الخشرمي: السرقات العلمية تتفشى.. والجامعات تتنصل من مسؤوليتها خوفاً من تأثر مصالحها

الرياض - عبد السلام السيف |

منذ فترة ظهر ملف أثار ضجة في الأوساط العلمية والشعبية، وهو الملف الذي اشتهر تحت وسم #هلكوني، إذ ظهر كم هائل من أصحاب الشهادات مدفوعة الثمن في كل المجالات الوظيفية والمجتمعية، وما زاد الأمر سوءاً أن بعضهم يتسنم مناصب تربوية وعلمية، هذا الملف جعل كثيراً من حاملي الشهادات العليا متهم حتى تثبت براءته، وأخيراً فتح ملف #سرقوني، وهو الملف الذي ربما سيزعزع الثقة بشكل أكبر بحاملي الشهادات العليا، حتى الحقيقية منها، فبعد أن فضح مزوروا الألقاب ظهر لنا من الأكاديميين والأطباء من يزور البحوث ويسرقها، وبعضهم يتطلب منصبه الأكاديمي تنقية الجو الأكاديمي مما يشوبه من ملوثات. «الحياة» التقت أستاذ التربية الخاصة في جامعة الملك سعود الدكتورة سحر الخشرمي المهتمة بهذه القضية، والتي لاقت في سبيلها كثيراً من المصاعب. فإلى نص الحوار

> حدثينا عن الظاهرة بشكل عام، وهل هي ظاهرة تختص بنا أو بالعالم العربي؟ أم إنها ظاهرة عالمية؟

- في البداية أحب أن أوضح أن السرقات العلمية يقصد بها انتزاع شخص ما لعمل غيره، ونسبه لنفسه من دون الإشارة لصاحبه، سواء باجتراره كاملاً كما هو، أو أخذ مقتبسات وأجزاء منه، أو حتى تحريف بعض ما جاء فيه وإدخال تعديلات طفيفة لطمس معالمه الرئيسة ليبدو كعمل جديد، وقد يسرق البعض فقرات وصفحات لباحث أو مؤلف آخر مع إبقاء التوثيق له، ومع ذلك تعد سرقة علمية لتجاوزه للحد المسموح به والمتعارف عليه للاقتباس.

وكما يبدو فان السرقات العلمية ظاهرة عالمية قديمة الجذور، يتذوق مرارتها الجميع في كافة أنحاء العالم، إلا أن العديد من الدراسات والمواقع أفادت بأن الأبحاث الصحية والعلمية كان لها نصيب الأسد في مسألة السرقات العلمية، وتتركز السرقات في عدد من الدول كما يبدو، كالولايات المتحدة الأميركية والصين وإيطاليا وفنلندا وإيران وتركيا وتونس والهند ومصر والسعودية، وقد يكون استخدام البرمجيات الإليكترونية أسهم في كشف عدد من السرقات في الأبحاث العلمية التي تكتب باللغة الإنجليزية، والتي يسهل لبرامج كشف السرقات العلمية الأجنبية اكتشافها، لكن من خلال استعراضي أيضاً للعديد من الدراسات العربية التي تم اكتشاف سرقات بها أخيراً في #سرقوني وبجهود فردية، أكاد أجزم أن برامج كشف السرقات الأجنبية لو تم تعريبها لتربع العرب على قمة هرم الدول التي يقوم باحثوها بمخالفات علمية.

> وزارة التعليم العالي والجامعات تبدي لنا بروداً شديداً تجاه الموضوع وكأن الأمر لا يعنيهم، فما سبب ذلك؟ وما هو المطلوب منهم؟

- الواقع أن محاولات سابقة كانت من طرفنا أيضاً للتواصل مع وزارة التعليم العالي عبر «تويتر» بخصوص السرقات العلمية، والتي كانت من أكاديميين يعملون بمؤسسات التعليم العالي في المملكة، وقد تجاوبت معي الوزارة عبر البريد الإليكتروني والاتصال الهاتفي وبشكل جيد، وطلبوا تزويدي بقوائم السرقات مفصلة للاطلاع عليها، لكنني لم أر بعد ذلك ما يدلل على حراك من الوزارة نحو المحاسبة أو حتى استصدار وتعديل اللوائح والأنظمة، وحسب ما أعلمت من مصدر مسؤول بالوزارة أن الجامعات تعد حالياً جهات مستقلة تقوم بنفسها، وبالتالي فإن إدارة الجامعة هي المسؤولة عن متابعة مواضيع السرقات العلمية وليست الوزارة، أما الجامعات فمع الأسف قلة هم من يتفاعلون معنا، لكن من دون نتائج ملموسة، وفي ظل هذا الانحسار لدور الجامعات في التصدي لقضايا جوهرية تمس التعليم أرى أن تعود وزارة التعليم العالي لتأخذ دورها في انتشال الجامعات من تلوث السرقات العلمية الذي سقطت به، ولم تعد قادرة على الخروج منه، وتخصيص إدارة أو لجنة للتحقيق بكل ما يتعلق بالتحايل العلمي، وحبذا لو يتغير اسم الوزارة إلى وزارة التعليم العالي والبحث العلمي أسوة بكثير من الدول العربية، استشعاراً بأهمية ربط دورها دائماً بجودة ونزاهة البحث العلمي.

> عميد كلية أو عمادة تكتشف سرقته، ولا يكون الإجراء المتخذ في حقه إلا سحب بحثه من النشر في المجلة الرسمية، وربما نشر بحثه على شكل كتاب، ويبقى عميداً أو مسؤولاً في الجامعة تحت يديه القرار بشأن كثير من البحوث، هل يمكن أن يتخذ مثل هذا إجراء عند اكتشاف أحد أكاديميي الجامعة يسرق مادة علمية؟

- الواقع أن ما عايشته على مدار عامين في #سرقوني يؤكد عدم اكتراث غالبية جامعاتنا بموضوع السرقات العلمية، وبغض النظر عن منصب ومكانة السارق هناك تساهل كبير بهذا الخصوص، ما عدا جامعة الجوف التي تواصلت بخصوص سرقات مهندس عربي يعمل بها نشرنا له ستة أبحاث مسروقة، فالقضية كما يبدو ليست ضمن أولويات جامعاتنا، فهي تترك شكاوى السرقات العلمية بين منسوبيها لجهات خارجية كوزارة الإعلام والقضاء للبت بها قبل أن تتخذ قراراتها، متنصلة بذلك عن مسؤولياتها كجهة علمية ينبغي أن تحافظ على سمعتها الأكاديمية، درءاً للدخول في مواجهات قد تؤثر على علاقات ومصالح شخصية.

> هل السرقة التي تعرضت لها دافع لك لفتح الموضوع وتفعيله؟ حدثينا عن هذه السرقة؟

- قبل تأسيس #سرقوني كنت من متابعي ومغردي #هلكوني، واستشعرت أهمية طرح موضوع السرقات العلمية، ليس فقط لأنني تعرضت لسرقة أو سرقات علمية، بل لأهمية هذه القضية، ولمطالبة بعض المغردين بإدراج موضوع السرقات في #هلكوني المتخصص بالشهادات الوهمية والزائفة، والذي لم يكن من الممكن أن يخلط بين موضوعين مهمين لهما حجمهما في وسم واحد، لذلك آثرت أن أفتح أنا وسماً جديداً يتخصص بقضية السرقات العلمية أتابعه بنفسي، خاصة وأنا من الأشخاص الذين تعرضوا لها ولدي خبرة تطبيقية بالبحث العلمي.

أما عن السرقة التي تعرضت لها قبل تأسيس # سرقوني فهي باختصار كانت لمشروع وطني أعددته لتأهيل وتدريب الطلبة ذوي الإعاقة أثناء عملي مستشارة غير متفرغة بوزارة التعليم العالي، ومتابعة الطلبة ذوو الإعاقة المبتعثين بمراكز الإعاقة، وكنت تقدمت به لوزارة التعليم العالي ثم لمؤسسة سلطان بن عبدالعزيز الخيرية، إذ علم أحد زملائي بالجامعة بهذا المشروع وقام باستخدامه كاملاً مع بعض التحريف أثناء عمله مستشاراً متفرغاً بمشروع الملك عبدالله لتطوير التعليم، وحين اكتشفت تلك السرقة طالبته بالاعتذار الرسمي وإعادة الحق إلى صاحبته فرفض الاعتذار العلني، فاشتكيت عليه لإدارة الجامعة بعد طرح الأدلة على السرقة، لكن مع الأسف تهاونوا بحقي وتم تعيينه رئيساً على قسمي لمدة عامين، ثم مستشاراً بجامعة أخرى بعد نهاية فترة رئاسته للقسم، وحين نفّست عما يعتمل بنفسي معه في #سرقوني رفع الزميل اللص قضية تشهير ضدي.

> ألا تخافين أن يتسبب لك تبني هذا الموضوع في شن حرب وظيفية عليك تؤثر على مستقبلك الوظيفي؟

- أنا لا أخشى في قول الحق لومة لائم، تربيت منذ طفولتي على النزاهة وعدم السكوت عن الحق، لذلك أجدني أقوم بمهمة إنسانية جسيمة، بالفعل كلفتني الكثير، فأنا - إضافة إلى الجهد الذي أبذله في قراءة الأبحاث والتأكد مما جاء بها من سرقات - عايشت خيبات في علاقاتي ببعض الزميلات والزملاء في العمل، الذين باتوا يخشوني أو يفسرون تساؤلاتي حول أبحاثهم بشكل خاطئ، كذلك وردت عدد من الرسائل الكيدية لمسؤولي عملي كافة حول أمانتي في العمل تحثهم على فصلي، كذلك امتنعت جهات مسؤولة في عملي عن التجديد لي في العديد من المهمات الإدارية أو اللجان البحثية أو غيرها من التكليفات التي كنت كلفت بها على مدار الأعوام السابقة، بمعنى آخر عزلت تماماً عما يدور حولي من أحداث داخل العمل، ومع ذلك لم يتم منعي أو التوجيه المباشر لي بخصوص ما أقوم به في #سرقوني، أما عن مستقبلي الوظيفي فهو عند الخالق، فان أراد الله سبحانه وتعالى لي الاستمرار بعملي سأبقى، وإن كان غير ذلك فسأرضى بما كتب ولن يثنيني ذلك أبداً عن الاستمرار في قول الحقيقة.

> مقالة «مطلوب محاربين ضد التزييف بالعالم العربي» التي نشرت في مجلة open democracy هل يعني أن التزييف في العالم العربي طال المؤسسات العالمية؟ أم أن سمعة السرقات العربية تعدت الحدود إلى العالم؟

- أظنه نداء جهات وشخصيات أجنبية اكتوت وتشبعت بالتحايلات التي ظهرت من شخصيات عربية، فالعديد من الأبحاث التي سحبت من النشر الأجنبي خلال الخمسة أعوام الأخيرة وردت بها أسماء عربية، كذلك فإن بعض الطلبة المبتعثين ممن وردت لديهم مخالفات وسرقات علمية وتزوير نتائج في اختبارات التوفل بجامعات غربية كانوا يبررون لأنفسهم أنهم في أوطانهم يستساغ استعانتهم بجهود غيرهم، وأنه أمر معتاد في عالمنا العربي لا يحاسبون عليه. كذلك فإن مواقف بعض الباحثين العرب والتهاون في تطبيق أخلاقيات البحث العلمي قد تكون حفزت مثل ذاك المقال، فعلى سبيل المثال أحد الباحثين العرب ممن أعد بحثاً باللغة الإنكليزية لنشره بمواقع للنشر الأجنبي، طلب من مدققة لغوية أجنبية مراجعة بحثه قبل تسليمه له للمجلة، بعد أن انتهت المدققة من مراجعة البحث أعادته مع التعديلات، فسارع الباحث لنشره في مجلة أجنبية، لكن تلك المجلة سحبت البحث لاحقاً من النشر بسبب اكتشاف سرقة علمية به، العجيب في الأمر أن الباحث اللص تواصل مع المدققة اللغوية الأجنبية يطالبها بإعادة ما دفعه لأن بحثه سحب بسبب تقصيرها في إعادة صياغة الجمل، فأعلمته أنها لن تعيد له ما دفع لأنه كان في مقابل تدقيقها اللغوي، لا تعتيم وإخفاء سرقاته العلمية لجهد غيرها.


الأكثر قراءة في دوليات
المزيد من دوليات