الأساطير المتعلقة بمصر في كتابات المؤرخين المسلمين

القاهرة – هيام الدهبي |

الإنسان والزمان والمكان، ثلاث دعامات أساسية يرتكز إليها كل من الموروث الشعبي والتاريخ. فمصادر التاريخ تشتمل على الموروث الشعبي بأجناسه وإبداعاته التراثية من اعتقادات وخرافات وأساطير وعادات وتقاليد. ثمة علاقة جدلية بين الموروث الشعبي والتاريخ.

لذلك يأتي كتاب «الأساطير المتعلقة بمصر في بعض كتابات المؤرخين المسلمين» للدكتور عمرو عبدالعزيز منير والصادر حديثاً ضمن مشروع «مكتبة الأسرة»، الذي تنفذه الهيئة العامة للكتاب، القاهرة، في محاولة لإثارة الوعي بتراثنا الحضاري، صادراً عن رؤية تلتمس في الماضي التفسير الشعبي للتاريخ، أو ما يمكن أن نسميه البعد الثالث للدراسات التاريخية، أي التفسير النفسي والوجداني ورؤية الجماعة الإنسانية لذاتها وللكون والظواهر والأحداث من حولها.

يقول المؤلف: « هذه الدراسة تعالج فكرة محددة، فحواها أن التاريخ والموروث الشعبي وجهان متوازيان، يُفهم أحدهما بواسطة الآخر، ما يسّر على الباحث أن يتخذ المنهج التاريخي والتحليلي في رصد الأساطير والحكايات الشعبية والخرافية في كتابات المؤرخين القدامى وما نفذ إلى النصوص المتعلقة بمصر من مضامين فكرية ذات محتوى أسطوري موروث من المرحلة الغيبية السابقة التي كانت تشكل آراء التاريخ وموضوعاته على رغم صوغها صياغة تاريخية فنية على يد المؤرخين، وهي معلومات دينية وتاريخية ممزوجة بالحكايات الشعبية والخرافات والأساطير المتناثرة عن مصر في بطون الكتابات التاريخية».

ولقد اتخذت الدراسة من مصر محوراً بوصفها نموذجاً طيباً يمثل العنصر الثابت – نسبياً– في أركان العملية التاريخية (المكان) فضلاً عن أنها اكتسبت في مخيلة المؤرخين والكتاب أبعاداً ودلالات اقتربت من الأسطورة والخيال، وأخذ هذا التصور يتمتع في تلك المخيلة بصفة تكاد تكون نمطية تنطوي على الصدق حيناً وعلى الكثير من التصورات والأوهام الغامضة أحياناً أخرى.

ولعل هذه التصورات التي راحت تتضخم عبر العصور هي التي اجتذبت باقة من أعلام الشرق والغرب من أدباء ومؤرخين وفلاسفة وشعراء وغيرهم، فأقبلوا على روائع الماضي في مصر بما تحمله من دلالات جغرافية وتاريخية تمثل نمطاً فريداً مفعماً بالعلوم والفنون والسياسة والحكم ومحوراً للعلاقات القائمة بين أفريقيا وآسيا، وأوروبا والشرق، وذاكرة الماضي والواقع الفعلي، ومسرحاً لأهم الأحداث التاريخية العالمية.

يحتوي الكتاب على تسعة فصول. الأول يتحدث عن أبعاد العلاقة بين التاريخ والأسطورة وأوجه الائتلاف والاختلاف بينها، وفيه تعريف لكل من التاريخ والأسطورة. ويحكي كيف بدأت العلاقة بينهما منذ زمن مبكر من عمر الإنسان، وكيف كانت تلك البداية مرتبطة برغبة الإنسان في معرفة أصول الأشياء والعلاقات داخل هذا الكون. ولا يمكن القول إن مفهوم الأسطورة اصطلاحاً ينتمي إلى الغرب أو الشرق على حد سواء. مرجع هذا إلى اختلاف مفهومها في تراث كل منهما. ووصف البعض الأسطورة بأنها العلم البدائي، بمعنى أن المعرفة التاريخية ولدت من رحم الأسطورة، بل أن التاريخ عبر مراحله المختلفة رافق الأسطورة عبر حقب زمنية عدة. ولا عجب إن أصبح التاريخ والأسطورة شيئاً واحداً خلال أحد أطوار حياتهما. والتشابه بين وظيفة وطبيعة التاريخ والأسطورة أدى إلى خلق علاقة ثنائية بين الطرفين، فبدا وكأنهما وجهان لعملة واحدة.

ويحدثنا الكاتب في الفصل الثاني عن الأساطير والحكايات المرتبطة بأصل اسم مصر وأصول المصريين أنفسهم، وما حملته تلك الحكايات الخيالية عن اعتزاز المصريين ببلادهم وعن تنازع نسبة أصولهم إلى الحاميين أو اليونانيين أو العرب والكشف عن أن هذه الاتجاهات الثلاثة في الموروث الشعبي كانت ترضي حاجة ثقافية – اجتماعية لشرائح بعينها في المجتمع المصري آنذاك. وهناك من يعتقد أن السبب في تسمية مصر بأُم الدنيا أنها تحتوي على جميع أجناس الخلق وأنواع الأمم، كما تشتمل على أقوام تابعين للمذاهب الأربعة. ولعبت الأساطير والخرافات والحكايات الشعبية دوراً لا بأس به في محاولة كشف غوامض آثار مصر وعجائبها وأصولها ومدنها وحياتها وفضائلها وتعددت الروايات حول أصل هذا الاسم.

كما خصص الفصل الثالث لعرض المادة الفولكلورية التي تدور حول «فضائل مصر»، باعتباره نوعاً من التأليف نشأ مع بداية القرن الثالث الهجري، وجمع بين التاريخ والأساطير والموروث الشعبي، وكان إفرازاً للتفاعل القائم بين ما جاء به الإسلام واللغة العربية والموروثات الثقافية المحلية في كل مصر من أمصار دار الخلافة والتي اتخذت مسحة إسلامية تعكس أصداء اعتقاد المصريين بأن خيرات بلادهم اختصهم بها الله الذي منح تلك البلاد شهادة الخلود، التي جعلتها غير قابلة للزوال أو الاحتلال أو التجزئة أو الاحتواء حتى وإن تطاول البعض عليها. إن الموروث الشعبي المتعلق بفضائل مصر في كتابات المؤرخين كشف عمداً أو من دون وعي أن مصر لم تقف عند حدود الانتماء للإسلام كدين ودولة وإنما تبوأت مكانتها حتى لكأنها هي صاحبة هذا الدين والأمينة عليه.

أما الفصل الرابع فهو عن الأساطير والحكايات التي تناولت الحضارة المصرية القديمة، فهناك من المؤرخين من يشير إلى أن المصريين كانوا أول من تنبأ بالطوفان أيام سيدنا نوح وأول من وضعوا الأساطير عنها. كما شاعت حول الأهرامات ونظريات كثيرة اعتنقها المؤرخون القدماء حيث تركوا سيلاً من الافتراضات تتناقض في ما بينها عن أسباب تشييدها وكيفية تشييدها ومن شيدها ولماذا شيدها وماذا حدث وقتها؟ إن كتابات المؤرخين بما حملته من موروث شعبي حول آثار مصر تؤكد أنه لم ينظر إلى تلك الآثار على أنها أوثان أو مظاهر للكفر والوثنية يجب تحطيمها أو إزالتها. فالأساطير التي شاعت حول تلك الآثار ترجع بصفة أساسية إلى عدم معرفة أسرار الكتابة الهيروغليفية التي كانت مدونة على تلك الآثار، وحين قام هيرودوت بزيارته لمصر في القرن الخامس قبل الميلاد كان قد ندُر استعمال الهيروغليفية كلغة مصرية إلا بين بعض الكهنة. ولذلك أصبحت هذه اللغة كالطلاسم تماماً أمام كل من يفكر في قراءتها، ومن هنا شاعت الأساطير والخرافات القديمة عن المصريين القدماء الذين صنعوا هذه الحضارة.

وخصص الفصل الخامس للحديث عن الأساطير والحكايات التي تناولت الدفائن والكنوز المصرية وفراعنة مصر والتي كان الحديث فيها عن الكنوز يحمل بعضه شيئاً من الحقيقة، في حين حمل البعض الآخر رائحة المبالغة. كما حاول المؤلف أن يكشف صورة ملوك مصر القدامى التي وجدت في كتابات المؤرخين، وأن الآثار المصرية وكنوزها وأسرارها لا تزال تتوهج بالأساطير التي تركت آثرها على أصحاب الكتابات التاريخية.

وعُرضت في الفصل السادس أساطير أصول المدن المصرية القديمة بما تحويه من أخبار العجائب والغرائب التي تدل على مدى إعجاب الرواة وانبهارهم بإنجازات الحضارة المصرية القديمة، وهو الأمر الذي بدا واضحاً من خلال تلك القصص الخيالية عن الأعمال الإعجازية لملوك مصر القديمة. وجمع المؤرخون المسلمون عدداً من الأساطير والروايات الخيالية حول هذه المدن في إطار يجمع بين الأسطورة والتاريخ. وتكشف الأساطير التي تدور حول المدن المصرية القديمة بما تحويه من أخبار العجائب والغرائب، عن مدى إعجاب الرواة وانبهارهم بإنجازات الحضارة المصرية القديمة.

وجمع الفصل السابع بين الحديث عن عمران مصر وما دار عنه من حكايات شعبية إضافة إلى الحديث عن العجائب الموجودة على أرضها، على نحو يكشف عن حجم الخيال الذي غلف تاريخ هذا البلد، ويكشف عجز الرواة عن الوقوف على حقيقتها في محاولتهم تقديم إجابات تاريخية عن حضارة تليدة مضت ولكن آثارها ما زالت ماثلة أمام العيون. وينسب الكثير من منجزات هذه الحضارة إلى أعمال السحر والخوارق، بيد أن بعض هذه الحكايات كان يحمل ظلاً أو نواة من الحقيقة التاريخية في غالب الأحوال.

في الفصل الثامن حديث عن الأساطير والحكايات التي تناولت النيل ومصادر المياه في مصر، إذ أحب المصريون بلادهم وعشقوا النيل وصاغت الأساطير والحكايات الشعبية هذا الحب، كما أكدت أن حياة المصريين ووجودهم اعتمدا على نهر النيل اعتماداً مطلقاً. وكان الاهتمام بالنيل راجعاً إلى أن جميع من سكن مصر أو خالط أهلها أو زارها يعلم علم اليقين أن النيل هو السبب في ثراء مصر ورخائها وأنه الركيزة الأولى التي قامت عليها حضارتها المبكرة. وقام الوجدان الشعبي برحلة شديدة الحيوية يلم فيها بمنابع النيل ويبتدع لغة يتواصل بها مع النيل.

ويحكي الدكتور عمرو عبدالعزيز منير في الفصل الأخير عن الموروث الشعبي المتعلق بالشخصية المصرية التي ظلت عرضة للأخذ والرد وتضارب الآراء والتحليلات عند المؤرخين عبر عهود مختلفة، كما يكشف عن بعض الجوانب المتعلقة بفكر المصريين وتاريخهم.