الإشكال التاريخي بين الثقافتين العربية والفارسية

موريس أبو ناضر |

إذا تجاوزنا الحقبة الجاهلية من تاريخ العرب اختصاراً في المعالجة، حيث كان اللقاء بين الثقافتين العربية والفارسية يعرف حركة مدّ وجذر، تارة باتجاه بلاد فارس، وتارة باتجاه بلاد العرب، وحطّ بنا الرحال في العصرين الأموي والعباسي تكشّف لنا أن الإسلام دخل بلاد الفرس منتصراً ناقلاً لهم كلام الله مجسّداً في القرآن الكريم، فيما حمل الفرس إلى العرب بفعل دخولهم في الإسلام أساليبهم في تنظيم الحكم والآداب السلطانية، وتأثيث الفضاء الاجتماعي اليومي في المأكل والملبس، ومجالس الأنس والترفيه، والطرب والغناء وبناء المنازل والقصور.

وأدّى التقارب النفسي والاجتماعي بفعل الإسلام إلى إقبال العديد من الفرس على تعلّم العربية واتخاذها وسيلة للتعبير عن أفكارهم وعواطفهم، بحيث لا نكاد نتقدّم نحو العصر العباسي، حتى يصبح معظم جمهور العلماء والكتّاب والشعراء من الفرس مرجعاً في الفقه والتاريخ والطب والرياضيات والفلسفة. وفي المقابل تعلّم كثيرون من العرب اللغة الفارسية حتى شاعت هذه اللغة في الحياة اليومية لبغداد والكوفة والبصرة.

 

ظواهر التداخل

ينقل رشيد يلوح صاحب كتاب «التداخل الثقافي العربي الفارسي» (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات)، عن الجاحظ وصفه لأحد الرواة وهو موسى بن سيار الأسواري أن «فصاحته بالفارسية في وزن فصاحته بالعربية، وكان يجلس في مجلسه المشهور به، فتقعد العرب عن يمينه والفرس عن يساره، فيقرأ الآية من كتاب الله، ويفسّرها للعرب بالعربية، ثم يحوّل وجهه الى الفرس فيفسّرها لهم بالفارسية، فلا يدرى بأي لسان هو أبين».

ويفنّد الأسباب التي أدّت إلى مثل هذا التداخل فيراها في الدين والجغرافيا والزمن. دينياً أعطى الإسلام لكلا الطرفين فرصة اللقاء، والتبادل المستمرّ، وقصة الصحابي سلمان الفارسي تمثّل معلماً دالاً يعكس تأثير العامل الديني في التداخل الثقافي العربي الفارسي. تجمع مصادر التاريخ الإسلامي على انتماء سلمان إلى أصول فارسية، فهو كان زرادشتياً في بداية عمره، لكّن قلقه وبحثه المتواصل عن الحقيقة جعلاه يعتنق المسيحية، ويتنقّل بين الشام والعراق، ثم توجّه الى المدينة، حيث التحق بالنبي العربي الكريم، فعمل على نقل رسالة النبوّة الى بلاد فارس، حيث اقتنع هؤلاء بأن العرب يحملون لهم رسالة إحيائية تخرجهم من «عبادة العباد الى عبادة ربّ العباد» على مايقول الصحابي ربعي بن عامر. جغرافياً، قامت مراكز التواصل والتماس بين العرب والفرس في مناطق متعدّدة ابتداء بجنوب بلاد فارس نفسها وشمالها، وبخاصة في المجال العراقي، أو في بلاد البحرين على سواحل الخليج، أو في اليمن ومكة والمدينة.

كانت مكة مثلاً نقطة للتواصل بين العرب والفرس لأن التجار الفرس كانوا يتوافدون اليها ويستقرون فيها لعقد صفقات، وتنظيم أعمالهم التجارية، أضف الى ذلك أن لمكة دوراً مؤثراً نظراً إلى رمزيّتها الدينية والثقافية، إذ كان الفرس يأتون ويطوفون بالبيت تعظيماً للنبي إبراهيم. في المقابل كانت مناطق الري وخراســان وقزوين ومرو مفتوحة أمام العرب ليتعرّفوا على الكتّاب والفلاسفة الفرس الذين تعرّبوا أمثال سيبويه والخيام والرازي والغزالي والطوسي والخوارزمي والفارابي وابن سينا والتوحيدي وابن المقفع.

 

قرون التفاعل

عاش العرب والفرس منذ دخولهم في الإسلام ثمانية قرون من التفاعل الحيوي النشيط في كل المجالات الثقافية والاجتماعية والسياسية، وبنوا معاً حضارة إسلامية مازلنا حتى اليوم نعيش في ظلالها قبولاً وسجالاً. وقد عبّر عدد من المفكرين العرب والفرس المعاصرين عن آراء متباينة في شأنها، من بين هؤلاء المفكر العربي المغربي محمد عابد الجابري. حاول الجابري في كتابه «العقل الأخلاقي العربي» مساءلة منظومة القيم العربية باحثاً في جذورها عن أسباب العطب، فوجد منها ما يتصل بعنصر الثقافة الفارسية، وهو ما سمّاه «الموروث الفارسي وأخلاق الطاعة»، وقصد به الدور السلبي لثقافة الطاعة الفارسية في بناء نظام القيم في الثقافة العربية الأسلامية.

يعتبر الجابري أن عبد الحميد الكاتب وابن المقفع كان لهما دور حاسم في نشر الكسروية وإيديولوجيا الطاعة باعتبارها عقداً جديداً بين الرعية والراعي الذي لا يرى العدل حقاً للرعية، وفي وقت لاحق روّجت فكرة الطاعة باعتبارها هدفاً في حدّ ذاته، وفي هذا المستوى تحوّل المطاع إلى رمز، بينما تحوّل الخليفة الأموي إلى كسرى جديد، وتحوّل أبو جعفر المنصور لاحقاً الى أردشير الدولة الجديدة.

ويعتقد الجابري في نهاية طرحه أن ثقافة الطاعة الكسروية أدخلت العرب في مأزق تاريخي، وجعلتهم حبيسي مملكة أردشير التي لامجال فيها للحلم، وأن لا سبيل إلى الخروج من هذا المأزق إلاّ بتجاوز هذه الثقافة وإحداث قطيعة معها.

يبدو واضحاً هنا أن تقويم الجابري للتداخل الثقافي العربي الفارسي في بعده القيمي والسياسي كان سلبياً جداً، ذلك أن دخول أخلاق الطاعة وقيم العبودية والاستسلام للمستبد، لم يحرم الفضاء الحضاري العربي من الحرية والعدل فحسب، بل أفقد الكسب الثقافي والمعرفي خصائص الإبداع والتطوّر، ورسّخ في الشعوب العربية قابلية فريدة للاستعباد والاستعمار.

 

نظرة أخرى

في المقابل يدين الأكاديمي والباحث الفارسي عبد الحسين زرّين كوب في كتابه الذي صدر عام 1959 بعنوان «قرنان من الصمت» الفتح الإسلامي لإيران لأنه كان سبباً في إسكات الصوت الثقافي الفارسي، على رغم أن الكاتب يستثني من هذه الإدانة الرسالة الإسلامية ذاتها، باعتبارها رسالة إلهية تخاطب البشر جميعهم، في حين يوجّه إدانته الى الفاتحين، خصوصاً الولاة والقادة العسكريين في العصر الأموي الذين تورّطوا في أعمال قتل وتدمير وفي تجفيف منابع الثقافة الفارسية المحليّة، وتصفية التراث الزردشتي المكتوب، الأمر الذي أفقد الشعب الإيراني الاتصال بذاكرته القومية.

من الواضح أن زرين كوب يقدّم بدوره تقويماً سلبياً للتداخل الثقافي العربي الفارسي، فهو يعتبر أن الفرس قبل الإسلام كانوا أمة قائمة بذاتها بشرياً وثقافياً، بينما كان العرب يعيشون في وحشية وانحطاط، ولكن مع مجيء الإسلام كانوا محتاجين الى الفرس لبناء دولتهم، فما أن انتهت الأعوام المئتان حتى أصبح العصر عصراً فارسياً، وهيمن الفرس على مناحي الحياة كلها، لابل اتبع العرب الإمبراطوريات الفارسية في شكل الحكم.

في موازاة الجابري المتطرّف عربياً وزرين كوب المتطرّف فارسياً، يبدو مرتضى مطهّري وهو مفكر إيراني معاصر، توافقياً. فهو يقرّ النظرية القومية التي تقول بقيام حضارة فارسية عظيمة في إيران قبل الإسلام في كتابه «الخدمات المتبادلة بين الإسلام وإيران»، لكنّ الدين الجديد نفخ فيها روحاً جديدة، فقد حرّرهم من العبودية والظلم الكسروي، واستجاب إلى حاجاتهم الروحية والفطرية والعقلية، في حين أعطى الفرس الإسلام خلاصات ونتائج من كسبهم المدني السابق في ظلّ الإمبراطورية الساسانية، ونشروا تعاليمه في ربوع الأرض، وأبدعوا في ظلّه مؤسسين مختلف أنواع العلوم النقلية والعقلية.

زمنياً أعاد الإسلام ترتيب حياة العرب وثقافتهم على أسس جديدة أصبحت فيها لليل والنهار والضحى والفجر والسحر معان دقيقة وفاعلة في الحركة نحو الهدف من الوجود. واستفاد الفرس من هذا الترتيب في تنظيم حياتهم فبدأوا في تحرير فصول تداخل ثقافي بينهم وبين العرب امتدّت منذ فتح بلاد فارس حتى القرون اللاحقة، ومن خلال النظر في جانب من المؤلفات التي خلّفها المؤرخون والعلماء العرب والفرس في مختلف الفروع العلمية، نجد أنها تحمل تقسيمات زمنية دالة على عملية التداخل بين الثقافتين العربية والفارسية.