرى ملونة تتجول فيها القردة تحت سفح الهرم ممسكة بالمظلات الشمسية أو تتصدرها دجاجات حمراء مرتدية ربطات عنق سوداء. أحجار النرد، الحذاء النسائي الأحمر والمكرر في أكثر من لوحة، الخطوط البيضاء المرسومة في نسق هندسي.

ترسم الخطوط البيضاء المتقاطعة عبر المساحات مجالاً للحركة، تؤكد فكرة المتاهة ذاتها التي يتحرك عبرها كارتيلانو بحسّه الساخر الذي يعكس مراوحته البصرية بين ثقافتين تقعان على ضفتي المتوسط.

تأخذنا تجربة كارتيلانو مع الصورة إلى تساؤل حول قدرة الفن المعاصر على استيعاب العديد من أطياف التعبير البصري، بما فيها تلك التجارب التي تتميز بالذاتية وتنتمي إلى أشخاص ربما يخوضون تجربة التعامل مع إنتاج الصورة الفنية للمرة الأولى. وينطبق هذا الأمر على تجربة كارتيلانو الذي جاء إلى القاهرة لتعميق علاقته باللغة العربية التي درسها على نحو أكاديمي في مسقط رأسه، ليجد نفسه في النهاية متورطاً في خوض تجربته البصرية الأولى والتي عرضها قبل عامين تقريباً تحت عنوان «ماذا لو».

ينطلق كارتيلانو في تجربته البصرية من الصورة الفوتوغرافية. يبتعد عنها، ثم يعود إليها، راضياً بالوقوف على حدَّي نقيض ما بين الوهم والحقيقة، بين الشمال والجنوب، بين ثقافتين يفصل بينهما بحر ممتد من التباينات والتوافقات والصراعات. هو يمارس التصوير كأي شخص يوجد الآن على سطح هذا الكوكب تتوافر لديه القدرة على تسجيل الحدث عبر العدسات الرقمية. لا تبتعد الصور التي يلتقطها عن خبرته البصرية الذاتية، فهي انعكاس لمحيطه وعالمه وملامحه التي يعالجها بالحذف والإضافة، وتكاد تكون قاسماً مشتركاً بين الغالبية العظمى من هذه الأعمال المعروضة.

من هذه الذاتية التي تغلف إنتاجه البصري، ينطلق كارتيلانو للتعبير عن العالم حتى لو كان خيالياً.

وتختلف أبعاد هذا العالم الخيالي أو الافتراضي باختلاف الصورة التي يقدمها هو كإنسان يعيش في قلب ذلك المحيط الغارق في التناقضات والصراعات، أو تلك المتاهة الكبيرة التي لا نستطيع الخروج منها، أو الوصول إلى أطرافها.

يمعن كارتيلانو في التعبير عن تلك الصورة المتناقضة وعلاقته بها عبر العديد من العلاقات البصرية المتناقضة والغريبة في آن واحد. وهو لا يستطيع الهروب من حاضره كفنان وكاتب يعايش الأحداث اليومية في مدينة كالقاهرة تضج بالأحداث والحراك. لم تغب تلك الأحداث عن معرضه الأول عام 2012 والذي عبّر فيه عن أحلامه وتصوراته لعالم أكثر إشراقاً وبهجة، كما لم تختفِ عن أعمال معرضه الأخير «إعادة التشغيل» الذي يعكس توجساته وقلقه إزاء الأحداث التي يعايشها.