زمن التفاوض... أكراد تركيا في ضفة الأقوياء

رستم محمود |

أكراد تركيا هم الأسعد في الشقاق السياسي المتنامي بين تركيا والولايات المتحدة، هذان الحليفان اللذان كان شكل علاقتهما التاريخية فاعلاً حيوياً لتجميد المسألة الكردية في ذلك البلد، عبر التغاضي عن الممارسات الفظيعة للمؤسستين السياسية والعسكرية التركية تجاه أكرادها طوال عقود، خصوصاً من أواسط الثمانينات حتى أواسط التسعينات.

وتركيا عبر سياستها المناهضة للتيارات اليسارية والإسلامية المحافظة، كانت حليفاً استراتيجياً للولايات المتحدة ومجموع دول حلف الناتو وقتئذ، بينما كانت النزعة القومية الكردية - حزب العمال الكردستاني - متماهية بأكثر من شكل مع التيار المناهض لهذا التحالف، إن أيديولوجياً عبر تبنّي الماركسية السوفياتية، أو سياسياً عبر التواصل الحميم مع محور إيران وخياراتها منذ أواسط الثمانينات.

يبدو الأمر اليوم مغايراً تماماً لما جرى خلال عقود طويلة من التحارب العنيف بين السلطات التركية وأكراد البلاد. فسياسات حزب العدالة والتنمية الحاكم المتشابكة مع خيارات حركة الإخوان المسلمين في المنطقة بمختلف تنظيماتها، تضع «الدولة» التركية في مواجهة قوى سياسية دولية وإقليمية عدة، بدءاً بالولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين ومروراً بمصر ودول الخليج العربي، وليس انتهاء بإيران وشبكة «مواليها» الإقليميين. هؤلاء كلهم غدوا مناصرين موضوعيين لأكراد تركيا وتيارهم السياسي الأعرض «حزب العمال الكردستاني» في ظلال الانشطار الحاد بين تركيا وهذه القوى السياسية، وبسبب الانخراط الفعلي لهذا الحزب الكردي في مواجهة قوى «إسلامية» خطيرة، في كل من سوريا والعراق، ونسبياً في تركيا.

يحدث ذلك في لحظة مفصلية من التاريخ السياسي الحديث للدولة التركية، فالخطة السياسية الإستراتيجية التي تتبناها المؤسسات والقوى السياسية التركية بنسب متفاوتة، الرامية لإنهاء الملف الكردي في البلاد عبر مفاوضة حزب العمال الكردستاني ونزع سلاحه وفسح المجال أمامه للعمل السياسي الشرعي المدني العام، باتت بنداً تأسيسياً للخطاب السياسي العام. لكن هذا الإقرار السياسي لا يعني وضوح ما سوف تؤول إليه النتيجة النهائية لهذه المفاوضات خلال الشهور وربما السنوات المقبلة، والتي ستكون رهينة في جزء منها بشبكة الحلفاء الدوليين والإقليميين، لكل من السلطات التركية الحاكمة من طرف وحزب العمال الكردستاني من طرف آخر.

الثابت أن السلطات التركية ستسعى إلى أن تكون نتيجة المفاوضات مجرد عملية احتواء للعمال الكردستاني وعموم الحركة القومية الكردية في البلاد، عبر تحييد وتجريم العنف السياسي؛ الذي كان عاملاً مؤثراً في شحذ طاقة الوعي القومي الكردي في البلاد طوال ربع قرن كامل. وكذلك ستسعى إلى سحب الورقة الكردية في البلاد من يد القوى الإقليمية التي تستخدمها كلما أرادت استفزاز تركيا وإيران بالذات وعلى الدوام. وستسعى الدولة التركية إلى فعل ذلك مقابل بعض الإصلاحات السياسية والقانونية الصورية، كإصدار عفو عام والسماح بتداول اللغة الكردية وتعلمها - حق التعلم للمواطنين وليس واجب التعليم على الدولة - وبعض الإصلاحات الإدارية الشكلية، كتوسيع سلطة الإدارات المحلية. كل ذلك لن يغيّر من جوهر هوية الدولة التركية الرمزية والفعلية، التي ستبقى دولة «الأتراك المسلمين الأحناف» أكثر مما هي دولة غيرهم من مواطني الجماعات الأهلية الأخرى.

على النقيض من ذلك، فإن ما يقود العقل السياسي لقادة حزب العمال الكردستاني، وبالذات الجناح المسلح منهم، هو نموذج كردستان العراق؛ حيث السعي الحميم لكسر أكبر قدر من السلطة السياسية والاقتصادية والرمزية للمركز الحاكم، عبر خلق مساحة خاصة بالأكراد في المناطق التي يشكلون فيها غالبية سكانية واضحة جنوب شرقي البلاد. هذا الكسر للمركزية هو «الحل الوسط» بين نزعات الانفصال والاستقلال الكياني الكردي من طرف، وبين سياسات الصهر القومي التركية من طرف آخر؛ وفق تحليل تيار حزب العمال الكردستاني والأدبيات المتلاحقة الصادرة من زعيم الحزب عبدالله أوجلان.

سيكون لهذه القوى الدولية والإقليمية دور بارز في مآل هذه المفاوضات، لارتباط تركيا العميق والواضح مع السياسات الأميركية والأوروبية في المنطقة استراتيجياً، وهو ما ظهر جلياً طوال سنوات المسألة السورية، ولارتباط الخيارات الاستراتيجية لحزب العمال الكردستاني في المقابل مع السياسيات العامة لإيران، وبالذات في الملفات الإقليمية الرئيسية.

هذان الطرفان سيسعيان إلى أن تكون نتيجة المفاوضات أقرب الى ما يتخيله العمال الكردستاني. لأن القوى الدولية باتت ترى في «الأردوغانية» السياسية والإيديولوجية منبع أثارة للإسلام السياسي المحافظ، وأن كسراً منظماً للمركزية الدولتية التركية وحده قد يحد من استمرار نمو هذا التيار السياسي الإيديولوجي التركي، الذي بات يسيطر على جل مؤسسات الدولة، الرسمية والرديفة. ففي ذهن صناع القرار الغربيين، لا يمكن الحد من الإسلام السياسي التركي برمزيته ونموذجيته المؤججة للتيارات العنيفة من أواسط آسيا وحتى المغرب العربي، إلا عبر مساندة الإيديولوجيا القومية الكردية المتحالفة مع التيارات اليسارية التركية «العلمانية» وأن يكون تحطيم المركزية السياسية ضمانة لذلك.

على خط مواز، فإن إيران أيضاً لن تكون فاعلاً إيجابياً في خط سير المفاوضات بين الطرفين ما لم تضمن حصة ونفوذاً مستقبليين في الكيان التركي الذي سيُنتج بُعيد طي ملفه الكردي. نمط اللامركزية هو وحده ما يضمن لإيران بقاء نفوذها حياً في الداخل التركي، خصوصاً أنها ستبقي على «شعرة معاوية» مع قادة حزب العمال الكردستاني الذين سيعودون للعمل السياسي داخل البلاد، وسيتحول العديد منهم إلى قادة فعليين في المجال السياسي التركي الداخلي مستقبلاً.

قبل قرن بالضبط بدأت العلاقة السياسية بين المجتمع السياسي الكردي والدولة المركزية التركية بالاهتزاز، بعدما بقي الأكراد على الوفاء للسلطنة العثمانية لأكثر من خمسة قرون. فعلى رغم من تحطيم عصر السلطانين عبد المجيد وعبد الحميد لكل الأمارات المحلية الكردية، دخل الأكراد الحرب العالمية الأولى وحرب الاستقلال التركية لمصلحة السلطة المركزية في البلاد. لكن، طوال فترة الدولة التركية «الحديثة» بعدئذ، بقي الأكراد رهائن وعود القوى الدولية والإقليمية القوية المنتصرة في الحرب، التي كانت تعد بمساندة استحواذ الأكراد على حيز سياسي ذي خصوصية ضمن الكيان التركي. ولم تكن التراجيديا الكردية طوال قرن كامل سوى تعبير عن تخلي تلك الدول والسياسات عن الحقوق المشروعة لأكراد تركيا، وذلك في سبيل تحالفاتها وتفاهماتها الأعمق مع الدولة التركية. اليوم يبدو كأن الطاولة قد قُلبت.

 

 

* كاتب سوري