«تعبئة» أمنية - فكرية لإسقاط نجم «داعش» وجنود التطرف

مكتبة الإسكندرية. (الحياة)
الاسكندرية - زهير قصيباتي |

وحش «داعش» هل يمكن أن يكون أقوى من كل المجتمعات والدول العربية والأوروبية على ضفتي البحر الأبيض المتوسط، كما في سورية والعراق؟ الأمن أولاً أم الرغيف أم الحريات؟ بعيداً عن صخب شواطئ الإسكندرية، صاح أحدهم «نحن خط الدفاع الأخير عن الأمة العربية»، فاستفز السؤال «مَنْ نحن؟... أمة أم مجتمعات أم عشائر وقبائل»... كيف أصبح «داعش» وأمثاله أقوى؟

تضج عاصفة الكراهية والتعصب على ضفتي المتوسط، باريس ليست في منأى، وما تشهده شوارع ألمانيا تحوّل سريعاً من تنديد بوحشية «داعش» وأخواته إلى إدانة لجميع المسلمين والإسلام. العنف يستدرّ العنف، وحال التعبئة الأمنية في كل مكان، إنذار صاخب بوجود قنبلة الحقد.

تعبئة في المطارات، وقبضة أمنية عديدٌ من أصابعها غير مرئي في الشارع. بين الضفتين صخب الفتنة الكبرى أعلى، وقلما تجد أحداً لا يخشى أن يباغته «داعشي» أو تكفيري بطعنة من خلف، إن لم يكن ضحية «عابرة» لتفجير. أصابع الاتهام توجه الى «الدولة العربية» التي «استغلت» وباء الإرهاب لفترات، حتى توحَّش... قال أحد أعضاء المجلس القومي لحقوق الإنسان في مصر (ياسر عبدالعزيز)، داعياً الى الاعتراف بأن «الإعلام لن يكون ولا ينبغي أن يكون رأس حربة في المعركة مع الإرهاب».

في الإسكندرية، لولا قبضة الأمن المشددة حول مكتبتها، لشعرتَ بأن المدينة المنفتحة على ثقافات «المتوسط» ساكنة، على بركان ضفة مضطربة. تسأل ما الذي تبدّل منذ 25 يناير، يلتف بعضهم على الإجابة، خصوصاً حول «الإخوان» ومصيرهم ونسبة مَنْ بقي مِنْ المتعاطفين معهم. في الغالب، الجواب أن «الأولوية للُقْمَة العيش، ومكافحة الركود في فرص العمل، وفحش الغلاء وتدنّي الأجور وموت السياحة».

في المكتبة التي نظّمت مع وزارة الخارجية المصرية مؤتمر «نحو استراتيجية عربية شاملة لمواجهة التطرف»، بدا الأمين العام لجامعة الدول العربية نبيل العربي مزهوّاً بـ «إجماع نادر» لمَّ شملها، لمواجهة زلزال العنف الذي يضرب المنطقة بجنون. حرص على التذكير بقرارات المجلس الوزاري للجامعة (7/9/2014) الداعية الى مكافحة امتدادات «داعش» وتجفيف منابع الإرهاب الفكرية وتمويله، واتخاذ تدابير لمنع تجنيد الشباب. والحال أن عاصفة القتل والبطش والتنكيل، لا تحجب وسط عاصفة الرياح والثلوج على ضفتي المتوسط، حقيقة أن هؤلاء، من كل الجنسيات والطوائف والمذاهب، كانوا ضحايا الاستبداد وباتوا «رهائن» لـ «داعش» و «القاعدة»، وأدوات، أحياء وأمواتاً.

ولكن، كيف تترجم الجامعة قرارها اعتبار أي اعتداء على أي دولة عربية أو أكثر أو على قواتها، اعتداء على كل الأعضاء؟ هل ينطبق ذلك على قوات النظام السوري، وهل تصنّف «غزوات» الحوثيين في اليمن اعتداءً؟

في مؤتمر مكتبة الإسكندرية الذي شارك فيه حوالى 250 من السياسيين العرب ورجال الدين والمثقفين والإعلاميين وخلافاً لكل مؤتمراتها السابقة، لم يكن الهدف مجرد توصيات بأفكار عامة. طغت حماسة وجرأة في التنديد بـ «التكاذب العربي»، وقول ما كان يُعتبر محظوراً. بطاركة وجّهوا اتهامات، مشايخ غضبوا من اتهام الأزهر بالاحتكار لأنه سعى إلى توحيد خطبة الجمعة في مساجد مصر. البطريرك غريغوريوس الثالث سأل الحضور «هل يمكن ان يكون الخطاب الديني إيجابياً وأحدهم يقول لي أنت كافر»؟ التمييز يحرّض على العنف، والضحايا مسيحيون ومسلمون من كل المذاهب.

وبلا مواربة، وراء جدران المؤتمر، وقف مشارك ليعرض بالتفصيل «نموذج» داعية إسلامي (ذكر اسمه)، قال لمحدّثه عبر إحدى القنوات التلفزيونية: «إكرَه زوجتك المسيحية... فلتشعُر هي كل يوم بأنك تبغضها». سأله: «كيف أعاشر زوجتي وأنا أكرهها»، أجاب: «اعتبر أنك تغتصبها»! يسهل الإجماع على أن حال ذاك الداعية الذي يتكاثر نموذجه بالآلاف، أخطر على الجميع ممن يغتصبون سلطة ومجتمعات.

الجميع ضحايا، نساء ورجالاً وأطفالاً، لـ «داعش» والانفصام والتكاذب، والتلاعب بمفاهيم الدين. أما غول الفقر والبطالة فيمهد أرضاً خصبة للتطرف، وحال «جنود» الإرهاب المضلَّلين في الضفة الأخرى للمتوسط، أقرب ما تكون إلى انحراف منتفضين على «غيتوات» عزلة، ساهموا في رفع جدرانها في وجه الاندماج.

لم يعد الوقت كافياً لتشريح الوباء، لم يصبح جثة بعد، وللغرب نصيب في هواجس الهيمنة والنفخ مواربة في نار الفتنة. بعيداً عن السياحة على شاطئ الإسكندرية، كل مظاهر المحنة والفتنة كانت حاضرة، في توصيات المؤتمر الذي حاول وضع آلية لمواجهة التطرف، ستُحال على القمة المقبلة للقادة العرب.