قلعة نزوى العمانية تجدّد علاقتها بالزائرين

مسقط - محمد سيف الرحبي |

جدّدت قلعة نزوى علاقتها مع الزائرين الذين يكتشفون مكوناتها المهيبة وسراديبها التي تنيرها مصابيح الكهرباء. لكن زوارها يختلفون في العصر الحديث عن الذين اعتادوا دخول بوابتها الخشبية الكبيرة في العصور السابقة. فقد أضافت العلاقة التكاملية بين وزارة التراث والثقافة في السلطنة، ما يجذب السياح إلى القلعة العتيدة التي تتوسط المدينة التاريخية والمحاطة بأسوار وأسواق وواحات نخيل.

وبعد سنوات من بقاء القلعة بمعزل من المفهوم السياحي الحديث، طورت الوزارة ملامحها، مضيفة إلى مكوناتها متحفاً استوحى تصميمه من تشكيلات المعمار القديم، حيث المعرض أشبه بسراديب يلتقي بعضها ببعض عبر ممرات ضيقة، كاشفة عن عادات المكان وتقاليده، وتاريخ القلعة وعملية بنائها.

ويلفت التعدد في ملامح الوجوه والثقافات المتنوعة، عدد كبير من السياح الأجانب يحاول التقاط صورة لامرأة عمانية بالزي التقليدي وهي تتجول في أرجاء المتحف، تتأمل عرضاً لكيفية صناعة النيلة المستخدمة للمكياج (وفق الطريقة الشعبية) حيث تتم زراعة النبات في المنطقة وتستخرج منه مادة النيلة بالوسائل البدائية.

ومن داخل ساحة القلعة، تقدم فرقة شعبية جانباً من الموروث الموسيقي العُماني المعتمد على الأهازيج وقرع الطبول مع رقص بالسيف بما يشبه المبارزة بين اثنين يتناوبان على الحلبة وسط الفرقة. ويستدير حول المكان حصن القلعة الذي شيده الإمام الصلت بن مالك الخروصي قبل 1200 عام.

وتشتهر قلعة نزوى بأنها كانت عاصمة الحكم في عُمان قديماً، ومن يستطع السيطرة عليها فقد امتلك زمام البلاد. وهي تقع مجاورة للسوق القديم الذي أعادت الحكومة العُمانية ترميمه ليبدو كتحفة فنية مكملة للشكل العمراني الذي عليه القلعة.

ولم تعد أصوات المدافع تستقبل الزائرين أو تخيف الغزاة حيث صمتت لتبقى ذكريات من الزمن الماضي الى جانبي الباب الخشبي العملاق قبل أن يأخذ الزائر طريقه داخل ممر صغير يرتب حركة الداخلين بين صفوف من السيوف والخناجر والبنادق المعلقة دلالة على تاريخ المكان.

وقلعة نزوى من أجمل القلاع العُمانية من حيث تصميمها المعماري، حيث تتوسط المدينة القابعة قريباً من الجبل الأخضر بمحافظة الداخلية، فيما يمكن الناظر من عليائها مشاهدة واحات النخيل الممتدّة، وصولاً إلى الجبال المحيطة بها، وبناها الإمام سلطان بن سيف بن مالك اليعربي عام 1649 ميلادية (1059 هجرية) للدفاع عن المنطقة وفق تحصينات راعت صيد الغزاة من خلال الفتحات المخصصة للتصويب من أعلى القلعة إضافة إلى مساقط للزيت الساخن والعسل المغلي داخلها. وإذا أفلت الغازي من تلك المصائد، فإن بئراً تأخذه إلى بطنها وسط ظلمة السلم الدائري الذي يشكل المنفذ الأساسي للصعود إلى قلبها.

وتشير المصادر التاريخية إلى أن عملية بناء القلعة استغرقت 12 عاماً، وأنفق الإمام العماني عليها ما غنمه من غزوة على الساحل الهندي.

يبلغ ارتفاع القلعة 115 قدماً (24 متراً) وقطرها 150 قدماً (45) متراً، علماً أنها بنيت على قاعدة مردومة بحجارة علوها 15 متراً. وتشير رواية أخرى إلى أن علو القاعدة 30 متراً في باطن الأرض مزودة بفتحات مدافع، كما أنها تتيح التصويب على المهاجمين ضمن دائرة القلعة (360 درجة) من خلال 480 مرمى للبنادق، علما أن جدران منصة التصويب حول سطح القلعة ترتفع عشرة أمتار.

ولم يغفل البناة أمر تزويد القلعة باحتياجاتها، خصوصاً من المياه، في زمني الحرب أو السلم، فحفرت داخلها 12 بئراً، كما يوجد فيها 240 سراجاً للزينة، و120 مركزاً للحرس المناوبين و24 فتحة للمدافع الكبيرة .

ويكتمل المعمار بحصنها الذي يتضمن سكن الإمام وآخر لطلبة العلم وتسمى بغرف صحار ومقر للضيوف وغرفة (المعصرة) لوجود معاصر قصب السكر قريبة من بيت الإمام، وأيضاً غرف للعسكر ومكتبة وغرف صنع القهوة وتحضيرها، وغرف أخرى للجنود والمستودعات، وأغلبها للتمر، باعتباره الأكثر قابلية للبقاء خلال فترات الحصار، أما السجن فينقسم إلى جزأين، واحد للجرائم الكبيرة كالقتل، حيث يصعب على المسجون الهرب، لثقل القيود والأصفاد في رجليه، أما القسم الآخر من السجن فمخصص لصغار المجرمين، أسرى الحرب واللصوص وغيرهم.