نزار كربوط شاعر تحت «سقف من فراشات»

الرباط - عمر شبانة |

ضمن الحساسية الجديدة في الشعر المغربي اليوم، تبرز تجربة الشاعر المغربي الشاب، نزار كربوط (مواليد 1982)، الذي يبني شعرية قصيدته وتجربته عموماً، على ثيمة ثنائية «الزمن/ الغياب»، حيث الشعور المرهف والمكثف بمرور الزمن، عبر حالات من العيش والضياع، ما بين اليومي والوجودي، فيخلق من هذه المفردات مفارقات ومجازات رشيقة، تشبه أجنحة الفراشات التي يرسم بها سقفاً للحياة.

مجموعته الشعرية «سقف من فراشات» (دار مرسم، الرباط)، هي الثالثة بعد «رماد عاشق»، و «أحمري يبتلعه السواد»، وتبدأ بقصيدة «كأنه شاعر» ويختمها بقصيدة «Wanted»، وما بينهما عناوين تنطوي على الغياب والعري وغيرهما من دلالات محكومة بالزمنية، في قصائد تغلب عليها الكثافة والاختزال والتصوير الضوئي باللون والحركة أيضاً، مع الاستخدام الشعري لمفردات ذات ظلال علمية، كما في قصيدته «غياب صفر كالوري» يقول: «تفاحة نيوتن لم تسقط بعد».

الغياب وما يحيط به، عالم حاضر منذ البداية حتى النهاية، ففي القصيدة الأخيرة مثلاً، وهي من القصائد القصيرة جداً، سؤال واضح عن الغياب في صورة الاختفاء «ماذا لو اختفيت عن الأنظار/ هل سينتبه العالم إلى غيابي؟»، وإجابة على سؤال العنوان الرئيس للمجموعة، يعلن «لا يهمني الأمر ما دام العالم الوحيد الذي أملكه/ هو حجرة من جدار واحد وسقف من فراشات».

نتقصى صور الغياب وأشكاله هنا، في الضياع وفي الهزائم الصغيرة، في المواعيد المكسورة، فنجد شخصاً «يغيب في ساعته اليدوية»، وتحضر صورة الشاعر الذي «ضل طريقه إلى حانة صديقة»، فنتابعه وهو «يسترجع آخر مرة نسي فيها موعده/ مع قصيدة صغيرة/ تقلد مشية المتنبي/ وصوت مجاز جريح/ لم تلتئم كلماته بعد».

من هذه المشاعر المبعثرة، ومن التمزقات والتشظي، يخلق الشاعر بنيانه القائم على أشيائه الصغيرة، مثل تطريز ناعم بالألوان الشفافة، يرسم صور عالمه الداخلي، ليقول العالم من حوله، فهو يتقمص روح شخص «يقضي يومه/ باحثاً عن لونه/ الذي تغطيه جموع المارة/ في شوارع الرباط»، وينتبه إلى العلاقات بين العناصر التي بين يديه، ليعيد خلقها، فنرى «دخان السيجارة يتحرش بالكلمات».

والغياب ليس شأناً يخص الإنسان في صورة مباشرة، بل يأتيه من صور غير مألوفة، فقد يأتي في صورة المنفى الذي يحدث في لحظات تحول الأشياء، كما هو الحال مع ثنائية أبيض/ أسود، ففي هذه الصورة، نجد أن «البياض»، عندما يختلط بالسواد، يدخل في حالة من حالات الغياب «كلما أمطرته حبراً/ صار الغياب منفاه».

وفي المشهد الشعري، في هذا المشغل الذي يعمل الشاعر فيه بأدوات حفار في اللغة والمعنى، ثمة «أطفال يغيبون في السواد»، أما «غياب الشاعر»، فهو «أمره سهل جداً/ لا يحتاج إلا لقلم رصاص/ ومسدس 14 مليمتر». ومن صور الغياب ما تتمثل في «آخر مكالمة له مع السفر»، أو شخص «ينسى أشياء بعد تذكرها/ ويتذكرها ذات غياب»، وصورة شخص يقول: «أنا مجرد كلمة في قاموس الغياب».

وللغياب صور أخرى تتجسد في تصفية الحسابات مع الحياة، وصولاً إلى القول والفعل على طريقة التوحيدي ربما «أحرقت كل قصائدي/ وأدرت ظهري للشرق». لكن الشاعر بعد هذه الغيابات، يروح في لحظة «يبحث عن كتابات مدينة أور/ وعن نقوش يحكى أنها أصل الأبجدية»، و «عمري قصير بين يديك، لن أهدره في الإنشاء والمقدمات الفارغة»، وفي ما يقارب لغة المتصوفة، والنفري تحديداً، يقول «كلما طالت المسافات يكبر الظل/ تلك حكمة الضوء/ فضاح/ لا يعرف معنى الأسرار»، أو «الدانتيل يلقي بظلاله على فخديك/ إنها قراءة سريالية لألوان قوس قزح»، أو نراه يرسم قصائد ويحرقها مع أغراضه القديمة، فإن «تلك مهنة الشاعر»، الذي «رزقه في التفاصيل الصغيرة»، ونجده وقد «أنهكه السفر في قطار عنيد لا يتوقف إلا في الخلاء»، وأوراق الشاعر التي «ترفض الكلمات/ لقد ضاقت ذرعاً بالفراغات/ و... نقط الحذف»، أو «مجازات لا تنام»، و «قوس قزح يعيد ترتيب الألوان/ يبحث عن هوية تليق بالبياض».

وأخيراً، نحن أمام نص يتدفق عبارات تختزل عوالم، وتتفجر منها الصور والمعاني والخيالات، لتصنع بصمة الشاعر وخروجه على المألوف، ففي خيال الشاعر فقط يحدث أن يسمع «هاتفك الخليوي يرن داخل نصي/ أجيبي من فضلك/ قبل أن تستفيق الكلمات».